ما بعد المصالحة الخليجية: هل تُطوى صفحة الأزمة باجتثاث مسبباتها ومعالجة اختلالات مجلس التعاون بعيداً عن المجاملات؟

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

الدوحة ـ”القدس العربي”: يتطلع المراقبون والمتابعون للشأن الخليجي، ومواطنو دول مجلس التعاون الست، إلى مرحلة ما بعد قمة العُلا في السعودية، والتي حققت اختراقاً في مسار أصعب وأسوأ أزمة مر بها الكيان الاتحادي، للمضي نحو مرحلة إعادة بناء الثقة، وتجاوز سيناريو الحصار، وما خلفه من دمار على كافة الصعد.

وتعد التجارة والتنقل وفتح الأجواء الجوية، والحدود البرية والبحرية، ولم شمل العائلات، أبرز المشاهد التي يلمسها مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي، ومعهم الكثير من المصريين، بعد توقيع المصالحة الخليجية في قمة العلا، وإنهاء الأزمة التي تضرر منها سكان دول مجلس التعاون على مدار نحو 4 سنوات متواصلة. ومع المصالحة الخليجية، عادت الخطوط الجوية القطرية للتحليق من جديد في الأجواء السعودية، والمصرية، بعد السنوات الأربع من الأزمة وحرمانها من استخدام تلك الأجواء.

لكن ما يزال عدد من التساؤلات تطرح بحدة، عن إمكانيات وسبل عودة الأمور إلى مسارها الطبيعي، ومعالجة الاختلالات الموجودة في المنظومة.

ويرى الدكتور خالد الخاطر الباحث في السياسة النقدية وعلم الاقتصاد السياسي، أن فتح الأجواء والمطارات في المنطقة، سينعكس إيجاباً على الخطوط القطرية. وكشف في تحليله لتداعيات مسار المصالحة، أن ما تحقق حتى الآن سيخفض على الناقلة القطرية تكاليف التحليق لمسافات أطول، وسيوفر عليها رسوما تقدر بنحو 100 مليون دولار لاستخدام المجال الإيراني، وسيزيد من حصتها السوقية التي حرمت منها في المنطقة أثناء الحصار، وهذه من المفترض أن تنعكس إيجاباً  بتحفيز نشاط قطاعي النقل (الأفراد والبضائع) والسياحة. لكنه يربط الأمر بشرط، أن ينعكس أولاً فتح الأجواء والمطارات المجاورة بخفض تكاليف الطيران والشحن على الخطوط الجوية القطرية، التي ارتفعت بشكل كبير أثناء فترة  الحصار، وقبل جائحة كورونا. واستطرد أن جائحة كورونا أثرت سلباً على صناعة الطيران العالمية، ولكن أسعار القطرية كانت مرتفعة في السوق القطرية قبل ذلك.

الاستفادة من مسار المصالحة

ويؤكد المحلل والخبير القطري في تشريحه للوضع القائم في حديثه الخاص لـ”القدس العربي” على أن الاستفادة من مسار المصالحة الخليجية سيعتمد على مدى استعادة الثقة، والخطوات التي سيكون لها الأثر الإيجابي على المنظومة الخليجية ككل.

يشدد الدكتور خالد الخاطر الخبير والمحلل القطري في قراءته للمشهد الحالي في الخليج العربي، على أن التكامل الاقتصادي متعثر قبل الأزمة الخليجية وليس له علاقة بها. ويرى ان الإثنين نتيجة لإشكالية هيكلية في الأنظمة. ويؤكد في حديثه على ضرورة إظهار الجدية، وحسن النية، والمسؤولية والشفافية والاهتمام بالمصير المشترك، والواقعية والبعد عن المجاملات والمبالغات والعواطف، التي لا تحقق في رأيه أي تقدم.

وهو يطرح تساؤلاً محورياً عن كيفية إقناع المستثمر من كلا الجانبين، أن سيناريو حصار قطر والأزمة الخليجية لن يتكرر؟

وفي رأيه أن الحل الأمثل، يتمثل في إرادة دول مجلس التعاون الخليجي أولاً وقبل كل شيء، على إعادة بناء الثقة، وأقصر الطرق وأفضلها في رأيه لتحقيق ذلك، هي تعويض المتضررين، ففيه إقرار وتصحيح لخطأ قد وقع، ونوع من الضمان بأن لا يتكرر الأمر مستقبلاً.

ويختتم الخبير القطري تحليله بالتأكيد على ضرورة عدم النظر إلى ما يتخذ من قرارات لتصحيح الاختلالات التي أدت لحدوث الأزمة باعتبارها نوعا من الهزيمة، أو فقدان ماء الوجه. لا، بل هو استثمار في مستقبل أفضل لدول وشعوب المنظومة الخليجية ككل، كما يشدد الدكتور خالد الخاطر.

تطلعات لتجاوز الاختلالات الماضية

ويرى الدكتور طارق يوسف مدير مركز “بروكنغز” الدوحة، أن الانفراج الأخير في الأزمة الخليجية الذي أعلِن عنه في قمّة العُلا، أتى في توقيت مناسب للمنطقة، إذ يبدو أنّ الدول المتناحرة أدركت التكاليف السياسية والاقتصادية والأمنية التي يرتّبها استمرار الأزمة، في الوقت الذي تواجه فيه المنطقة اضطراباً جيواقتصادياً وجيوسياسياً غير مسبوق وتراجعاً اقتصادياً حاداً لم تشهده في تاريخها الحديث، بالإضافة إلى جائحة تهدّد نموذجها التنموي. وعبر إعلان نيّاتها باستئناف العلاقات الدبلوماسية وإنهاء الحصار الاقتصادي، إلى جانب العمل على حلّ الكثير من المسائل الصعبة العالقة، رفعت هذه الدول مستوى التوقّعات في الداخل والخارج حول احتمالات عودة الوضع الطبيعي إلى مجلس التعاون الخليجي الذي كان مزدهراً ومتجانساً في السابق.

لكنه يستدرك أنّه بغياب اتفاقية خطّية تحدّد النتائج اللاحقة ومواعيد بلوغها، يبرز خطر كبير من خيبة الأمل، إن اعتُبر التقدّم نحو الأهداف غير الواضحة لإعلان القمة متواضعاً أكثر من اللازم أو إن عادت التوتّرات للظهور علناً حيال مجالات اختلاف في السياسات. والأهمّ، من شأن عملية تطبيع بطيئة وناقصة أن تحرم دول مجلس التعاون الخليجي من منافع ضخمة يقدّمها العمل الجماعي المطلوب للتعامل مع التهديدات المباشرة لأمنها وازدهارها. بالتالي، فإن إدارة التوقّعات العامة والعمل للوصول إلى مصالحة حقيقية يشكّلان شرطَين مسبقَين أساسيَين لتحقيق حلّ طويل الأمد للأزمة.

آفاق

يلفت عمر حسن عبد الرحمن وهو زميل زائر في مركز “بروكنغز” الدوحة، إلى أن الإحساس بالإيجابية والألفة الذي تمّ التعبير عنه في قمّة مجلس التعاون الخليجي الواحدة والأربعين، لا يحلّ مصادرَ التوتّر الكامنة التي أفضت إلى الانشقاق في العام 2017 وبالتحديد الاختلافات في الأيديولوجية والسياسة الخارجية التي تفصل بين الجهتَين. فقد أدّت هذه المسائل إلى انقطاعات متكرّرة في العلاقات قبل العام 2017 وتفاقمت بعد العام 2017 وتواجه خطر أن تصبح محفّزاً للمزيد من الخلافات في المستقبل. ولعلّ الرغبة في تفادي خصام آخر من شأنها أن تُبقي خصومةً فاقمت التوتّرات والصراع في المنطقة ككلّ تحت السيطرة.

اختلالات وتحديات

من جانبه يؤكد نادر قبّاني وهو زميل أوّل في برنامج الاقتصاد العالمي والتنمية في معهد “بروكنغز” أنه رغم أنّ الإعلان يدعو دول مجلس التعاون الخليجي إلى توحيد أسواقها، من المستبعد أنّها ستعود إلى مستويات التكامل الاقتصادي العالية التي كانت قائمة قبل الحصار. فمنذ العام 2017، أسّست قطر شبكات من مسارات الإمداد البديلة، وبدائل محلّية للمنتجات والخدمات التي كانت تستوردها من الدول المجاورة لها. ومن المستبعد أيضاً في رأيه أن تعود الاستثمارات عبر الحدود إلى مستوياتها قبل الحصار، لأنّ إعادة بناء مستويات الثقة اللازمة يتطلّب سنوات. مع ذلك، حدّت الجائحة العالمية في تحليله للوضع، من العائدات المالية، فضغطت على الدول الخليجية لتضاعف جهودها بغية تنويع اقتصاداتها، وتحسين التكامل الاقتصادي الإقليمي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال نشاط تجاري متوازن أكثر من المستوى السابق بين قطر والدول المجاورة لها.

تأمين الاستقرار

ويرى الموقع الأمريكي المتخصص “يو أس نيوز” أن اختيار أنتوني بلينكين لقيادة وزارة الخارجية الأمريكية، يعد مؤشرًا واضحًا على أن إدارة بايدن تعتزم كسر سياسات عهد دونالد ترامب بشكل حاسم، من خلال الاستفادة من الدبلوماسية كأداة رئيسية لفن الحكم العالمي. كما أقر جيك سوليفان مستشار الأمن القومي لبايدن، بالفرص المتاحة في الشرق الأوسط، لتحقيق تقدم اقتصادي واجتماعي وأمني، مؤكدًا أن الدبلوماسية يمكن أن تنجح حيث فشلت القوة العسكرية. وتتطلب السياسة الخارجية الفعالة، بحسب ساسة البيت الأبيض مع استعداد الإدارة الجديدة لاستلام مقاليد الأمور، حلفاء إقليميين يمكن لأمريكا الاعتماد عليهم. لذلك سيكون الشركاء الأجانب الموثوق بهم لا غنى عنهم لنجاح فريق بايدن.

تخفيف التوتر

ستكون الدوحة بمنظور البيت الأبيض، وسيطاً نزيهاً وموثوقاً للولايات المتحدة، للعب أدوار محورية في السنوات الأربع المقبلة، وهي تستند على رصيد ثري في حل عدد من الأزمات الدولية، على غرار اتفاق السلام في أفغانستان، والوساطة في عدد من الأزمات.

وإلى جانب قطر، يراهن الأمريكيون على مسقط التي لعبت دوراً محورياً مع إدارة باراك أوباما الديمقراطية للتوصل لاتفاق نووي مع طهران. من جانبها ستكون الكويت التي قامت بدور فعّال في تحقيق المصالحة الخليجية، في رواق جيد، للالتحاق بركب حلفاء واشنطن في المنطقة، لتخفيف حدة التوترات التي تسببت بها إدارة دونالد ترامب الرئيس المنتهية ولايته.

تفاؤل

قالت وكالة “ستاندرد آند بورز” للتصنيف الائتماني، إن المصالحة الخليجية، ستؤدي إلى تحسن بيئة الأعمال والاستثمار في المنطقة.

وأوضحت الوكالة في تقرير، الأحد، أن قطاعات السفر والسياحة والعقارات داخل المنطقة ستستفيد بشكل أكبر، على الرغم من أن التأثير على التجارة الثنائية قد يكون هامشيا.

وأضاف التقرير أن التجارة بين الدول الأعضاء تعتبر محدودة نسبياً، نظراً للتركز شبه الموحد لصادرات النفط بخلاف نقص الزراعة أو قطاعات التصنيع القوية في المنطقة.

ورغم المصالحة، إلا أن وكالة التصنيف ترجح استمرار الضرر الذي أحدثته محاصرة قطر التي دامت أكثر من ثلاث سنوات، على التماسك السياسي لدول الخليج.

وتابعت الوكالة: “في هذه المرحلة لا نتوقع أي تأثير على التصنيف لدولة قطر أو تلك الدول التي افتعلت الأزمة، وغذّتها، وحاولت استمرارها وقتاً أطول”.

وقالت إن فرض الحصار، قوض مفهوم الوحدة الذي طرحه قادة دول مجلس التعاون قبل الانقسام الدبلوماسي، متوقعة أن تظل الاختلافات الأساسية في السياسات الخارجية، تؤثر على العلاقات بين الدول على الرغم من المصالحة الرسمية.

وأفاد التقرير أن النظرة المستقبلية لقطر، مستقرة، رغم التوقعات المنخفضة للنمو الاقتصادي، موضحاً أن الوضع الائتماني لقطر سيظل صامدًا مدعومًا باقتصادها الثري والأصول الخارجية الضخمة.

فتح الخطوط مع تركيا وليبيا

تتجه الأنظار مجدداً إلى قطر، ليس من الولايات المتحدة الأمريكية فحسب للعب دور الوساطة في حل عدد من الأزمات والخلافات التي تشهدها علاقات دول المنطقة. وأعرب مطلق القحطاني، المبعوث الخاص لوزير الخارجية القطري لمكافحة الإرهاب والوساطة في تسوية المنازعات، عن استعداد بلاده للوساطة بين تركيا والسعودية وكذلك بين الأخيرة وإيران.

وبين أنقرة والرياض ملفات خلافية، أبرزها اغتيال الكاتب السعودي، جمال خاشقجي، داخل القنصلية السعودية بإسطنبول، في 2 تشرين الأول/اكتوبر 2018 وهي جريمة هزت الرأي العام الدولي، مع اتهامات تنفيها الرياض بأن ولي العهد محمد بن سلمان، هو من أصدر أمر اغتياله. أما بشأن إيران، فإن دولاً خليجية، في مقدمتها السعودية، تتهمها بامتلاك أجندة توسعية في المنطقة، والتدخل في الشؤون الداخلية لدول عربية، وهو ما تنفيه طهران، وتقول إنها تلتزم بعلاقات حسن الجوار.

وقال القحطاني، إن “قطر لعبت دوراً دبلوماسياً كبيرا بين الولايات المتحدة وتركيا، لتهدئة التوترات التي حصلت بين أنقرة وواشنطن”.

لكن ترميم العلاقة بين أنقرة وأبو ظبي لا يزال مصيرها مجهولاً، فحتى الآن لم تطو الإمارات نهائياً صفحة الخلافات.

وفي مقابل رسائل إماراتية صريحة بعثتها لأنقرة بالتقارب وتجاوز الخلافات، لم تصدر أي تصريحات تركية رسمية تتعلق بالإمارات بشكل مباشر، باستثناء تصريحات الرئيس رجب طيب اردوغان، التي عبر فيها عن رغبة بلاده بالعمل مع مجلس التعاون الخليجي كحليف استراتيجي لتركيا. ويبدو أن ربط أبو ظبي للمصالحة بشروط مسبقة، أحد أهم العقبات التي تحول دون ترجمة تلك الرسائل على أرض الواقع.

دعوات لخفض التوتر مع طهران

يشدد المتابعون والمراقبون لتطورات الأوضاع في المنطقة أن الملف الإيراني، والعلاقة مع طهران، بحاجة لمزيد من الجهد، حتى يتم تخفيف حدة التوتر، والتي ترتبط في شق أساسي منها بتعامل إدارة ترامب الراحلة مع المسار.

ودعا الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق، إلى ضرورة فتح حوار خليجي إيراني، وعدم المراهنة على التوتر بين طهران وواشنطن.

وشدد حمد بن جاسم، قائلاً: “اليوم بعد انتهاء التوتر بين دول مجلس التعاون الخليجي، ووصول إدارة جديدة للبيت الأبيض، فالفرصة قائمة لحوار مع إيران”. وأضاف “أنصح باغتنام الفرصة وألا نراهن على التوتر الراهن بين أمريكا وإيران. نحن نعرف أن هناك وجهات نظر مختلفة مع إيران، ولكن هذا يجب ألا يمنع من فتح حوار معها، فنحن نتعاون مع دول لا نتفق معها في أشياء كثيرة”.

عمان من جانبها تنتهج نفس النهج وهو خفض التوتر وتفادي أي تصعيد مع طهران.

ويتوقع المتابعون أن تتضح معالم المشهد العام في منطقة الخليج في غضون المرحلة المقبلة، ويتأكد مدى التزام دول الحصار بمسار المصالحة مع قطر، وتجاوز الخلافات من دون شروط مسبقة، مع السعي لخفض التوتر في المنطقة، وإطفاء نيران الخلافات التي غذاها على مدار الفترة الماضية عدد من الأطراف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية