مروان العياصرة الكتابة عن (ما بعد الإسلاميوية) فيما تلا نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية وفوز حزب الحرية والعدالة بمرجعيتة الإخوانية كتابة ملتبسة وشائكة، ومتزاحمة بكثير من الأفكار التي قد تأخذنا خارج المسافة النقدية المتوازنة واللازمة لتناول موضوع مثل هذا، سواء أكان هذا التناول على مستوى الأفكار أو على مستوى الممارسة ومستويات التطبيق والتحقــــيق، فليســــت الأفكار وحدها هي البرهان، وليست الممارسة كذلك وحدها هي الدليل على التحول الإسلاموي إلى ما بعد إسلاموي، إنما هما الاثنان معا، ولقد رأينا كيف وقف المصريون جميعهم ومعهم العرب والعالم أيضا بانتظار ما سيقوله محمد مرسي رئيس مصر الثورة، وحين قال وألقى خطابه المليء بالأفكار تحولت الرؤية باتجاه آخر وقال كل هؤلاء المراقبون والمحللون علينا أن ننتظر لنرى كيف سيعمل على تحويل الخطاب النظري إلى قابلية التطبيق في إدارة الدولة.
ربما تجدر الإشارة ولو كانت مقتضبة إلى (ميلي غوروش)، المنظمة الإسلاموية التركية التي اختبرتها ألمانيا واختبرت فظاظتها وقدرتها على الاشتباك والتصادم معها ومع كل الغرب، لكنها في لحظة حاسمة من مسيرتها بدأت تقدم للعالم تجربتها الجديدة في التحول إلى ما بعد الإسلاموية، ما يعني إعادة تشكيل وعيها وخطابها، وتكوين إطار جامع يخرج من إطار الجماعة إلى حيز المساهمة في الدولة مرورا بخطاب مركب، كعلامة دالة من دوالها الفكرية الحديثة لإسلامية ما بعد الإسلاموية، ومرورا أيضا بممارسة منهجية متوازنة لهذا الخطاب المركب، بمعنى أن يحمل الخطاب بمركباته وآليات دلالاته قصدية واقعية لا تأويلية، فنحن اليوم لسنا أمام درس في الخطابية اللغوية يطلب إلينا أن نفككها ونؤولها، بل أمام اختبار الخطاب في السياق التداولي العملي.
يعتقد (فرنر شيباور) الأنثروبولوجي الثقافي الألماني وصاحب كتاب (ما بعد الإسلاموية) أن منظمة ميلي غوروش استطاعت أن تتجاوز نفسها بعد أن احتكت بالديمقراطية التداولية الحقيقية، وبعد أن رأت قدرة وإمكانية الآلة الديموقراطية على إنجاز الأفكار نظريا وإنجاحها عمليا، كما استطاعت أن تعيد إنتاج خطابها الكلاسيكي وتحتوي ألفاظه ومفرداته الفظة وتكسبها طابعا جديدا قابلا للحياة في مجتمع ديمقراطي علماني، ورغم ما واجهته المنظمة من محاولات إفشال تحولها الجديد إلى ما بعد الإسلاموية وتدخل الفكر الأمني الاتهامي والتشكيكي وربطها بحماس في فلسطين وتوظيف مسألة الحجاب وجدل حقوق المرأة للإيقاع بها وتكريس الشك بأفكارها وطموحاتها، فإنها تمسكت برؤاها الجديدة واستطاعت أن تنهض من أعباء لحظتها التاريخية وتؤسس كينونة متجددة تتعاطى من خلالها مع العالم بمنظور إيجابي قابل للحياة.
الأمر نفسه انسحب على تونس وتجربة حزب النهضة وتعاطيه مع ملفات الحجاب والمــرأة والحريات والديمقراطية من حيث تكريس أفكار جديدة في التقارب الإسلاموي العلماني، وينسحب أيضا – بصورة أقوى وأكثر جاذبية للجدل والشك – على الدولة الجديدة في مصر، وإعلان الإخوان منذ ترشحهم للرئاسة أنهم مدنيون مصريون ديمقراطيون وصولا إلى ما بعد إسلامويين، فهم اليوم في موقف التحول الأخطر، الذي يتطلب تحوطا خطابيا أولا، حيث تغدو الكلمات حبالا من مسد على أعناقهم، ويتطلب كذلك قدرة كبيرة على الدخول في دهاليز الدولة العميقة التي خلفها النظام السابق، لأن هذه الدهاليز ربما ستكون بؤر ساخنة مفخخة في طريق إدارة الدولة الجديدة.
الخطاب الأول لما يمكن اعتباره خطاب المرحلة ما بعد الإسلاموية، والذي ألقاه الدكتور محمد مرسي بعد إعلانه رئيسا لمصر الثورة، كان خطاباً علمانياً قومياً، وطنياً إسلامياً، مركبا من كل هذه الدلالات التي كان من الصعب أن تنوجد في مرحلة سابقة لمرحلتها هذه، مما قد يعطي مؤشراً واضحاً على قدرة الجماعة على إنجاز تحولها إلى الدولة، وقد ذكرت أو وصفت الخطاب بأنه علمانياً تجاوزاً للمؤشر التفسيري التقليدي للعلمانية، إذ لم تعد العلمانية في النظر العميق خطراً يتهدد الدين، بل أصبحت قيمة بنيوية عميقة تتجاوز حدود الفكرة المحنطة أعني (فصل الدين عن الدولة)، والتي يستبقيها الفكر ما بعد الإسلاموي في متحف الكلاسيكيات التعريفية للعلمانية، ولست في مجال بيان أسباب وأوجه تخطيء هذه الفكرة المحنطة بما حمَّلها الإسلاميون التقليديون من وهم المساس بالدين، وأكتفي هنا بما حاوله (جون هوليوك) القادم من نهايات القرن الثامن عشر الذي يعتبر أول من نحت مصطلح العلمانية بمعناها ومبناها الدقيق، إذ حاول أن يجعله محايدا تماما عن المسألة العقدية، مؤمنا بإمكانية (إصلاح الفرد من دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض)، واتكاءً عليه قلت إن خطاب الدكتور محمد مرسي علمانياً في أحد دلالاته، لكونه خطابا موجها لكل المصريين، بمختلف طبقاتهم وفئاتهم وبمنأى عن ثنائيتهم الديمغرافية كمسلمين ومسيحيين أقباط.
هنا في مصر يجتمع الضدان غير الخصمين الإسلاميون والمسيحيون، الرئيس الـ ما بعد إسلاموي، على تقدير ما سيكون، ونائب الرئيس إن كان مسيحيا أو إمرأة، إن صحت الأخبار في هذا، ويجتمع أيضا الخصمان التاريخيان اليساريون والإسلامويون، على طريق هذا التحول المنتظر، والسؤال: من يستطيع أن يصمد أكثر في بوتقة الإحتواء الديمقراطي الـ ما بعد إسلاموي.. ؟ المطلوب لإنجاح هذا الإحتواء هو أن يتجاوز الجميع أنفسهم، وأن يقفزوا فوق خلافاتهم وأن يجدوا صيغة توافقية لمشكلات الجمع بين قيم ما بعد إسلاموية وقيم الحداثة العلمانية والديمقراطية، والمطلوب أكثر من الإسلاميين في مسار التحول الديمقراطي ان يثبتوا جدارة وجدوى نظرية الإسلام والاندماج.. الاندماج بين محافظية الإسلام وانفتاحية العلمانية وحداثثتها وتعصبية السلفية والروح المسيحية القبطية.’ كاتب اردني