ما بعد العقلانية .. وما بعد بعد الواقعية !

حجم الخط
0

انْ وضعتْ الحرب اوزارها، او انْ لم تَضَعْ، وبعيداً عن نتائجها التي باتت جلية للعين الثاقبة، بمعاييرها العسكرية فالسياسية، وبعيداً عن اسقاطاتها الراهنة والمستقبلية، في سياق الصراع العربي ـ الاسرائيلي ـ اذا وجد مثل هذا الصراع – فاننا لا شك امام مرحلة جديدة ونوعية، بجوهرها وشكلها ومكوِناتها.

ولسنا الآن بصدد القاء نظرة تحليلية شاملة للموقف، ولا ازاء قراءة التفاصيل، علي اهميتها، ولا استدلال صورة المستقبل، فسنأتي علي ذلك في سلسلة مقالات لاحقة، انما نتوقف لبعض الوقت عند بعض العناصر المركِبة للمشهد المتواصل التكوين.

فقد غدت النظريات الانسانية الكبري تتزاحم نحو فُوهَة المستقبل، وبدا اصطفافها اكثر حضوراً مما كان عليه في الماضي، وتبدي لنا اكثر فاكثر ان حركة التاريخ تعتمد علي فعل الصراع التصاعدي، بكل مشتقاته واشكاله العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية والحضارية، وما الحديث الرطب عن حوار الحضارات سوي ضرب من ضروب المراهقة الفكرية والفهم التسطيحي للامور والاشياء والاحداث… والمفاهيم والمصطلحات التي تستخدم في سياق الصراعات، لا تقل حضوراً وحيوية عن الادوات الاخري في مثل هذه الصراعات وتجلياتها، بل باتت المفاهيم تشكل آليات اكثر فتكاً من بعض الاسلحة، المحرمة او غير المحرمة دولياً؟

فانْ اعتمدنا النظرة التفكيكية لدي جاك دريداً في فهم الامور، او الرؤية البنيوية واعادة الاشياء الي اُصولها، نحو ادراك هذه الاشياء، كما عند ميشيل فوكو، فاننا سنتمكن عندها من استنباط حيوية الكلمة في فهم المعني من وراء الاشياء.

ففي سياق العدوان الاسرائيلي – الامريكي، والتواطؤ والصمت العربي والدولي، علي الشعبين اللبناني والفلسطيني، مُتجاوزين حالياً القراءة او الكتابة السياسية لهذا المشهد، فاننا نُقصَف يومياً بعشرات المصطلحات والمفاهيم التي تسعي الي العبث بوعينا، وبالتالي بلورة نوع من الادراك الغائب او المغيب، لِما حدث ويحدث ولما سيترك اثراً او ارْثاً.

فعلي هامش هذه الحرب الضروس، ضد لبنان المقاوم وضد ما تبقي من مقاومة فلسطينية، وضد كل ما يرتبط بثقافة المقاومة كنهج يرفض الواقع والاملاءات، وكوعي سلوكي يبحث عن بناء الحرية والاستقلال الحقيقيين، تدور معركة اًُخري علي وعي الانسان وماهيته، وتجري محاولة مستميتة لاعادة صياغة المفاهيم واعطائها معني آخر.

فها هي العقلانية و الواقعية، بما تحمله من مدلولات، تعود لتغزوا وعينا الزائف حيناً، والغائب احياناً، لتدفعنا الي حيث يريد الآخر.. وها هو التضليل المنهجي في توجيه عقولنا الي الانظمة العربية، ودورها ومشاركتها في هذا العدوان، لتحييد تساؤلاتنا الكبري عن ارادات الشعوب الحيَة في فعل التاريخ، ودور الافراد فيه، وعن غياب مقومات الرفض والمقاومة في ثقافتنا الجماعية.. فتأتيك الواقعية لادامة الهزيمة وادْلَجتها، وتجتاحك العقلانية لتصوغ في ذاتك فن الخضوع والركوع والذُلِ الابدي.

عبد عنبتاويالجليل 6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية