كشفت الأحداث الأخيرة التي يشهدها العالم عن عوار واضح يطال فلسفة الإعلام، وآلية عمله، حيث تبدو الصورة أقرب إلى نموذج من الفوضى، وفقدان اليقينية تجاه الحقيقة، التي تتوارى خلف مظهرين يحكمان النموذج الإعلامي في بيئة مخترقة، ونقصد النموذج الاحترافي (المهني)، بالتجاور مع النموذج الموازي، ونعني (الشعبي) أو وسائل التواصل الاجتماعي.
إن المُتأمل في الحدث، يرى أنه قد شرع يتخذ صيغته في سياق الفعل الآني، الذي سرعان ما يتناسى، وإذا كان الحدث ضخماً، أو يتسم بتكوين مستمر – من حيث الأثر- فإن الصيغة التي تصحبه من ناحية إعلامية، سوف تنتج فيضاً كبيراً من التشويه، واللايقينية، أو نوعاً من القيمة المتراكمة الزائفة بلا أي مرجعية حقيقية، وهكذا يمكن أن نعد المشهد الإعلامي في سياق الأزمة التي تشغل العالم، ومنها على سبيل المثال لا الحصر التغطية الإعلامية لأزمة كورونا، بأنها نتاج ما بعد حداثي حيث، لا يمكن أن نتكئ على مركز معرفي واضح، إنما هي متشظية تحتمل قدراً هائلاً من الصيغ، فهي نتاج يتوافق مع عملية مناهضة الأسس، كما وصفها منظر ما بعد الحداثة فرانسو ليوتار.
إن مفاهيم ما بعد الحداثة تستند، في بعض صيغها، إلى تلاشي السرديات الكبرى، وبيان مدى هشاشتها، حيث فقدت الأفكار المركزية أي قيمة حقيقية، فلم يعد العالم معنياً بصيغة واحدة تدعي الحقيقة أو التفسير المتعالي (الترانستدالي) للعالم، وهذا برز مع التسنينات المعاصرة، بوصفه ممارسة فعلية ذات طابع منفلت، حيث إن الإعلام بكافة صيغه وتمظهراته، بدا على قدر كبير من التغول، كما البحث عن المُتماثلات الاستهلاكية، من منطلق الاعتماد على أن الخبر أو المعرفة قد تحولا إلى سلعة أو تجارة، حسب التنظير ما بعد الحداثي، ومن ذلك الاستنفاد الإعلامي للأخبار والقصص والصيغ، ما جعل هذا التكوين يفقد أهم مقوماته الفلسفية، ونعني القدرة على إمداد الإنسان بالحقيقة، التي أصبحت ضمن سياق تفكيكي في وضع إرجاء مستمر، أو لا مكتمل، فكما يرى جان بودريار، أن العلامات في وضع ما بعد الحداثة تتسم بالتعدد والكثرة، وبناء على ذلك فمن المستحيل تحديد الحقيقة، وهذا يقترب من منظور جاك دريدا في قراءته للتمركز الدلالي.
إنها صيغة من صيغ تدمير معاني الأشياء أو الموضوعات، كما الوقائع.. مع أن ثمة ادعاءات مستمرة بتقديم الخبر الحقيقي، أو القصة الحقيقية، ولكن الناتج الاستهلاكي أفضى بنا إلى الاضطراب، فأصبح الحدث والخبر ضربين من ضروب الابتكار القائم على التلفيق والخداع، مع إنتاجات ذات طابع كمي تهدف مجتمعة ضمن تشكيل خطابي لا يمكن أن ننعته إلا بحالة من حالات التنظيم العفوي، الذي ينشأ في أتون لا وعي مرضي، ولكنه يتحول مع الزمن إلى دوامات لا متناهية تتباين في حجمها، وقوتها، غير أنها تعمل مجتمعة على قتل المعنى النقي، ومن خلفها الحقيقة.
ربما لم يشهد العالم أو العصر الحديث هذا الكم الهائل من الفوضى، التي نتجت بفعل مواكبة حدث فيروس كورونا، حيث تتناثر الأخبار من الشرق والغرب، وكلها تدعي إضافة نوعية، في حين أن المشهد الإعلامي في ظل فقدان المركز، أو المرجعية ذات الطابع السردي المتعالي، يتسم بالاضطراب الشديد، فأسهم هذا في تبديد النموذج المعرفي النقي لحساب مواكبة هذا السعار الإخباري، ولاسيما في التراكمات اللامعقولة لنتاجات وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعمل بصيغتين: فردية متحللة من أي ضوابط، أو على شكل مؤسسات مغمورة.
إن الإعلام بات أقرب إلى نموذج تمزق أورفيوس، الذي يتناوشه الكل، بما في ذلك أبسط كائن بشري، وأكثرهم سذاجة، فالجميع أصبح قادراً على تلويث النموذج الإعلامي بمركزياته، عبر إطلاق مغالطات وأكاذيب تُتداول على نطاق واسع.
هذه الخطابات التي تتصل بتأويل أزمة صحية، لم تعد تستجيب لأي منطق عقلاني في ظل عدم وجود مرجعية علمية قادرة على حسم الحقائق النهائية، حول قضية صحية كونية على سبيل المثال، وإذا ما نظرنا إلى منظمة الصحة العالمية بوصفها الجهة المخولة بتقديم المعلومة الموثوقة، غير أن ما أصابها من نقد من قبل أكبر دولة في العالم، ألقى ظلال شك داكنة حول القيمتين: العملية والعلمية التي يمكن أن تتصلا بهذه المنظمة، التي أمست جزءاً من مستنقع الشكوكية، ونفي الثبات، وبذلك فقد باتت هذه المنظمة ضمن صيغ التخبط، بالتوازي محاولة إثبات الذات بعد أن تبددت مصداقيتها، ولاسيما مع فقدان أهميتها بوصفها سردية علمية صحية، يمكن أن تجنب العالم هذا الاضطراب التأويلي، في توصيف أزمة أقلقت العالم، وقادته إلى حيرة لا يبدو أنها ستنتهي في أجل قريب.
إن الإعلام بات أقرب إلى نموذج تمزق أورفيوس، الذي يتناوشه الكل، بما في ذلك أبسط كائن بشري، وأكثرهم سذاجة، فالجميع أصبح قادراً على تلويث النموذج الإعلامي بمركزياته، عبر إطلاق مغالطات وأكاذيب تُتداول على نطاق واسع، فأصبح يكفي أن تمتلك جهاز هاتف ذكيا وشبكة إنترنت حتى تتمكن من ممارسة التضليل، وإعادة إنتاج الزيف، وترويجه.
لا يمكن أن ننكر بأن ما بعد الحداثة تشدد على مقاومتها للنخبوية، والقيم المطلقة، ونبذ النقاء، وهي تجعل من النخبة والعامة في سياق واحد، في حين أن النخب النصية عينها، لم تعد بالقيمة ذاتها التي حظيت بها تاريخياً، فالثقافة الشعبية باتت جزءاً من اللعبة، وعلى الإنسان أن يدرك أنه لا يمتلك في ظل هذا الارتباك الإعلامي المعرفي، سوى أن يصد عن كل ما يُقال، ويمارس وعيه الخاص، ولاسيما بعدما أضحى ما بعد الحداثة نموذجاً شرساً من نماذج تسطيح العالم، مع التقدير لكل الانتقادات التي سعى بعض المفكرين لتقديمها، لمواجهة نزعة ما بعد الحداثة، ولاسيما من قبل المفكرين اليساريين، ومنهم تيري إيغلتون وفريدريك جيمسون، إلا أن العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين حمل النموذج التقني، وقيم الرقمية إلى حدود باتت تتجاوز الإنسان، الذي بات فيضاً من التشكيلات الافتراضية السائلة، فأصبحت كافة الصيغ الجامدة في وضع آيل للسقوط، على الرغم من أن بعض الملحوظات، التي وجهت لاستمرار سرديات الدين في الجدل ما بعد الحداثي من قبل معارضيه، تنهض على استمرار هذه السردية وتضخمها، بالإضافة إلى إعادة إنتاج ذاتها، إلا إن هذه المروية بدت في سياق متنازع عليه أيضاً، وبوجه خاص بعد أن فقدت مرجعيتها المتعالية، وبات يطعن ببعض أدبياتها بوصفها ليست الصيغة النقية، أو الحقيقية فتعددت الرؤى وادعاءات الأصالة، وتفسير النص، ما قاد إلى هذا التنازع المذهبي والطائفي، وما أفرز هذا الاضطراب على مستوى القيم، كما التناحر الذي يستجيب للمزاج المابعد الحداثي؛ فأصبحنا نقرأ غير صوت يدعي عرفان العالم، وتفسيره، وتقديم متلفظه الخاص… لقد نزعت القداسة عن كل شيء، ولم يعد الإيمان بمقولات نهائية لا يطاولها القلق أو التشكيك، أمراً شائعاً أو مقبولاً فأصبح الجميع يدعي أنه مصدر الحقيقة المطلق.
٭ كاتب أردني فلسطيني