ما العيب في التقارب الإيراني الأمريكي؟

حجم الخط
12

أستغرب كثيراً من شكوى كثير من المفكرين الخليجيين عن ‘التقارب الإيراني الأمريكي’ وعقدهم الندوة تلو الندوة وكأن إيران ليست من دول العالم ولا تستطيع أن تلعب سياسة ولا تفقه في الدبلوماسية والعلاقات الدولية .ما العيب أو المشكلة في أن تستخدم إيران أوراقها ومصالحها وتحركها وفقاً لأمنها القومي، كما تفعل كل الدول الحريصة على سيادتها .
أليس التقارب الخليجي والسعودي بالتحديد مع أمريكا (بل إنه أكثر من تقارب يصل إلى درجة التلاصق والالتصاق والتوحد أحيانا) عمره أكثر من سبعين عاماً؟ دعونا من الماضي. في التاريخ المعاصر هل استطاعت دول الخليج فرادى أو مجتمعة، والسعودية بالتحديد أن تستفيد من تقاربها مع أمريكا أو غيرها من دول الغرب؟
لا استفدنا من أمريكا والغرب في الشأن الفلسطيني، فلم نستطع أن نضغط على أمريكا والغرب بتحريك مصالحنا وأوراقنا معها لنمنعها من اتخاذ (الفيتو) أو حق النقض لصالح إسرائيل، حتى في المسائل الواضحة المدانة عالميا، كالمذابح، قنا الأولى والثانية وصبرا وشاتيلا وغزة وغيرها مما لا يمكن حصره، دعكم عن القرارات التاريخية مثل 242 و383 و194 وغيرها كثير. ولم نستفد من تقاربنا مع أمريكا ودول الغرب لا في العراق ولا في سورية، ولا في أي مكان أو شأن أو قضية، حتى لم نتظاهر في أن ترى فينا أمريكا ‘غلظة’ أو نريها ربع عين حمراء، بل إن أمريكا تكافؤنا كل يوم بالصفعات والإهانات على تقاربنا والتحامنا معها، وفتح حدودنا ودكاكين نفطنا لها، فهي تغير بطائراتها بدون طيار على سيادة اليمن وباكستان وغيرهما، وتقتحم مدنا عربية وتختطف من تشاء وفي الوقت الذي تشاء وتقتل من تشاء من العرب والمسلمين.
المرة الوحيدة التي حاول فيها (الملك فيصل يرحمه الله) ولو كان رمزيا أن يوقف ضخ النفط لأمريكا لفترة محدودة ولأسباب تكتيكية ودعائية، إلى حد ما، في أعقاب حرب 1973 استكثرت عليه أمريكا بإيعاز من الإيباك والصهاينة، وأخذتها العزة بالإثم كيف يتجرأ حاكم عربي أن يقدم على خطوة كتلك؟ فقتلوه .
وفي المقابل أخذت إيران العراق وشيعتْها رسميا من غير أن تنفق ريالاً واحداً نتيجة لعبها السياسي البارع مع أمريكا، ودول التقارب العربي الأمريكي تتفرج وهي ترى دولاً عربية تغزوها إيران وتنشر في ربوعها المذهب الشيعي. واضطرت أمريكا والغرب أن تجلس مع إيران مرات ومرات لمناقشة برنامجها النووي ولم تتنازل عن تخصيب اليورانيوم بنسبة 20′. وحركت مصالحها وأوراقها ببراعة في سورية، وأفشلت أي خطوة أمريكية حقيقية كانت أو دعائية لحظر الطيران الحربي السوري، ولم ترَ في تدمير السلاح الكيميائي السوري أية أهمية، طالما أن النظام متفوق بسلاح الطيران القادر على قطع الطريق على المعارضة المسلحة لاسيما مع وجود أسلحة محدودة وغير فعالة بيد المقاتلين المناوئين للنظام. إيران خصم لنا نعم، بيننا وبينها خلافات حادة نعم، لها مصالح ومراكز قوى ونفوذ وبؤر اقتصادية ومالية ضخمة في دولنا نعم . بَيْدَ أننا يجب أن نعترف أن إيران رغم كل ذلك دولة ناجحة ومتقدمة ومصرة على أن تقتحم العالم، ولذلك علينا أن نتعلم من تجربتها ومدرستها السياسية .لم تعجبني خطوة الحكومة البحرينية الخاصة بإغلاق متحف الثورة الشعبية الوطنية، وإنْ شابتها رياح مذهبية. فالخطوة فاقمت من حالة العداء بين مكونات المجتمع البحريني الواحد، يعني اننا فقط بارعون في إظهار عنترياتنا على بعضنا بعضا .ولو لم تقدم الحكومة على مثل هذه الخطوة غير المدروسة لَعُدَّ المتحف إنجازا وطنيا بحرينيا، فهو في أرض البحرين وليس في إيران.
المشكلة ليست في إيران فمن حق إيران أن تدافع عن مصالحها وتحركها وتستخدمها
وتتقارب مع من تريد. المشكلة فينا نحن الذين لم نستفد ولن نستفيد طالما بقيت حالتنا الذهنية كما هي الآن وأمس وغداً، إلا إذا حدثت كرامة إلهية في أرض المعجزات والكرامات .

‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية