ما بعد عملية رفح

حجم الخط
0

محمد كريشانالجنازة العسكرية والشعبية التي جرت أمس لضحايا الجيش المصري في عملية رفح الأخيرة شيعت أيضا، إلى جانب الــستة عشر عنصرا من حرس الحدود، مرحلة كاملة من التعامل المصري مع الوضع الأمني في شبه جزيرة سيناء منذ اكتمال الانسحاب الإسرائيلي منها قبل ثلاثين عاما. هذه المرحلة الجديدة المنتظرة التي سيكون عنوانها ‘الانتقام’، كما توعد بذلك الجيش المصري، ستدفع ثمنها بلا شك في المقام الأول ما يسمى بالمنظمات الجهادية في سيناء ولكنها ستمس كذلك فلسطينيي قطاع غزة بشكل أو بآخر لا سيما في ضوء الاتهامات الموجهة لعناصر من داخل القطاع بالمشاركة في هذه العملية. عملية رفح أثبتت للمرة المائة إلى أي مدى يمكن أن تمضي هذه الحركات التكفيرية المسلحة في عدمية إجرامية غريبة، فمن أجل سعيها لإلحاق ضرر مأمول بالقوات الإسرائيلية هناك لم تر حرجا في مباغتة مسلمين يتناولون وجبة الإفطار في شهر رمضان المبارك وقتلهم غيلة ليسقط المنفذون لاحقا لقمة سائغة بنيران من كان متأهبا منذ فترة لعمليات من هذا القبيل. فعلوا ذلك تماما كما كانت المجموعات التكفيرية في العراق أو الصومال تفجر مسجدا بأكمله يكون الهدف منه قتل شخص واحد ولا يهمها إن سقط معه عشرات آخرون من الأبرياء في بيت من بيوت الله. وفوق هذه النتيجة الميدانية الرهيبة يُـتوقع أن تكون النتائج السياسية والأمنية اللاحقة كارثية على الجميع، عدا إسرائيل طبعا. أول الضحايا سيكون الرئيس المصري نفسه فمحمد مرسي الذي لم يدخر جهدا منذ انتخابه في كيل المديح للمؤسسة العسكرية والأمنية محاولا كسب ودها وطمأنة رموزها سيجد نفسه الآن خاضعا بالكامل لما ستراه هذه المؤسسة من سبل التصرف في أعقاب ما جرى. لن يكون قادرا على معارضتها أو التحفظ على بعض ما يمكن أن تقرره، ليس فقط لأنها أدرى منه بهذا الملف الشائك وأكثر تجربة وحنكة بل لأنه لن يسمح له بالتدخل في ما تراه هذه الأوساط مصلحة وطنية عليا هي الأقدر على رعايتها كما ترى. هنا ستدخل واشنطن لتجعل من مرسي أكثر حرصا على رعاية هذا التوجه بل وحتى التفوق فيه على سلفه مبارك، وهنا أيضا لم يعد بإمكان الرئيس المصري أن يتحدث ولو على استحياء عن تخفيف معاناة أهل غزة ولا أن يخرج اسماعيل هنية من لقاء جديد معه مبتسما، كما فعل في لقائه الأخير، رغم أنه عمليا لم يحصل على ما يبرر تلك الابتسامة العريضة. وبعد أن شرع مرسي ولو بشكل محدود ورمزي في استعادة ملف العلاقة مع غزة من أوساط جهاز الأمن والمخابرات، يتوقع أن يُـسحب منه من جديد وبقوة. ثاني الخاسرين بلا جدال، حركة ‘حماس’ المسيطرة على قطاع غزة والتي ظنت أن وصول إسلامي إلى سدة الرئاسة في مصر سيكون بداية الفرج. ربما لم تكن تتوقع أبدا أن تجهض آمالها المعلقة عليه بهذه السرعة، رغم أن مؤشرات ما قاله مرسي لوزيرة الخارجية الأمريكية وما بعث به إلى الرئيس الإسرائيلي في برقيته، رغم النفي غير المقنع، لم تكن مطمئنة جدا بأن مصر الجديدة ستكون مختلفة جدا عن مصر التي خبرناها طويلا في عهد مبارك. ربما لأن ‘الدولة العميقة’ كما تسمى في مصر ما زالت هي سيدة الموقف في إشارة إلى مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية الراسخة وما يرتبط بها عضويا من مصالح اقتصادية وتحالفات اجتماعية. من الآن فصاعدا، ستجد حكومة حماس في غزة نفسها مجبرة على بذل جهود أمنية مضاعفة لتأمين تلك المنطقة مع مصر ومنع أي عمليات محتملة ضد الإسرائيليين إنطلاقا منها أو عبرها. ستقوم قوات حماس بذلك بهمة عالية حتى تثبت للمصريين أن لا علاقة لها بما جرى وحتى تتدرأ عن نفسها أي شبهة محتملة للتواطؤ أو التساهل. وحدها إسرائيل تخرج كاسبة مما جرى. هي لم تكتف فقط بأنها لم تخسر شيئا، بل وضربت العصفورين المصري والفلسطيني بحجر واحد رماه من يظن أنه يجاهد في سبيل الله!!.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية