ما بعد النصر: مرحلة جديدة في حركة التحرر الوطنية والقومية العربية

حجم الخط
0

أديب ديمتري

تصريحات الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي في مؤتمره الصحافي الاخير في جدة، والتي حذر فيها من خطر فقدان الهوية العربية، وعلاقات بعض الدول العربية مع اطراف غير عربية في اشارة الي ايران دون ان يسميها، ودعوته الي العودة الي انتمائنا العربي وعينه علي التصنيفات السابقة (في المرحلة الناصرية) التي قسمت فيها الدول العربية الي رجعية وتقدمية، ودول جمود وتصد.. هذه التصريحات المفاجئة تكشف عن مدي الرعدة التي تسري في جسم النظام العربي التبعي، خاصة اقطابه الثلاثة، السعودية ومصر والاردن، بعد الانتصار المدوي الذي حققه حزب الله، علي عدوان مخطط ومرسوم من سادتهم الامريكيين والاسرائيليين، وبعد انكشاف تواطئهم ومشاركتهم الكاملة التي مكنت للعدوان ان يمر. فهذه التصريحات جاءت بمثابة بيان رسمي ناطق عن الجبهة الثلاثية التي تقود نظام التبعية العربي من المحيط الي الخليج.. وهي هجمة استباقية، من قبيل تلك العزيزة علي قلوب المحافظين الجدد في حروبهم، قبل ان تصعد من جديد حركة التحرير والثورة العربية، بعودة الروح واسترداد الكرامة، وهو الصعود الذي كانت قد بدأت معالمه بوضوح قبل الاحداث خاصة في مصر والسعودية في صورة المطالبات والتحركات من اجل التغيير والاصلاح وبالديموقراطية، والتصدي لحكم الطغيان والدكتاتورية.

والبيان السعودي لا يخرج عن ترديد ما صرحوا به من قبل علي استحياء وتردد، عندما حذر ملك الاردن من الهلال الشيعي، ونطق مبارك بتصريحه الاحمق، والذي حاول ان يتنصل منه بعد ذلك، ان انتماء الشيعة ليس لاوطانهم بل لايران، وعندما صرح ثلاثتهم في بداية المعركة انها مغامرة غير محسوبة. وكانوا يتوقعون مثل سادتهم ان تنهي في ايام وبهزيمة محققة، ومبارك لا يزال لا يصدق. ففي تصريح له اخيرا لصحيفة المساء القاهرية قال هذه الحرب لا كاسب فيها ولا خاسر في حين صدر العدد الاخير من مجلة الايكونومست البريطانية واسعة الانتشار والنفوذ وعلي غلافها الي جوار الصورة نصر الله يكسب الحرب كما لم يرد علي لسان مبارك ولو مرة وصف هذه الحرب بالعدوان، بل الحملة العسكرية الاسرائيلية او الصراع الدائر الذي لا يحكمه عقل ولا منطق. كما انكشف نفس الذعر السعودي بمشاركة النظام المصري باجراء التعديلات الوزارية الاخيرة وبين المحافظين، ليأتي بنفس الرجل الذي رأس لجنة الانتخابات البرلمانية الاخيرة، والذي اشرف علي تزويرها بالكامل وزيرا العدل، توطئة للتوريث المزور والمتفجل لاعادة ترتيب البيت.

ولا شك ان ذكري الخمسينات والستينات، وصعود حركة التحرير الوطني والحركة القومية في مرحلتها الاولي الناصرية والبعثية والتقدمية لا زالت تؤرق الامير السعودي وتفزعه. حينها كانت الحرب الباردة في قمة اشتعالها، ولم يمنع هذا عبد الناصر من ان يضع يده في يد شوان لاي الصيني الشيوعي ونهرو الهندي وسوكارنو المسلم، ولم يفقد لذلك انتماءه العربي وكانت حركة عدم الانحياز التي قادت حركات الاستقلال والتحرر الوطني علي امتداد افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية. حينها انضمت السعودية الي القطب المقابل، فوستر دالاس وحلف بغداد والمخابرات المركزية الامريكية التي اطاحت بمصدق القائد الوطني. فكيف لا توصف الجهة الاولي بالتقدمية والاخري بالرجعية العميلة؟!

