الطيب البكوش إنّ الحركة الاحتجاجية التي انطلقت من سيدي بوزيد منذ ثلاثة أسابيع وعمّت بعض الجهات الأخرى في بلادنا تونس ومازالت تداعياتها إلى حدّ كتابة هذه الأسطر، تستوقف كلّ من يهتمّ بالشأن الوطني للتأمل والتحليل والاعتبار.
وقد تضاربت حولها المواقف في الداخل والخارج، وإن كان ما يقرّب بينها هو الألم والأسف العميق للخسائر البشرية والمادية، مهما كانت أشكالها وأسبابها وضحاياها. وقد قيل الكثير عن الأسباب الاقتصادية والاجتماعية، ولاسيما البطالة والتفاوت الواضح بين جهات البلاد وفئاتها الاجتماعية، من حيث توزيع ثمار النموّ وإشكالات التنمية المتوازنة المستدامة.
إنّ التحليل الموضوعي لهذه الأحداث وللمطالب والشعارات المرفوعة يدعونا إلى عدم الفصل بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فهي متكاملة متشابكة ولا يمكن أن نتجاهل العلاقة بين هذه الأحداث وما جرى في الحوض المنجمي منذ سنتين، وما تلا ذلك في بن قردان مثلا.
وأرى من الواجب لفت الانتباه إلى أنّ معالجة قضية الحوض المنجمي لم تتصف بالحكمة اللازمة، إذ الجراح لم تندمل والصفحة لم تُطو طيّا نهائيا حتى اليوم. فما بدأ بالحوار انتهى بالحلول القضائية والأمنية التي لا تتناسب مع طبيعة القضية وأسبابها الموضوعية.
إنّ حوادث الانتحار تقع كل يوم في كلّ أنحاء العالم لأسباب عديدة، لكن انتحار الشاب محمد بوعزيزي في سيدي بوزيد حرقا له دلالة قوية، قيمتها الرمزية تضفي عليها بعدا سياسيا يجتمع فيه اليأس ورفض الفقر والبطالة، يضاف إلى ذلك رفض الإهانة ودوس الكرامة، فضلا عن غياب الأذن الصاغية والطرف الكفء المحاور القادر على الإقناع. فاجتماع هذه الأسباب هو الذي يمكن أن يولّد الانفجار.
وما لم يفهمه البعض هو أنّها حالة تتّسم بقدرتها على العدوى، فقد سبقتها حالات مماثلة، في المنستير وغيرها، لم تستلخص منها الدروس الضرورية. واليوم تقتضي الحكمة وضع حدّ للإيقافات والمحاكمات وقمع المسيرات السلمية وإطلاق الرصاص الحي تهدئة للخواطر وتوفيرا للمناخ الملائم للحوار. بعض الأطراف لا تتصوّر أنّ إهانة محام أو قاض أو مربّ أو صحافي أو طالب… قصد تخويف المواطن العادي، إنّما تسيء إلى سمعة الدولة وهيبتها أكثر ممّا يسيء إليها نقد بعض السياسات، هذا فضلا عن أنّ الإهانة التي تهدف إلى الإذلال والتخويف، تزرع بذور الأحقاد التي لا تنبت غير الأشواك، وتصدّع جسور التواصل والتحاور، فمن الحيوي في العلاقات الاجتماعية والسياسية المحافظة على الحدّ الأدنى من الاحترام المتبادل.
ليس من الواقعية إنكار الجهود التي تبذلها الحكومة التونسية من أجل النموّ، ولكن لا يمكن غضّ الطرف عن مراكز قوى اقتصادية ومالية وأطراف تعتبر نفسها فوق القانون وتتصرف بشكل يحول دون بلوغ الأهداف التنموية، فمن الحيوي أن لا تخرج الثروات من البلاد وأن توظف لصالح جميع الجهات والفئات الشعبية.
إنّ إطلاق الطاقات الكامنة في المجتمع المدني من دون قيود من شأنه تعزيز الجهود الحكومية والتفاعل معها إيجابيا من دون خوف من النقد والمساءلة والرأي المخالف.
قد يبدو من المفارقة أنّ الوضع التونسي إجمالا، ليس أسوأ من غيره في المنطقة العربية، بل قد يكون أفضل في مجالات عدّة، ومع ذلك فإنّ النقد الذي يستهدف نظام الحكم في تونس من الإعلام الخارجي ومن المنظمات الحقوقية الدولية يبدو أشدّ، وما ذلك إلاّ لوجود اقتناع بأنّ تونس قادرة على الأفضل في جميع المجالات لو انفتحت قنوات الحوار والتواصل على مختلف الآراء مهما تباعدت، من دون أن تكبّلها رقابة مفرطة لا تخلو أحيانا من الغباء الفكري والسياسي. والأكيد أنّ هذه الرقابة تشوّه صورة تونس، فضلا عن أنّ نتائجها عكسية تماما.
ويمكن في الختام التأكيد على أنّ أهمّ الدروس التي يمكن استخلاصها من الأحداث الأليمة الأخيرة، تتلخص في أمرين أساسيين: – منح الحكومة ما يكفي من الصلاحيات والإمكانيات من أجل تحقيق تنمية أسرع وتوزيع أعدل.- رفع القيود المجحفة عن الحريات العامّة، ولاسيما حرية الفكر والتعبير والتنظّم لتمكين المجتمع المدني الحرّ من المساهمة الفاعلة في التنمية الشاملة، طبقا للمعايير التي تنصّ عليها المواثيق الدولية التي صادقت عليها تونس.
إنّ هيبة الدولة لا تنقص بالنقد، بل تتعزز بالعدل ونظافة أيدي القائمين على مؤسّساتها ونزاهة قضائها ومصداقية إعلامها وحرصها على ضمان احترام كرامة المواطنين. ‘ الأمين العام الأسبق للاتحاد العام التونسي للشغل