ثمّة واقع جديد في المنطقة يتطلّب التعامل معه على أنه أضحى حقيقة لها نتائج وتداعيات وارتدادات وانعكاسات. ما قبل اتفاق السلام أو التطبيع الإماراتي – البحريني مع إسرائيل ليس كما قبله. يذهب المناهضون إلى وصف يوم 15 أيلول/سبتمبر 2020 بـ”الثلاثاء الأسود” الذي شهد احتفالية التوقيع في “البيت الأبيض” لكن ذلك لن يُغيّر حقيقة أننا أمام “فجر شرق أوسط جديد” على حد تعبير الرئيس الأمريكي، بدأت معالمه تدخل حيّز التنفيذ والإشهار والتشكُّل على الأرض، وستكون أولوياته وقضاياه وأهدافه مختلفة عمّا سبق وعاشته الأجيال السابقة لعقود. شرق أوسط جديد سيُعزز دولاً ويُضعف دولاً أخرى، وتتغيّر فيه هوية الأعداء والأصدقاء، ويُرسي تحوّلات جيو-سياسية كبرى.
يرى المحلّل لشؤون الشرق الأوسط الأستاذ الجامعي سامي نادر أننا “ذاهبون إلى شرق أوسطين، شرق أوسط يعقد سلاماً مع إسرائيل ولديه منظومته الأمنية ونموذجه الاقتصادي يسير بسرعة فائقة، بمواجهة شرق أوسط آخر ليس بالضرورة موحّداً، تُحاول أن تتنازعه قوى إقليمية أخرى على رأسها تركيا وإيران، وقد تكون قوى إقليمية أخرى مثل روسيا”. في رأيه أننا “سنكون أمام مشهد شبيه بمشهد أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية”.
ما هو أكيد أن قطار التطبيع يضم دولاً أخرى، افتتحته الإمارات خليجياً، وستكون المملكة العربية السعودية في ختامه. وبين البداية والنهاية ستصعد إلى متنه دول خليجية وغير خليجية. الأمريكيون يتحدّثون عن خمس دول تتحضّر وستلتحق، واللائحة ستطول.
الإنجاز على صعيد السياسة الخارجية الذي يُريد ترامب توظيفه في حملته الانتخابية لدى الإنجيليين قد تحقّق. وقد تضيف عليه إذا أعلنت دول جديدة التحاقها بركب السلام قبل موعد الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، لكنها لن تُقلل من الإنجاز إذا تريّثت. مفاعيل التوقيت لجهة توظيف ترامب لها ستنتهي، وكذلك إفادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في معركته الداخلية، إنما لن يكون هذا حال “الاتفاق الإبراهيمي”، وليس حاله أيضاً شبيه بحال اتفاق كامب دايفيد مع مصر ولا اتفاق وادي عربة مع الأردن، حيث إن السلام لم يفضِ إلى تطبيع بالنسبة لإسرائيل على مختلف النواحي، ولم يحصل أي اندماج إسرائيلي في المجتمعين المصري والأردني، هذا فيما لم يُحقق “اتفاق أوسلو” مع الفلسطينيين الاختراق المطلوب.
“الاتفاق الإبراهيمي” سيفتح الباب نحو تعاون اقتصادي وعلمي وتكنولوجي بين إسرائيل والخليج عملياً، حيث اقتصادات المنطقة الأكبر والأكثر تقدماً. ولكن أيضاً سيفتح واسعاً باب التعاون والتنسيق الأمني والعسكري، وهذا ما يُشكّل نقطة تحوُّل أساسية.
يعتبر المنظّر السياسي لـ”محور إيران” وسيم بزي أن “إيران نجحت في فرض طوق على حدود الكيان الإسرائيلي بوجود مباشر وبالصواريخ. فهي موجودة في الجنوب اللبناني عبر “حزب الله” وفي الجولان عبر الحليف السوري وفي غرب العراق عبر “الحشد الشعبي” وفي غزة عبر حماس والتنظيمات الإسلامية، بمعنى أن إيران تتمترس في الحديقة الخلفية لإسرائيل”. اليوم أصبحت إسرائيل بفعل الاتفاق الإماراتي – البحريني في الحديقة الخلفية لإيران، وتتوسّع. وهذا يُشكّل نقلة نوعية في الصراع، ويحمل مخاطر جمّة على الأمن القومي الإيراني، خصوصاً إذا مضت الإمارات في اتفاق واسع المعالم سياسياً واقتصادياً وأمنياً وعسكرياً.
وفي معلومات لصيقين بـ”محور إيران” أن طهران تراقب بدقة ما ستكون عليه الخطوات الإماراتية المقبلة، وسط قلق من التسريبات عن إمكان أن تُـقْدِم إسرائيل على إنشاء قاعدة تحكّم وسيطرة في جزيرة سقطرى اليمنية على غرار ما يُشاع عن القاعدة الإسرائيلية في منطقة “زاويته” في كردستان العراق. وهذا يعني أن الإمارات خطت خطوة كبيرة في مواجهة إيران، إذ إن جماعة “المحور” كانت تميّز على الدوام الإمارات عن المملكة، خصوصاً في “التحالف العربي” في اليمن، وهناك حرص إماراتي – إيراني على الإبقاء على الخيط الرفيع الذي يربط العلاقة بينهما.
ما أسرَّ به هؤلاء اللصيقون بـ”المحور” أنه ليس بعيداً أن تتلقى الإمارات رسالة تحذيرية بالنار عبر الذراع الإيرانية في اليمن. ويجري الحديث في الكواليس عن “ضربة تحذيرية” ستُوجّه باسم الحوثي إلى القيادة الإماراتية من أجل التمعّن في حساباتها والتوقف ملياً عند ما تعتبره إيران خطوطاً حمراً لن تسمح بتجاوزها.
تُدرك إيران في العمق أن تحوّلات كبرى تحصل في الشرق الأوسط، فهي كانت تتعايش مع واقع أن هناك علاقات تنسيق غير معلنة بين دول عربية وإسرائيل، إنما ما كانت تتوقع إشهارها عبر اتفاقات سلام والذهاب إلى آفاق أرحب من التعاون. يذهب وسيم بزي إلى اعتبار أن “الهدف الاستراتيجي من “الاتفاق الإبراهيمي” نقل إسرائيل من كيان مرفوض في قلب الدول العربية إلى كيان مرغوب، وقولبة العالم العربي ووجهته الجيوسياسية، فكي تكون إسرائيل عنصراً مرغوباً لا بدّ من وضع إيران في موضع العدو المشترك”.
حين أتى رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية إلى بيروت وأطل من مخيم عين الحلوة رافعاً سقف التهديدات ضد إسرائيل، كانت إيران تردّ على الإعلان عن “اتفاق التطبيع”. ففي مقابل التحالف الخليجي – الإسرائيلي أو العربي – الإسرائيلي ضد إيران الذي سيصبح حقيقة ملموسة، هناك التحالف الذي يقوده “الحرس الثوري” والمؤلف من أذرعه العسكرية في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن وغزة، والذي سيسعى إلى إبقاء وجود ميليشياتها وسيطرتها على الدول التي حوّلتها إلى دول فاشلة وساحات حرب.
وبين هذين الحلفين، ثمة دول في وضع لا تُحسد عليه، وبينها مصر والأردن، الدولتان المطبّعتان مع إسرائيل واللتان ستخسران من دورهما كـ”نقطة وصل” ما بين تل أبيب والدول العربية، وستواجهان تحديات اقتصادية جرّاء “التطبيع الخليجي” واستحقاقات مصيرية بعدما تراجعت عملية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية إلى آخر سلم الأولويات العربية أنظمة وشعوباً، وبعدما أضحى حل الدولتين الذي ارتكزت عليها المبادرة العربية في بيروت، تحت شعار “الأرض مقابل السلام ” في مهب الريح. وليس العراق بأفضل حال، وهو الذي سيجد نفسه يُصارع لتجنّب المزيد من الانشطار السياسي. فهذه الدول التي تسعى إلى نوع من التمايز، ستجد نفسها في وضع أكثر حراجة إذ اشتد الصراع في المنطقة.
فالكل يسير على الساعة الأمريكية لترتيب أوراق المرحلة المقبلة التي ستفرزها نتائج الانتخابات الرئاسية، غير أن ثمة عناصر حاكمة بات من الصعب القفز فوقها حتى لو لم يفز ترامب، وسيكون على الرئيس الديمقراطي جو بايدن أن ينطلق منها ويُؤسس عليها. فعقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء في ما يتعلق بـ”الاتفاق النووي” الذي أشار بايدن نفسه إلى أنه يرغب في إدخال تعديلات عليه تتماهى مع الشروط التي سبق أن وضعها ترامب، ولا في ما خص “الاتفاق الإبراهيمي” الذي استطاعت دول الخليج أن توفر من خلاله وضعية أكثر تماسكاً لها، ولا في ما خص “صفقة القرن” ومكاسبها الإسرائيلية وارتداداتها الفلسطينية.