وهو في اميته وجهله لا يستطيع ان يفرق بين الاستعمار والامبريالية بشرورها والتي لها محدداتها العلمية والاقتصادية والسياسية والفكرية وطموحاتها العدوانية، وبين طموحات الشعوب كل الشعوب ونوازعها بخيرها وشرها، ومن بينها ايران، وهي تسعي للخروج من التخلف والفقر وحتي التفوق والزعامة، اليست للمملكة السعودية الوصاية الاصولية السلفية والتي أفرزت الارهاب! ولخادم الحرمين ايضا طموحاته في زعامة العالم الاسلامي، ومن اجلها انشأ المؤتمر الاسلامي، كما لمصر بثقلها السكاني وتاريخها الحضاري، طموحاتها في زعامة العالم العربي. وكيف ينكر علي الشعوب الفارسية بعد ان دخلت الاسلام، ايا كان مذهبها دورها التاريخي الحضاري في اطار الحضارة الاسلامية الزاهرة من ابن سينا الي عمر الخيام، وكيف يرفض العرب، في وضعهم المزري الراهن، وازمتهم الطاحنة يد ايران الممدودة حتي بنظامها الخميني بخيره وشره، وهي تنتمي للمنطقة وتخوض نفس معركتها ضد الامبريالية او الاستكبار، وفي محاولات الافلات من ربقة التخلف والفقر والتبعية العالمثالثية؟

ان موقف الجهابذة الثلاثة هو ترديد وصدي لسادتهم في محاولاتهم لتفتيت العالم العربي والاسلامي وعزله، من شيعي وسني، عرب واكراد وفرس.. الخ، ودفعه في طريق الصراعات.

اما الانتصار الذي افزع النظم العربية الرجعية قاطبة كما افزع الامبريالية العالمية قديمها وجديدها، فهو رغم محدوديته، وكما لم يزعم اصحابه انه حاسم او نهائي او استراتيجي، الا ان معانيه ودلالاته ورموزه كانت هي الاخطر، حتي ليكاد يرقي بها الي مستوي الانتصارات التاريخية والاستراتيجية، حتي جاز وصفه علي لسان الامير المذكور بالزلزال. فقدحمل معه موجه عالية من عودة الثقة وبعث الروح شملت الشعوب العربية جميعا، ومن حيث اراد العدوان المبيت والحرب بجرائمها البشعة القضاء علي اي امل في المقاومة وعلي اي صعيد، وعلي قتل معناها نفسه، فقد اكد الصمود المذهل والبسالة منقطعة النظير علي جدواها وامكانياتها غير المحدودة، بما يؤذن بنقلة نوعية وصعود جديد في حركة التحرر الوطني والقومي العربية والاسلامية.

وعلي المستوي الدولي لا يقل الاثر والتداعيات والنتائج، فقد عرت اسرائيل وكشفت حقيقتها، كما اسقطت صورتها وصورة جيشها الذي لا يقهر، وخرجت منها اضعف. فقد قبلت وقف القتال وسعت اليه، كما قبلت بما لم تكن لتقبل به من قبل دون تحقيق اي من الاهداف التي اعلنتها.

ولكن الاهم والاخطر انها كشفت محدودية القوة العسكرية امريكية او اسرائيلية او غيرها، ومحدودية قوة سلاح الطيران، وقوة النيران الزائدة، والتي استخدمت بكثافة في الحرب علي يوغوسلافيا بوجه خاص، وجري علي غرارها ما تلاها في افغانستان والعراق ولبنان.

عبر عن هذه الحقيقة باحث كبير في مركز السياسات التطبيقية في جامعة ميونيخ في مقال في صحيفة هيرالد تربيون 26 ـ 27/8/2006 بعنوان استخدام القوة القوة العسكرية الغربية في ازمة… سجل فيه الفشل الاسرائيلي في مواجهة حزب الله، وغرق القوات الامريكية والبريطانية في العراق، كما الناتو في افغانستان، وتساءل: لماذا اعظم جيوش العالم تجد نفسها في ورطة امام خصومها، الذين لم تكن الجيوش الكولونيالية في القرن التاسع عشر تجد اي صعوبة في هزيمتهم؟

وجوابه: الطريقة العسكرية الامريكية هي المسؤولة. فالامريكيون بنوا قوتهم العسكرية في مواجهة روسيا والصين، ونظرتهم العسكرية قامت علي قوة النيران وتفوق التكنولوجيا، والابتعاد ما امكن بقواتها عن العدو، لتحاشي المخاطرة وحسن المناورة، ولكن اكثر القوي التي يواجهها العسكريون القريبون اليوم لا يمكن هزيمتها الا بالاشتباك عن قرب، بما يعني ان الغرب يواجه اليوم حروبا شعبية وحروب عصابات دون ان يسميها، حيث الالتحام المباشر والبسالة تغلب قوة النيران البعيدة، كما الحرص علي السلامة وتجنب المخاطرة! وبالعودة الي القضية الام، فلسطين، فلم يكن القرار المسبق بالحرب والتدمير بين امريكا واسرائيل قاصرا علي لبنان وحده وقبل اسر الجنديين، للقضاء علي حزب الله وسلاحه وصولا الي ايران ومفاعلها الذري، بما كشف عنه سيمور هيرش في مقاله الرائع في نيويوركر، بل كان هذا التدبير المسبق والقرار المشترك بالهجوم ايضا بالنسبة لغزة قبل اسر الجندي الاسرائيلي. فالحربان تأتيان في اطار التصفية النهائية للقضية الفلسطينية، بفرض الحل الاسرائيلي من جانب واحد، وضرب المفاعل الايراني لفتح الطريق للشرق الاوسط الجديد.

كشفت عن هذه التدبيرات المسبقة تانيا راينهارت استاذة اللغويات في جامعة تل ابيب، وهي من افضل كتاب اليسار الاسرائيلي المعادي للصهيونية، وذلك في مقال نشرته مجلة بوليتيس الفرنسية اليسارية (27/7 ـ 30/8) ولاهميته سنعرض له تفصيليا.

في رأي الكاتبة ان ما فجر الحرب الجديدة في لبنان هو العدوان علي الفلسطينيين في غزة، فالعملية التي قام بها حزب الله بخطف الجنديين هناك ما يدل علي انها كانت لخفض الضغط علي الفلسطينيين، بفتح جبهة جديدة، ويعد هذا اول عمل للتضامن العسكري مع الفلسطينيين في العالم العربي، والهجوم علي غزة ليس نتيجة اسر الجندي الاسرائيلي، بل اعد له منذ زمن طويل، وكان الجيش يضغط دائما في هذا الاتجاه.

والهدف كان تدمير حماس وحكومتها وبنيتها التحتية، وبدأ الجيش في التصعيد في 8 حزيران (يونيو) باغتيال ابو سمهدانة، وهو شخصية هامة بالنسبة لحماس، فضلا عن تكثيف قصف المدنيين، واحكام الحصار علي غزة. وكان الاذن الحكومي بالعدوان جاهزا في 12 حزيران (يونيو)، ولكنه تأخر بسبب المضاعفات التي ترتبت علي موت المدنيين علي شاطيء غزة اثر القصف، وجاء اسر الجندي ليزيل كل العقبات، فالعملية التي بدأت في 28 تموز (يوليو) وتدمير كل البنية التحتية في غزة، والقاء القبض الجماعي علي قادة حماس في الضفة الغربية، كانت مبيتة ايضا قبلها باسبوع.

وما يقدمه الاسرائيليون من تبريرات ابعد ما يكون عن الحقيقة، اما الواقع فهو ما تقرر في خطة فك الارتباط الشارونية، فلم يكن يقصد منها سوي نقل السيطرة علي القطاع من الداخل الي الخارج، وهي السيطرة التي ظل يمارسها الجيش منذ الجلاء باغلاق كافة المنافذ، علي الارض، ومن الجو والبحر. وهذا الوضع اعفي اسرائيل من اي مسؤولية علي عاتق المحتلين بمقتضي ميثاق جنيف الرابع والذي يقضي بحماية مليون ونصف المليون من قاطني القطاع. فاسرائيل ليست في حاجة الي قطيعة منها لارض، اكثر ازدحاما بالسكان من كل العالم، ومحرومة من اي مورد طبيعي، والمشكلة اننا لا يمكن ان نترك غزة حرة اذا اردنا الحفاظ علي الضفة الغربية. فاذا اعطيناهم الحرية فستتحول غزة مركزا لمعركتهم لتحرير كل فلسطين، ومعبرا الي العالم العربي. فالسيطرة علي الضفة تتطلب السيطرة المحكمة علي غزة. والشكل الجديد من الاحتلال يقتضي تحويل غزة الي سجن بسماء مفتوحة ومقطوع عن العالم.

ولكن في هذه الحالة فان الشعب المحاصر دونما امل او بديل سياسي، سيبحث عن اي وسيلة لمواجهة قاهريه. وهكذا تحول اغلاق غزة الي مصدر للازعاج يقلق راحة الاسرائيليين المقيمين في الجوار. فهم يطلقون الصواريخ يدوية الصنع، صواريخ القسام علي المدن المجاورة وهذه الصواريخ وان افتقدت الدقة، وقلما تصيب اهدافها، الا انها تسبب اضرارا سيكولوجية فضلا عن الاضرار المادية الطفيفة، فهي تزعج وتنغص حياة المدن المجاورة. اما بالنسبة للفلسطينيين، فان صواريخ القسام تشكل الرد علي الحرب الاسرائيلية. طالب من غزة في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز يقول لماذا يتعين علي الفلسطينيين ان يصبحوا وحدهم المعرضين للموت؟ بهذه الصواريخ الاسرائيليون ايضا سيعانون من الخوف، سنعيش معا في سلام او معا في خوف.

ومع ذلك فأقوي جيش في الشرق الاوسط، لا يملك ردا عسكريا علي هذه الصواريخ، الحل ممكن وواضح وطرحه رئيس الوزراء اسماعيل هنية، وهو وقف متبادل لاطلاق النار من الجانبين. وحماس من جانبها اثبتت انها مستعدة لذلك، فخلال سبعة عشر شهرا التزمت بوقف اطلاق النار المعلن من جانبها، كما توقفت عن اي عمل مسلح، من اجل حل سياسي، ولم تعاود حماس اطلاق الصواريخ الا بعد الاستفزازات الشديدة.

اما من وجهة نظر الاسرائيليين فان نتيجة الانتخابات الفلسطينية في كانون الثاني (يناير) 2006 جاءت بكارثة، لانه لاول مرة وجدت قيادة تمثل مصالح الفلسطينيين ولا تقدم تنازلات مجانية او تعمل وتتحرك وفق متطلبات اسرائيل.

والشيء الذي لا يقبل به الاسرائيليون، ولا يتصورون مواجهته هو الانتهاء الحقيقي للاحتلال سواء في الداخل او من الخارج.

والخيار الوحيد الذي يراه الجيش في هذه الحالة هو كسر ارادة الفلسطينيين وقهرهم بالقوة، فلابد من تخويفهم وارهابهم وقصفهم لشهور طوال، حتي يفهموا ان الثورة لا جدوي منها وان يتقبلوا السجن مدي الحياة، ويبقي لهم امل وحيد في البقاء علي قيد الحياة، القبول بما تفرضه اسرائيل.

فلا انتخابات ولا مؤسسات ولا بوليس، كله ينبغي ان يدمر، فغزة يتعين ان يحكمها عملاء وسجانهم منهم علي ابواب سجنهم الكبير.

ومنذ 2000 مع الانتفاضة والجيش يدعو لعملية في غزة من قبيل تلك التي اجريت في جنين، وكان ذلك قبل الانسحاب، حينها حشد الجيش قواه علي الحدود استعدادا لهجوم ساحق علي القطاع، ولكن امريكا اعترضت، وجاءت اللحظة مع وصول الاسلاميين الي الحكم، فأعطت امريكا الضوء الاخضر بشرط الا تثير العملية ردود فعل عالمية بالهجمات المفرطة علي المدنيين، ولم يعد الجيش شاغله صورته في اعين الرأي العام العالمي، ولكن ظل هاجسه ان تصطدم جهوده العسكرية بتقارير حقوق الانسان، والازمة التي ستنشأ عنها، ولذلك حرص الجيش علي ترك بعض المنافذ، لوصول ما يقيم الأود لمواصلة الحياة حتي يتمكن من مواصلة قتلهم.

ولا زالت امطار الصيف تهطل منذ اسر الجندي جلعاد شاليط، وضحاياها حتي يومنا تجاوزوا المئتين واحيانا تجاوزوا العشرات يوميا، وشاع اخيرا ان اسرائيل ستقذف بهم الي مصر فهي الاقدر علي قمعهم، ومصر كامب ديفيد حريصة علي الدوام بكل ما يرضي اسرائيل والامريكيين! وكم هي في حاجة الي اسرائيل وزملاؤها ايضا معها في نفس الحاجة.. حلف بغداد الجديد.

في كلا الحربين علي غزة ولبنان، تجاوز القتل والدمار كل ما عرف من جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية والهدف النهائي واضح، تصفية القضية نهائيا وتطبيق الحل الذي اختارته اسرائيل، وبالنسبة لبوش تحقيق حلمه في شرق اوسط جديد وضرب ايران في الطريق.

ولكن في كلا الحربين، كشف الهدف القريب والمباشر، عما سيكون عليه الحال في المستقبل فاسرائيل ستتدخل ولو لزم الامر بالقوة في داخل اي بلد عربي لازاحة حكم او تغييره، حتي الشرعي المستمد من صناديق الاقتراع، اذا تعارض مع هواها ومصالحها وتفرض من تريد، فاستهدفت حماس في فلسطين عندما فشل الحصار الخانق، ولم تقو القوي المعتدلة المراهنة علي السلام الوهمي واوسلو. وفي لبنان تكفلت بتنفيد القرار 1559 بتجريد حزب الله من السلاح، عندما عجزت القوي التي راهنت علي امريكا والغرب عن تنفيذ القرار، فاسرائيل اصبحت تعطي لنفسها الحق في التدخل في صميم السيادة الوطنية، والارادة، كما تهدد صميم الامن القومي، بما يؤكد من جديد مركزية القضية الفلسطينية واستحالة الفصل بين كفاح الشعب الفلسطيني من اجل حقوقه، واسترداد الشعوب العربية قاطبة لارادتها الوطنية وطموحاتها في اي اصلاح ديمقراطي اقتصادي او سياسي او تنموي. وفي كلمة اصبحت حرية الشعوب العربية رهينة بتحرير فلسطين والعكس صحيح. وفي ضوء هذه الحقيقة للمرء ان يعجب كيف يتحدر الوعي بالبعض المحسوب علي الوطنيين في لبنان الي اعتبار مزارع شبعا هي حدود النزاع والصراع مع اسرائيل، وتغمض العينين عن اطنان اطنان الوثائق التاريخية والدراسات الموثقة والكتب التي تثبت ان لبنان وسورية فضلا عن سيناء تقع في صميم المشروع الصهيوني الاصلي منذ هرتزل، والذي يجري تنفيذه علي مراحل من النيل الي الفرات وهو ليس مجازا بل شعار للتنفيذ، فكيف يتصور عاقل في لبنان او اللبنانيون ان حريتهم واستقلالهم الكامل يمكن ان يتحقق بادارة الظهر واعطاء الامان الي هذا الطامع في مائهم وارضهم وسمائهم ودورهم التاريخي والراهن والقابع علي حدودهم؟!

تصفية القاعدة الكولونيالية الاستعمارية في اسرائيل هو شرط انتصار النهوض الجديد في حركة التحرر الوطني والقومية العربية كما كان سقوط حلف بغداد علامة تحرير واستقلال كل الاقطار العربية في المرحلة السابقة.

فالتعايش مستحيل واكرر مستحيل، مع دولة يهودية عرقية عنصرية، جوهر فلسفتها ووجودها وممارساتها فاشي، وهذه الاستحالة مستفادة من حروب ست هي في حقيقتها حرب واحدة متصلة لن تنتهي. ومستفادة ايضا من الخبرة الاقرب في الجزائر والابارتيد في جنوب افريقيا، ومن دروس الحرب العالمية الثانية، وكل محاولات السلام الفاشلة مع الدول الفاشية والنازية حينذاك. فلا بد من قيام الدولة الديمقراطية للشعبين الفلسطيني والاسرائيلي كحل نهائي كفيل باحلال السلام الدائم. وهذا ليس من قبيل الخيارات والتمني في ظروف العالم الراهنة بل هو ممكن، ولكن كثافة الظلام والاظلام في المنطقة والعالم تجعله كذلك.

فاذا كان اسقاط كامب ديفيد ومعاهدة السلام الوهمية، والنظم الديكتاتورية من المحيط الي الخليج، وفي المقدمة منها النظامان المصري والسعودي الآيلان للسقوط، وكنس طغاتها حتي لو هربوا في ثوب امرأة، هو المهمة العاجلة والضرورية التي تقع علي عاتق حركة التحرير العربية في المرحلة الراهنة، فهذا اذا تحقق سيقيم حصارا خانقا حول هذا الكيان الشاذ كفيل بانهائه سلميا. فهي ليست دعوة للحرب، فاسرائيل وحدها هي التي تريدها. كما انه لا يلغي او يصادر في شيء علي الحلول المرحلية التفاوضية، لانها ستأتي في الطريق. وفي مقدمتها اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة علي كامل الاراضي التي احتلت في 1967، وعلي اساس التمسك الحازم بالثوابت الفلسطينية وجوهرها: حق العودة والقدس، وقرارات الشرعية الدولية.

لقد قدم حسن نصر الله نموذجا فذا للمقاومة او الجهادية العقلانية، الاصالة مع التحديث الديمقراطي، والذي اشعل الثورة العرابية وثورة 19 وكل ثورات الشام والعراق خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وهما قدما التقدم الراهن لا بديل.

ہ كاتب من مصر يقيم في باريس8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية