«قمع الاحتجاجات، والتعدي على الصحافيين، وشكاوى من كيانات نسوية بعدم جدية الحكومة الانتقالية بإلغاء وسن قوانين وتشريعات تساهم في تعزيز حقوق المرأة» هذه هي العناوين الأبرز في السودان خلال الأسابيع الماضية، جاء ذلك وسط تساؤلات وجدل عن مدى التزام الحكومة الانتقالية إتاحة الحريات العامة.
وتباينت الآراء إزاء الأوضاع المتعثرة في مجالات الحريات، إذ يرى البعض أن هناك ردة كبيرة من قبل حكومة الثورة في احترام حقوق التعبير وترسيخ مجمل الحريات، في حين يرى آخرون أن ما يحدث يرتبط بطبيعة المرحلة الانتقالية نفسها وصعوبة التخلي المباشر السريع عن الأرث القمعي والقانوني الذي خلفه النظام البائد.
الثلاثاء الماضي، شهدت مدينة زالنجي، غرب السودان، احتجاجات طلابية قابلتها السلطات الأمنية بالرصاص ونزول مدرعات عسكرية في الشوارع، الأمر الذي أدى إلى مقتل أحد الطلاب وإصابة ثمانية حسب ما أكد بيان صادر من جامعة زالنجي، التي ذكرت أن قوات عسكرية مرابطة بالقرب من مقر الجامعة قامت باطلاق النار على الطلاب في أعقاب مشادة كلامية بينهم بسبب فتح أحد أبواب الجامعة، وقالت إدارة الجامعة إن الطلاب سيروا تظاهرة احتجاجية إلى مقر حكومة الولاية قوبلت أيضاً بإطلاق نار كثيف من قبل القوات الأمنية المكلفة حراسة المقر، وأدان البيان استخدام الذخيرة الحية ضد الطلاب العزل وحمّل اللجنة الأمنية في الولاية المسؤولية ودعا لتقديم المتورطين في الأحداث للمحاسبة العاجلة.
وفي المقابل قررت لجنة أمن ولاية وسط درافور فرض حالة الطوارئ وحظر التجول في زالنجي اعتباراً من الساعة السادسة مساء وحتى السادسة صباحاً، مع نشر قوات عسكرية في الطرق الرئيسية والمواقع الاستراتيجية، وبررت ذلك بالعنف الذي صاحب التظاهرات الطلابية.
قمع الاحتجاجات السلمية
يبدو أن قمع الاحتجاجات السلمية من قبل الأجهزة الأمنية وسقوط قتلى وجرحى، مشهد ظل يتكرر بالرغم من سقوط النظام الشمولي وصعود حكومة من صلب الثورة، وإقرار مبادئ الحريات العامة في الوثيقة الدستورية التي تحكم البلاد.
وترصد الجمعيات والمنظمات الحقوقية العديد من الانتهاكات التي صاحبت الاحتجاجات السلمية كما ترصد قائمة طويلة من القتلى والجرحى الذين سقطوا برصاص الأجهزة الأمنية التي تطالب بالتوازي بإصلاحها وتغيير عقديتها لتتماشى مع المبادئ التي نادت بها الثورة.
ويشار إلى أن الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية في السودان الآن، نصت بداخلها على وثيقة خاصة للحقوق والحريات الأساسية تم الاتفاق من خلالها على حماية الحريات الشخصية للمواطنين وحقوقهم بالأمان واحترام كرامتهم الإنسانية وعدم توقيفهم عشوائيا أو اخضاعهم للتعذيب أو لمعاملة قاسية أو مهينة. بالإضافة إلى ضمان حرية المعتقد والعبادة وحرية التعبير ونشر المعلومات وحرية التجمع والتنظيم والمشاركة السياسية وحقوق المرأة والمساواة مع الرجل.
مصادرة الحريات
وفي سياق القمع المتصل بمصادرة الحريات، تعرضت إحدى المطربات مروة الدولية، قبل فترة للضرب من قبل قوات الشرطة التي داهمت حفلا كانت تتواجد فيه، ووجد ذلك الفعل استياء وسط الناشطين والحقوقيين.
وفي الأيام الماضية تعرض الصحافي، علي الدالي، للاعتداء من قبل أفراد يتبعون لهيئة الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش، وقام المعتدون بضربه بطريقة وحشية نقل على أثرها إلى المستشفى وهو في حالة غيبوبة تامة.
وكانت الأجسام الصحافية السودانية أعلنت في بيان مشترك، مقاطعة أخبار الجيش لمدة ثلاثة أيام كما نفذت وقفات احتجاجية أمام مجلس الصحافة والمطبوعات في وزارة الإعلام ومجلس الوزارء، وأشارت إلى أن الاعتداء يكشف سوءة عكسرة وتجيش الفضاء العام ويوضح استمرار عقل الاستبداد القمعي والتنكيل بالصحافيين الذين تكررت الاعتداءات عليهم جسدياً ورمزياً وقانونياً.
ومن جهتها، أعلنت هيئة الاستخبارات الشروع في التحقيق في حادث اعتداء بعض منسوبيها على الصحافي علي الدالي وقالت إنه جاء إثر مشاجرة بين أحد الأفراد وبعض المدنيين. وأكدت الاستخبارات أن الاعتداء لا يمثل إلا القائمين به ولا يخرج من سياق التصرفات الفردية، وأوضح أنه سيقابل بالإجراءات القانونية التي تحفظ الحقوق وتمنع تكرار الاعتداء مع سيادة حكم القانون.
ويرى مراقبون أن الإشارة إلى التصرفات الفردية لا تنسجم مع الدعوة إلى إصلاحات داخل الأجهزة الأمنية، والتي لم يتم الاتفاق عليها في الوثيقة الدستورية.
ممارسات ضد الصحافة
وبدورها أصدرت شبكة الصحافيين السودانيين، الأربعاء، بياناً آخر، كشفت من خلاله على إلقاء نيابة المعلوماتية القبض على الصحافية سعدية الصديق، بسبب مادة نشرت في صحيفة «التيار» كما أشارت إلى مثول الصحافي في صحيفة «الحداثة» راشد عبدالوهاب أمام نيابة الصحافة والمطبوعات على خلفية بلاغ من قبل شرطة المخالفات بمحلية الخرطوم عقب تغطية الصحافي لموكب «الباعة المتجولين» بالسوق العربي الأسبوع الماضي.
وأعلنت الشبكة تضامنها مع الصحافيين وحذرت من عودة الممارسات ضد الصحافة والصحافيين التي كان يقوم بها النظام السابق.
ووصفت «الشبكة» قانون جرائم المعلوماتية الذي على ضوئه تم إلقاء القبض على الصحافية سعدية بالمعيب والمكرس للقمع ويعمل على إسكات الصحافيين ومنع حرية التعبير، مشيرة إلى انه لا ينسجم مع الثورة وأهدافها.
ويثير قانون جرائم المعلوماتية جدلاً حول طبيعته ويصفه البعض بالفضفاض الذي يمكن من خلاله إساءة استخدام القانون للحد من حرية التعبير ويذكر أن القانون تم إصداره أبان العهد البائد وصمم للحد من حرية النشطاء والمدونين والإعلاميين، وتم تعديله في العام 2020 لكنه بحسب القانونين لم يختلف كثيراً بل زاد العقوبات.
مسودات قوانين الحريات
وفي إطار القوانين المتعلقة بالحريات، طرحت وزارة الإعلام ثلاثة قوانين للنقاش لتنظيم مهنة الصحافة والعمل في هيئة الإذاعة والتلفزيون وقانون ثالث عن حق الحصول على معلومة، ووجدت مسودات تلك القوانين انتقادات من البعض كما فتحت الباب عن وضعية الحريات الصحافية بعد الثورة.
ويقول الصحافي والمدافع الحقوقي، والمنسق العام لمنظمة «صحافيون لحقوق الإنسان – جهر- السودان» فيصل الباقر، إنّ الحريات الصحافية، شيءٌ يُنتزع، ولا يُمنح أو يُعطى بالمجّان، ولا يأتي إلّا بعد نضال جسور، وصراع طويل ضد سياسات وسلطة منع الحريات وتكبيلها، وهذا ما حدث، وعليه، وبالضرورة، يصبح واقع الحريات الصحافية بعد ثورة كانون الأول/ديسمبر 2019 المجيدة، واقعاً جديداً، يجب أن يُعبّر عن شعاراتها (حريّة.. سلام .. وعدالة)».
ويشير إلى انتهاء ظاهرة الرقابة القبلية «المسبقة» التي كانت تمارسها الأجهزة الأمنية، لكن يرى الباقر أن ظلالها ما زالت باقية، وتتمثّل في «الرقابة الذاتية» التي يفرضها الصحافيون والكتاب والصحافيات والكاتبات على أنفسهم/ن، بدون وعي، أو بوعي، بسبب العيش في مناخ الرقابة المسبقة، التي كانت سائدة قبل الثورة.
ويعتقد الباقر أن العقل الصحافي في السودان ما زال يحتاج إلى الانتقال لعصر الكتابة، في فترة، ما بعد الثورة، وهذا يتطلّب من المجتمع الصحافي، الانتباه لأهمية «التنظيم الذاتي، الذي يؤطّر لمواثيق الشرف الصحافي» والتي تضع الحريات الصحافية في سياقها الصحيح، بحيث تكون حريّة مسؤولة، تلتزم بمعايير وقيم وأخلاقيات مهنة الصحافة المعروفة.
بالنسبة لمسودات القوانين الثلاث، يقول الباقر: «هي مسودات مطروحة للحوار والإثراء والتطوير، والنقاش العام المفتوح، وفي الهواء الطلق، عقد حوار عميق يشارك فيه المجتمع الصحافي، والمجتمع بأكمله، بحيث تؤدّي المناقشات إلى دمقرطة الإعلام في السودان، وهذا يتطلّب التثوير التشريعي والقانوني والإصلاح المؤسسي الذي يجب أن يفضي بالضرورة إلى بيئة ومناخ جديدين، لتقوم الصحافة والميديا بدورها المنوط بها».
وأضاف: «في تقديري إنّ طرح المسودات الثلاث للنقاش العام، فرصة تاريخية نادرة، يجب استثمارها، بالمشاركة الفاعلية، لكونها فرصة – قد لا تتكرّر – ومن الأفيد والأفضل، المشاركة والمساهمة، في عملية وضع قوانين ديمقراطية للإعلام، بدلاً عن إضاعة الوقت في انتظار إجازتها، بعيوبها، ثمّ ندخل كمجتمع صحافي في رفضها ومناهضتها» ودعا المجتمع الصحافي والكيانات الصحافية والإعلامية المختلفة، للانخراط في النقاشات الدائرة – الآن- في مسودات القوانين الثلاث، لتجويدها، وتحسينها وتطويرها، للوصول إلى قوانين تلتزم بالمعايير الدولية المعروفة.
المرأة تنتظر الإنصاف
حين اندلعت الثورة السودانية في كانون الأول/ديسمبر 2019 كانت أولى الشعارات إتاحة الحريات العامة، كما لعبت المرأة دوراً حاسما في الحراك الثوري.
وبعد عامين ما تزال المرأة تنتظر الإنصاف اللائق والمتسق مع ما جاء في الوثيقة الدستورية، وبالرغم من التقدم الذي أحرز في هذا المجال الإ أن هناك تحفظات من بعض الناشطات حيال الحرية الممنوحة لهن وما زالت هناك مطالبات بإلغاء القوانين وسياسات التمييز ضد المرأة بالاشارة إلى قانون الأحوال الشخصية وإلغاء ولاية الذكور، وأيضا منحهن حق الطلاق والمساواة في الميراث.
وما زالت الناشطات النسويات يطالبن بمشاركة النساء في كافة مستويات الحكم وتعديل قانون الانتخابات، للسماح للنساء بالترشح بالإنابة عن مجتمعاتهن، وليس فقط ضمن القوائم النسوية.
لبنى عبدالله رئيسة كيان الصحافيات وناشطة نسوية، قالت لـ«القدس العربي»: «لا توجد تغيرات جنتها المرأة بعد الثورة على مستوى المشاركة حتى في وضع القوانين ذات الصلة بنشاط وعمل النساء» وتشير إلى تجاوز النساء في كافة الأنشطة منوهة أن الحكومة الانتقالية تقوم باختيار بعض النساء للتضليل إعلامي فقط.
وتؤكد لبنى أن نساء السودان بمختلف مواقعهن ساهمن بصورة كبيرة في التغيير، وكان ذلك واضحا للعيان وأقرت الوثيقة الدستورية تمثيلهن بنسبة 40 في المئة في كل مستويات الحكم. وتتأسف لعدم تنفيذ ذلك وتقول ذلك تسبب في الاحتجاجات النسوية كان آخرها الأحد الماضي بعد أن عقدت نساء مسار دارفور مؤتمراً صحافياً في وكالة السودان للأنباء عن المشاركة في اتفاق «سلام جوبا» قمن بتوضيح الحقائق حول عدم التزام الحكومة بانفاذ الحقوق المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية والمضمنه في اتفاق السلام، مشيرة إلى تهميش العنصر النسوي، ووضعهن كمجرد شكليات للكسب السياسي الرخيص وكسب تعاطف المجتمع الدولي ودعمه.
بينما تقول الكاتبة الصحافية ومؤسسة منظمة «لا لقهر النساء» أمل هباني، أن أهم التغييرات التي جنتها المرأة بعد الثورة تتمثل في إلغاء قانون النظام العام وزيادة مساحة الحريات التي أصبحت تتمتع بها المرأة بعد سقوط نظام الانقاذ الذي كانت ايديولوجيته مكرسة لقهر النساء واذلالهن.
كذلك ترى أن هناك تعديلات قانونية أنصفت المرأة مثل إلغاء المواد في قانون الأحوال الشخصية (لوائح الجوازات والهجرة) التي تتعلق بطلب إذن من الأب لسفر الأطفال مع والدتهم مشيرة إلى أنها مواد عانت منها مئات النساء المطلقات. كذلك تشير بأن الموافقة على اتفاقية سيداو تعتبر من التغييرات الإيجابية .
لكن هباني تعود وتقول أن الحكومة الانتقالية لم تتعامل بروح الثورة التي قادتها النساء بل أقصتهن من المشاركة السياسية ولم تلتزم حتى بنسبة الـ 40 في المئة التي حددتها الوثيقة الدستورية، كما أن النظام العام تحول من قانون لممارسات اجتماعية مثل تعنيف النساء في الشارع بسبب ازياءهن واعتداء الشرطة على المغنيات مثل ما حدث لمروة الدولية وسجن الصحافيات مثل ما حدث للزميلة سعدية صديق.
وتنوه هباني أنه لم يحدث أي تغيير لصالح حقوق المرأة في الخطاب الإعلامي ولا المناهج التعليمية ولا حتى سياسات الدولة بل وتعتقد أن الغلاء الفاحش وزيادة الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها البلاد ستدفع المرأة ثمنها مضاعفاً.
حالة السخط العام وعدم الرضا تجاه ملف الحريات يذهب متابعون بأنها ناتجة عن حجم الأحلام العامة التي كان يتوقع السودانيون إحرازها عقب الثورة مباشرة، ويقولون بالمقابل هناك بعض الجوانب التي أنجزت السلطة الانتقالية فيها تقدما ملحوظا.
وفي السياق قامت الحكومة الانتقالية منذ قدومها بإلغاء قانون النظام العام الذي كان يستخدمه النظام البائد لقمع واضطهاد الناس خاصة النساء، كذلك حقق السودان شوطا متقدما في مجال الحريات الدينية حيث شطب أسمه في كانون الأول/ديسمبر 2020 من القائمة السوداء الخاصة بالحريات الدينية.
كذلك قامت وزارة العدل بإجراء تعديلات مهمة في القانون الجنائي لسنة 1991 مثل إلغاء حكم الردة، كما شملت التعديلات كذلك إلغاء عقوبة الجلد من كل الأحكام القضائية باستثناء العقوبات في النصوص الحدية المستمدة من الشريعة الإسلامية، فضلاً عن إعفاء غير المسلمين من أي عقوبة لشرب الخمور والتعامل بها.