ما بين التوقيت الرمضاني وتوقيت الحرب الإسرائيلية علي لبنان كان معرض الكتاب هو الضحية
الحظ العاثر يلاحق معرض الكتاب الدولي بدمشق:ما بين التوقيت الرمضاني وتوقيت الحرب الإسرائيلية علي لبنان كان معرض الكتاب هو الضحيةدمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: اعتقد انها مجموعة من التوافقات والتزامنات السيئة، جعلت معرض دمشق الدولي في سنواته الأخيرة يتراجع عن أهميته المعروفة بين معارض الكتب العربية، وربما لا يكون غلاء الكتاب وتدني القدرة الشرائية للمواطن السوري في طليعة هذه الأسباب، إذ كان انتقاله من ضفاف بردي الي مكتبة الأسد فمدينة المعارض الجديدة علي طريق المطار من أهم الأسباب التي أدت الي عدم الاهتمام بزيارته من قبل شرائح واسعة من الطلبة والمهتمين، حتي انه عندما عاد في العام المنصرم الي مكتبة الأسد لم يستطع ان يتخلص من ضيق المكان، وسوء التنظيم، وارتفاع بدل إشغالات الأجنحة او رسم الاشتراك، وتوزيع دور النشر علي الأجنحة بشكل غير عادل، وسيطرة الكتاب الديني في إطار تمويل عمليات الطباعة والنشر وحتي التوزيع. وكانت الضربة الأخيرة للمعرض حين تزامن توقيته هذا العام مع شهر رمضان بدلالاته الدرامية وليست الدينية، حيث يتوقف السير قبيل الإفطار،ثم يتسمر الصائمون أمام شاشات التلفزة يتابعون ما تجود به المحطات والفضائيات العربية من مسلسلات وأعمال درامية تلاحقهم علي مدار الأربع والعشرين ساعة كلّ يوم، فلا تترك لهم خيار الخروج من المنازل. وقد ارتأت إدارة مكتبة الأسد تعديل موعد المعرض لهذا العام الي النصف الاول من شهر آب/ أغسطس هربا من التوقيت الرمضاني، غير محتسبة جنون الهمجية الإسرائيلية التي قررت ان تشن حربها الهمجية السادسة ضدّ لبنان، فكان المعرض بذلك كمن يهرب من تحت الدلف لتحت المزراب كما يقول المثل الشعبي، لان هذه الحرب فرضت إيقاعها علي الشارع العربي وعلي المواطن السوري، فرضت نفسها في مستوي أشكال التفكير وانماط السلوك وطبيعة الاهتمامات، وسمّرت المواطن أمام الشاشات مطولا لمتابعة الحدث اللبناني وبقوة كادت تفوق قوة متابعته الدراما الرمضانية، كما فرضت نفسها علي وسائل الإعلام بمستويات عدة، حتي ان التلفزيون السوري استبعد الإعلانات والريبورتاجات المعتادة لتشجيع الجمهور علي ارتياد هذا المعرض، فيما الصحف الرسمية اقتصرت علي المتابعة الإخبارية وبعض التعليقات المقتضبة علي الندوات الرسمية ولم تنشر إلا تحقيقا واحدا حول المعرض. صدمة الزائر الاولي سترسمها أعداد الزوار القلائل المتوزعين في أجنحة المعرض، لكن وبالتدقيق مع دور النشر والعارضين ستكون الصدمة أكبر، فأغلب الزائرين يكتفون بالفرجة او بتناول البوظة والمرطبات، وفي بعض الأحيان التقاط الصور التذكارية. لم يبخل الناشرون بالتعليق او بالتأكيد لا توجد مبيعات… الخسائر كبيرة… المعرض فاشل مع اختلاف في الحيثيات والتفاصيل بين دار وأخري، البعض يؤكد ان نسبة المبيعات انخفضت خمسين بالمئة قياساً الي العام السابق، حتي دور نشر الكتب الدينية عانت من تدني نسب المبيعات، وبشكل متواز تقريباً لانخفاض باقي الدور. وبالطبع هذه الملاحظات تشمل دور النشر السورية والعربية أيضاً، بل نستطيع القول ان بعض الدور السورية تجاوزت التعليمات حول ضرورة عرض ما هو جديد من الكتب، وأخرجت من مستودعاتها كل ما هو خارج إمكانية الطلب عليه، أخرجت عناوين لا زالت كاسدة منذ السبعينيات والثمانينيات، بالطبع مع تعديل لصاقة السعر، فلا يعقل ان يباع كتاب الآن بليرة او ليرة ونصف، وأحياناً بكسور أصغر من الليرة، فالتضخم الاقتصادي التهم تلك الوحدات النقدية لكنه لم يستطع ان يلتهم طموح الناشرين الي بيع تلك العناوين البائدة بالأسعار الرائجة حالياً. مع وجود نسب متفاوتة للحسم. ومن اللافت للانتباه ان يشارك بذلك اتحاد الكتاب العرب بدمشق وهو أكبر ناشر للكتاب في سورية مع وزارة الثقافة، لكن أحد الأصدقاء يضيف قائلاً: بانه اكبر ناشر للكتاب السيء، عناوين تُطبع بالواسطة، وأموال تُنفق، وبالنتيجة مخازين متراكمة لا تستطيع ان تعيد ثمن الورق والحبر المستهلك في طباعتها . هذا لا يعني عدم وجود عناوين جيدة وكتب ثمينة في هذا المعرض، فأخيراً عرضت دار ورد الترجمة الجديدة لـ دون كيشوت والتي انجزها رفعت عطفة منذ سنوات، كما عرضت الرواية الجديدة للكاتب الباكستاني حنين قرشي بعنوان الجسد بعدما ترجمت له رواية الحميمة ، والتقطت كذلك آخر روايات باولو كويلهو الظاهر ، وآخر أعمال ميلان كونديرا الستارة ، كما قدمت دار أطلس كتاب الهوية غير المكتملة لأدونيس، وكتاب فرويد لبول ريكور، وحققت مكتبة لبنان مبيعات جيدة لرواية شيفرة دافنشي إلا ان الأكثر مبيعاً كان كتاب جيفارا لدار الفارابي وهي الوحيدة التي اعتبرت ان المعرض هذا العام أفضل من العام المنصرم حتي بالنسبة لكتب أمين معلوف. إلا ان دار الفكر اللبنانية التي اهتمت بالتأكيد علي مبيعات كتب انطوان سعادة وجورجي كنعان اوضحت انها مع ذلك تعاني من انخفاض في نسب المبيعات التي تجاوزت العشرين بالمئة. وحال دار الساقي كانت أسوأ مع اولوية المبيعات لديهم لكتب السياسة حول الشرق الاوسط وقضية لبنان إضافة لكتب أدونيس. بينما الكتاب الأفضل لدار كنعان كان بعنوان في غابة المرآة لمؤلفه البيرتو مانغويل صاحب تاريخ القراءة ، أما دار الطليعة الجديدة فقدمت لنا كتاباً جديداً رائعاً بعنوان الحلم والذاكرة في نثر بورخيس . في حين قدمت دار التكوين كتاب الفتن البغدادية لمحمد مظلوم، وتاريخ بلاد الشام في القرن التاسع عشر للدكتور سهيل زكار، كما نجحت في إقامة حفل توقيع للشاعر والمترجم المتميز عابد إسماعيل لمجموعته الشعرية الخامسة لمع وسراب . ہ ہ ہلم تكن حال الندوات الفكرية والأمسيات التي أقيمت علي هامش المعرض بأفضل حالاً من المعرض ذاته، فوزير الثقافة الدكتور رياض نعسان آغا الذي سبق وتحدث الي القدس العربي عن مشروعه الثقافي، اغتنم فرصة المعرض ليتحدث عن هذا المشروع مثيراً أسئلة النهضة المجهضة اواخر القرن التاسع عشر من جديد في مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني، متسائلاً: هل نحن بحاجة الي مشروع ثقافي جديد؟ ليعتبرها دعوة الي كل المثقفين السوريين والعرب لبناء مشروع ثقافي يشبهه بالعقد الاجتماعي الجديد، مضيفاً إليه حدّي العقلانية والواقعية، ومضيفاً ان هذا المشروع استكمال لعمله السابق كمثقف منذ عام 1996. وقد حظيت هذه الندوة بحضور رسمي وإعلامي ومشاركة في الحوار لم تشهدها باقي الندوات والمحاضرات، سواء التي ألقتها الدكتورة بثينة شعبان وزيرة المغتربين بعنوان العولمة واستهداف الثقافة العربية ، او محاضرة الدكتور أحمد برقاوي حول راهنية أسئلة عصر النهضة العربية علي أهمية هذه المحاضرة، وأهمية تمييزه الأسئلة الحقيقية عن الزائفة في المشروع النهضوي. فيما ذهب الكاتب والروائي وليد إخلاصي في محاضرته عن الثقافة العربية بين التنوع والتوحد الي التأكيد علي ان ثقافة المقاومة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة العربية المعاصرة التي تصنع الأمل وتحفز الإبداع. كما أشار الي ضرورة الاهتمام بالثقافة الشعبية الإبداعية والتوحد في الثقافة الشعبية، مشيراً الي أهمية الانفتاح علي الآخر كاستجابة منطقية لجريان الزمن دون نكران الماضي. الشاعر سليمان العيسي تحامل علي سنيه الثمانين ليلقي في أمسية بعضاً من قصائده الوطنية، وجهها كبطاقات الي قانا والنبطية ودمشق وحلب، ثم اختتم بقصيدة وجدانية بعنوان مسافرة أهداها الي زوجته الدكتورة ملكة أبيض. ثم أقام حفل توقيع لكتابه الجديد فرح الأطفال الصادر عن دار الحافظ. الندوة المهمة والمتكررة في كل معرض حول حقوق الملكية الفكرية بين القانون والنص والتطبيق . انطلاقاً من القانون رقم 12 لعام 2001، حيث قنون هذا القانون الإجراءات العقابية والقانونية لمن يستبيح الملكية الفكرية لغيره، مؤلفاً او ناشراً، لكن الأستاذ عدنان السالم أكد ان المشكلة تكمن في آليات وروحية تطبيق القانون وليس في نص القانون فنحن نفتقد هذه الثقافة التي تحترم الملكية الفكرية داعياً جامعة الدول العربية ومنظماتها المختصة للعب دور في تأكيد هذا القانون ونشر ثقافة موازية وداعمة له. فيما طالب الدكتور جورج جبور بانشاء مجلة للملكية الفكرية او صفحة أسبوعية في جرائدنا المحلية، تهتم بحقوق الملكية لتوسيع ونشر هذه الثقافة، وتبين أثرها ومخاطرها. من الإشارات الهامة ان 65% من الكتاب الورقي الموزع في الوطن العربي ينتشر بطريقة لا تحترم الملكية الفكرية و90% من الأقراص المدمجة في الوطن العربي يعود ريعها الي قراصنة الثقافة الالكترونية. الملاحظة الثانية والأهم ان المشاركين في هذه الندوة وباقي الندوات والمحاضرات والأمسيات لم يستطيعوا الهرب من الحدث الطاغي المتزامن مع المعرض وهو الحرب الإسرائيلية الأخيرة علي لبنان والتي أدت من دون ان تدري الي اغتيال الدورة 22 للمعرض، تاركة علامات استفهام حول مسؤولية هذا الاغتيال وهل تقع علي العدو الإسرائيلي أم علي التنظيم والإدارة واختيار التوقيت وبعض التفاصيل التي قد لا يكون أهمها غياب أي إحصائيات دقيقة لهذه الدورة، حول عدد الأجنحة، عدد العناوين المعروضة، عدد دور النشر المشاركة، او حول نسب المبيعات الحقيقية لكل كتاب، مع ان المعارض الغربية المشابهة ترفق استمارة بيع كل كتاب بنسخة تذهب للجنة إحصائية تقويمية، تقدم نتائج يومية ونهائية حول علامات الاستفهام السابقة، ولا تعتبر ان المسألة سرّ أمنيّ لا يحق للقاريء والمثقف والإعلامي ان يخوض به. 0