ما بعد الحداثة: السرد الروائي والتاريخ

لمن ضمن الأسئلة التي تطرح دائما عند الحديث عن السرد الروائي، العلاقة التي تجمعه بالتاريخ، ويأتي هذا السؤال ليس فقط من باب البحث عن تاريخ هذه العلاقة، بقدر ما يتوخى ملامسة تمظهراتها في سياق التحولات التي شهدتها بنية السرد الروائي، ولم يعد أمراً جديداً في ميدان البحث مسألة الانشغال بتأكيد العلاقة التاريخية بينهما، بعد أن تكدست حولها عديد الدراسات، وما يعنينا في هذا الجانب، رصد التطورات الحاصلة في شكل العلاقة بينهما، لأنها تعكس الوعي بالتحولات المتحققة في تقنيات السرد، وارتباط ذلك بمتغيرات القراءة الفلسفية للقوى الفاعلة في الواقع الإنساني.

أسئلة مهمة

بدءا لا بد من التأكيد على أن ما يشغلنا من حيث الأولوية في إشكالية هذه العلاقة، معاينة تجلياتها في السرد الروائي العربي، والأهم من ذلك أننا نضع في نظر الاعتبار أسئلة جوهرية:
إلى أي مدى خضعت العلاقة بين السرد والتاريخ للتغيرات، بناء على معطيات التجديد المتحققة في تقنيات السرد؟
والسؤال الآخر هل تمكن التخييل من خلال علاقته بالتاريخ أن يخلق واقعه الخاص، أي تقديم ما يوازي الحقيقة التي لم يتم توثيقها تاريخيا؟
إن نظرة فاحصة إلى البدايات التي كان عليها السرد الروائي في الثقافة الغربية، ستقودنا إلى محطات مهمة كانت فيها العلاقة بين السرد والتاريخ على درجة وثيقة من التلاحم، ابتدأ بالروايات التاريخية للكاتبين والتر سكوت (1771 – 1832) وإسكندر دوماس (1802 – 2870). وبشكل عام كانت أعمال الكتّاب في تلك الفترة المبكرة من عمر الرواية، وما تلاها في الفترة اللاحقة من روايات واقعية، غير مكتفية بذاتها، بمعنى أنها كانت امتدادا للتاريخ والواقع، وليست بنية أدبية تكتسب قيمتها من توسلها بالخيال، بالشكل الذي أفضى بها إلى أن تذهب باتجاه محدد تحاكي فيه أسلوب السير الذاتية، ولا تتجرأ على أن تتحرش بالتاريخ، حتى تبدو شخصياتها أمام القارئ حقيقية وليست متخيلة، وهذا ما يرفع من قيمتها الفنية، لأنها في حالة تطابق مع السردية التاريخية.

السارد العربي

وفي إطار ما يدور في ذهننا من أسئلة فإن الحديث عن هذه العلاقة سوف لن يستقيم إذا لم نتطرق إلى ما أنتجته مخيلة السارد العربي، وفي هذه الحالة لن يخضع بحثنا إلى تقصي مضن للكشف عما خلّفه كتّابنا من عناوين في سجل العلاقة ما بين التاريخ والسرد، وبهذا المحور التاريخي، من السهولة أن يبرز اسم الكاتب جرجي زيدان (1861 – 1941) الذي يعد أبرز الرواد الذين اقتحموا عالم السرد، وبانت في كتاباته هذه العلاقة، إذ شكل التاريخ متنا أساسيا في نتاجه الإبداعي، فتجربته السردية تشير إلى سطوة التاريخ في رواياته، بل يمكن القول إنه وظّف الرواية لخدمة التاريخ، وليس العكس، كما أفضت إليه في ما بعد نتاجات ما بعد الحداثة، ومثالنا على ذلك الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1927 – 2014) الذي قرأ آلاف الوثائق قبل أن يكتب روايته الموسومة «الجنرال في متاهة» فكانت النتيجة رواية حافلة بتفاصيل متخيلة عن الشهرين الأخيرين من حياة الجنرال بوليفار، محرر مناطق شاسعة من أمريكا اللاتينية في القرن الثامن عشر.
إذن التاريخ لدى زيدان شكّل مركز النص، والسرد هامشه، وهذا يعني أنه كان منشغلا في اعتماد الوثيقة والمخطوطة في بناء نصه السردي، إذ لم يكن زيدان مشغولا بما هو مسكوت عنه في الكتابة التاريخية، إنما كان قاصدا أن يكون على قدر كبير من الأمانة في التعامل مع الواقعة التاريخية.

جرجي زيدان وسلطة التاريخ

إن شكل العلاقة التي يطرحها زيدان في سردياته تشير بشكل واضح إلى أنه يضع التاريخ في أولوية اهتماماته قبل النص السردي، وهذه البنية في شكل العلاقة ما بين التاريخ والسرد، لا بد أن توضع في سياقها التاريخي، إذا ما أردنا أن نكون على قدر كبير من الموضوعية في البحث، أي أن نضع سردياته في إطار الفترة الزمنية التي ظهر فيها زيدان، أي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ لم يكن الشكل الروائي في الثقافة العربية قد اكتسب حضوره اللافت، وأجد من الضروري هنا أن نفتح قوسا، لأجل الإشارة ولو بشكل عابر إلى تضارب الآراء في تحديد الرواية العربية الأولى من ناحية تاريخ ظهورها، فالباحث المصري محمد سيد عبد التواب، يشير في كتابه الموسوم «بواكير الرواية العربية» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، إلى أن اول رواية عربية كانت قد صدرت في عام 1855 وكانت بعنوان «وي.. إذن لست بإفرنجي» للكاتب خليل أفندي الخوري، بينما هناك من يعتبر اللبنانية زينب فواز هي الرائدة في إطار كتابة الرواية عندما أصدرت روايتها «حسن العواقب» عام 1899 ، ومن جانب آخر ساد الاعتقاد لفترة طويلة بأن رواية «زينب» التي صدرت عام 1913 لمحمد حسين هيكل هي أول رواية عربية.

لوكاش بين التاريخ والسرد

موضوع العلاقة بين التاريخ والسرد سبق أن درسه جورج لوكاش (1885 – 1971) في كتاب مهم عن الرواية التاريخية، جاء فيه أن «الرواية التاريخية لفتت الانتباه إلى الأهمية الملموسة للزمان والمكان، وإلى الظروف الاجتماعية». وأشار أيضا إلى أن التاريخ في هذا الشكل من العلاقة بين السرد الروائي والتاريخ يحتل مكانة مركزية، فالروائي في هذا النمط من الكتابة يكون في حالة التزام صارم لا يستطيع الحياد عنها، لأنه يضع في اعتباره أن يكون أمينا مع الخطاطات والمصادر والوثائق التي يعتمد عليها في تناول الواقعة التاريخية.

تطورات القرن العشرين

خلال القرن العشرين حدثت تطورات كبيرة في رؤية العلاقة ما بين التاريخ والسرد الروائي، بناء على ما أفرزته الحداثة من مفاهيم وأشكال فنية، وامتد هذا التطور إلى تجارب ما بعد الحداثة، إذ استمرت ورش المبدعين في مدِّ وهج هذا التخليق في المفاهيم والأساليب، والجديد في هذه المرحلة يتجلى بشكل كبير في أن الروائي بدأ يبتعد عن الاستعارات التقليدية للخيال في تعامله مع التاريخ، عندما وجد أن الرواية التاريخية بما عرفت به من تأطير للعلاقة بين السرد والتاريخ، لم تعد قادرة على نقل خياله الجامح، فأخذ يتخلى عن مركزية التاريخ، ولم يعد وفق هذا المفهوم يكتسب قدسية، وبات يملك ما يكفي من الحرية في التعامل معه، وفق ما يراه هو، وليس وفق ما تأتي به السرديات التاريخية الواردة في المخطوطات، ويكاد أن يتفق النقاد على أن روايات ما بعد الحداثة التي انعطفت بعلاقتها مع التاريخ هي نتاج فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث شهدت تلك الفترة وفاة عديد الكتّاب الحداثيين أمثال، جوزيف كونراد ومارسيل بروست وكافكا وجيمس جويس وفرجينيا وولف.

معارضة التاريخ

إن مركزية التاريخ عندما تم انزياحها إلى ناحية التخييل في السرد الروائي في كتابات ما بعد الحداثة، أصبح نتيجتها أن المهمشين في أطراف الحياة الاجتماعية، باتوا هم المركز، وبذلك ابتعدت الرواية في متنها عن منح المركزية للحكام والقادة، وهذا تحول ثوري من حيث الشكل والمحتوى لخطاب الرواية الفني، لأن العلاقة مع التاريخ أخذت شكلا معارضا حتى في ما يتعلق بالمفاهيم التقنية (الحبكة أو السرد أو التسلسل الزمني وتطوير الشخصيات) وبدأ خطابها يندرج في مسار إعادة قراءة التاريخ بعيدا عن أروقة السلطة، وقريبا من الحياة الإنسانية التي تعيشها أغلبية البشر، ممن لا يرد ذكرهم في مدونات المؤرخين وسردياتهم التاريخية، وبات ينظر إلى رواية ما بعد الحداثة، باعتبارها ذاتية الانعكاس، أي أنها تركز على طبيعة الرواية نفسها، كما لو أن التخييل الروائي مستقلا عن المجتمع والواقع والتاريخ.
رواية ما بعد الحداثة أعادت تشكيل وتنظيم العلاقة من جديد مع الإنسان في الوقت نفسه، الذي أعادت فيه تقييم علاقتها مع التاريخ، وبناء على ذلك فإن الفن الروائي بات ينظر إليه باعتباره جزءا حيويا من السرديات التي تتناول التاريخ، ويرى بعض النقاد بأنها أكثر مصداقية من سرديات ما كتبه المؤرخون.

الروائي العربي

إذا ما راجعنا مكتبتنا العربية الروائية بحثا عن الأعمال الروائية، التي بدا فيها السرد الروائي مهمة إنتاج علاقة جديدة مع التاريخ، سنجد نماذج مهمة دخل فيها السرد في حالة جدل حاد معه، عندما اعتمد في مادته الأساسية على الطبقات الاجتماعية المسحوقة من المهمشين والمنبوذين من قبل السلطات، بالشكل الذي أصبح فيه السرد المتخيل عن التاريخ هو العنصر المركزي، وليس التاريخ المدون في الوثائق ومخطوطات المؤرخين. ولعل أبرز من اشتغل بهذا المفهوم الجديد للعلاقة بين السرد والتاريخ، يقف نجيب محفوظ في ثلاثيته «بين القصرين والسكرية وقصر الشوق» إلا أن عبد الرحمن منيف في ثلاثيتيه «مدن الملح» و»أرض السواد» قدم لنا تحولا نوعيا في إعادة تقييم العلاقة ما بين السرد والتاريخ، وكانت إصداراته في هذا الخصوص تأكيداً على أن التخييل السردي التاريخي باعتباره بنية مركبة من مخيال المؤلف، لكنها تستمد منطقها من بيئة الإنسان وعلاقاته التاريخية معها، وليست مقطوعة عنها، وهناك عدد آخر من الكتاب قدموا لنا أعمالا روائية في هذا الاتجاه لا يسع المجال لذكرهم جميعا، منهم على سبيل المثال يوسف زيدان، واسيني الأعرج، علي بدر، رضوى عاشور، محمد حسن علوان، حميد الربيعي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية