‘ما بعد الحداثة’: خمس مشكلات

حجم الخط
0

 

1- كلمة ما بعد الحداثة لا تبدو خرقاء فحسب، بل هي توحي بما ترغب في تجاوزه أو قمعه، أي الحداثة نفسها. وبذلك فإن المصطلح يحتوي على عدوّه الداخلي، وهي ليست حال مصطلحات مثل الرومانسية أو الكلاسيكية أو الـ’باروك’ أو الـ’روكوكو’. فوق ذلك، يوحي المصطلح بالخَطّية الزمنية ويستثير معنى التأخّر عن الزمن، وربما التآكل، الذي لا يقرّه أيّ شخص ما بعد حداثي. ولكن، هل هنالك اسم أفضل نطلقه على هذا العصر العجيب؟ هل نطلق عليه اسم عصر اللا تَوجّه المتلازم، كما اقترحتُ على نحو شبه غريب؟ أم أنّ من الأفضل لنا، ببساطة، أن نعيش ونترك الآخرين يعيشون ويسمّوننا كما يشاؤون؟
2ـ ليس ثمة ستار حديدي أو سور صيني يفصلان بين الحداثة وما بعد الحداثة، لأن التاريخ لوح أردواز، والثقافة مُنْفِذة للزمن الماضي، وللحاضر، وللزمن المستقبلي. وأشكّ في أننا جميعاً بعض فكتوريين، وبعض حديثين، وبعض ما بعد حداثيين في آن معاً. ولعلّ في وسع المؤلف أن يكتب عملاً حداثياً وما بعد حداثي (قارنوا عمل جويس ‘صورة الفنان في شبابه’، بعمله ‘يقظة فينيغانز’). وبصورة أعمّ، وعلى مستوى معين من التجريد السردي، قد تمكن الملاءمة بين الحداثة والرومانتيكية، وقد ترتبط الرومانتيكية بعصر الأنوار، وهذا الأخير بعصر النهضة، وهكذا حتى اليونان القديمة.
3ـ ذلك يعني أن ‘الفترة’، وبالمعنى الذي ألمحتُ إليه من قبل، ينبغي أن تُدرك بمستويي التواصل واللا تواصل، حيث يكون المنظوران تكميليين وجزئيين معاً. الرؤية الأبولونية، الطوّافة والمجردة، لا تدرك سوى التزامنات التاريخية. والإحساس الديونيسي، الحسّي رغم أنه شبه متبلّد، لا يلمس سوى البرهة المفارقة. وهكذا فإنّ ما بعد الحداثة تنخرط في رؤية مزدوجة ضمن إيحائها باثنين من المقدّسات. التشابه والاختلاف، الوحدة والانقطاع، الانضواء والثورة، كل هذه يتوجب تكريمها إذا توجّب الانتباه إلى التاريخ، واستكناه (وإدراك، وفهم) التغيير بوصفه بنية مكانية وذهنية مثلما هو سيرورة زمنية فيزيائية، كنَسَق وحَدَث فريد.
4ـ وما بعد الحداثة يمكن أن تتوسع لتصبح مشكلة أعرض: أهي مجرّد اتجاه فنّي أم هي ظاهرة اجتماعية أيضاً، وربما برهة تبدّل في النزعة الإنسية الغربية بأسرها؟ وإذا كانت هذه هي الحال، فكيف حدث أن توحّدت أو تفرقت جميع جوانب هذه الظاهرة، السيكولوجية والفلسفية والاقتصادية والسياسية؟ باختصار، هل نستطيع فهم ما بعد الحداثة في الأدب دون بذل بعض المحاولة لإدراك ملامح المجتمع ما بعد الحديث، وما بعد الحديث بالمعنى التوينبي، أو الحصيلة المعرفية للمستقبل بالمعنى الفوكوي، حيث يكون الاتجاه الأدبي الذي أناقشه مجرّد ضَرْب وحيد نخبوي؟
5ـ وأخيراً، ولكن ليس آخر الآلام، هل ما بعد الحداثة مصطلح مشرّف يستخدم في سياق الانجرار وراء امتداح الكتّاب أياً كانت مشاربهم (ممن نكنّ لهم التقدير المسبق)، والتهليل للتيارات مهما تضاربت (والتي نقرّها بشكل أو آخر)؟ أم هو، على العكس، مصطلح للازدراء أو الشجب؟ باختصار، هل ما بعد الحداثة مقولة في الفكر الأدبي، وصفية مثلما هي تقييمية ومعيارية؟ أم أنها تنتمي، كما يلاحظ شارل ألتييري، إلى مقولة ‘المفاهيم القابلة للمنازعة الجوهرية’ في الفلسفة، والتي لا يحدث أنها تستنفد تشوشاتها التكوينية؟

ترجمة: صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية