ما بين خطأ مفاوضي الفلوجة سابقا وتخويل محافظ الانبار الان

حجم الخط
0

من شروط اي تفاوض بين جهتين متنازعتين هو ان يوجد طرف ثالث وسيط ضامن يراقب ويضمن مدى تطبيق بنود اي اتفاق يتم التوصل اليه. ومن اجل بيان أهمية توفر هذا الضامن الوسيط قبل اي تفاوض، فانني سأذكر كمثال قصة مفاوضات الفلوجة اثناء المعركة الاولى (نيسان/ابريل 2004). فبعد ايام قليلة من بدء المعارك في مناطق مختلفة من اطراف المدينة، ونجاح الحملة الاعلامية في اثارة تعاطف وتضامن ليس فقط الشعب العراقي، بل كافة الشعوب الاسلامية وغير الاسلامية، مما دفع بعض الدول المشتركة بجيوشها الى البدء بسحبها من العراق، او جدولة انسحابها لاحقاً.
المهم ان الحاكم المدني لسلطة الاحتلال بدأ يرى قرب انهيار العملية السياسية الطائفية بسبب معركة الفلوجة، واحتمال انتشار انتفاضات في مناطق اخرى، بحسب الاعترافات التي وردت في مذكراته. وبدأ يرسل الوفود تلو الوفود من اجل وقف العمليات، رغم اعتراض قادته العسكريين.
وهنا جاء تشكيل وفد التفاوض الاول لاهالي الفلوجة من بعض وجهاء المدينة. ونظرا لصعوبة التقدم في سير المفاوضات واستمرار المعارك، وما جرى خلالها من مآس دموية وجرائم حرب كبرى، تدخلت هنا جهة دولية مهمة لتكون طرفا وسيطا من اجل المساعدة في وقف المعركة وكوارثها، مما اضطر ممثلي الفلوجة الباقين في داخل المدينة الى تشكيل وفد تفاوضي ثان كنت احد اعضائه.
ونظرا لكثرة الحالات التي كنا نلمسها يومياً من عدم ايفاء الامريكان بوعودهم مع اي وفد تفاوضي، لهذا فقد طلبنا كوفد ثان من الوسيط الدولي ان يعرض على الامريكان شرط الفلوجة بوجود الامم المتحدة، طرفا دوليا ضامنا يشرف على المفاوضات، مع تحويل المراتب العسكرية في المستشفى العسكري الاردني قرب الفلوجة الى قوة حفظ سلام تابعة للامم المتحدة.
ورغم عدم قناعة الوسيط الدولي بامكانية قبول الامريكان بهذا الشرط الا انه نقله اليهم، كما نقلناه نحن للوجهاء الباقين في الفلوجة بعد اللقاء مباشرة.
واخبرنا الوسيط الدولي، والمفاجأة مرسومة على وجهه، لسرعة الامريكان بالموافقة على الطلب. وطلب منا الاستعداد لمقابلة الامريكان والجلوس معهم خلال الايام القادمة، ولكن لا اعرف لحد هذه اللحظة سببا مقنعا للوفد التفاوضي الاول لكي يطرح فكرة تشكيل لواء الفلوجة من دون ضمانات دولية، رغم علمه بطرحنا لهذه الفقرة وموافقة الامريكان عليها!
وبحسب مصادر مختلفة فان صفقة سياسية أبرمت لانقاذ قوات الاحتلال من عار الهزيمة في الفلوجة، وانتقال شرارتها لبقية مدن العراق.
وتوالت الصفقات السياسية الواحدة تلو الاخرى بسبب تغلغل عملاء الاحتلال بيننا منذ ذلك الخطأ الفادح في مفاوضات معركة الفلوجة الاولى.
وقد تكون هنالك اسباب اخرى وجهات متعددة وراء هذا الخطأ الفادح الذي ندفع ثمنه لحد الان. لكن لنتصور لو ان التفاوض أكمل وفق شروط الوفد التفاوضي الثاني ووجود الامم المتحدة كوسيط ضامن ومشرف دولي على المفاوضات، عندها سنجد ان من أهم الفوائد هي:
اعتراف الامم المتحدة والمجتمع الدولي بحق الشعب العراقي في المقاومة والدفاع عن نفسه ضد الاحتلال.
دخول الامم المتحدة كطرف وسيط وضامن دولي مع ارسال قوة حفظ سلام دولية.
امكانية ان تكون قوات حفظ السلام للامم المتحدة هي بداية لاستبدال قوات الاحتلال في حال نجاح تجربة الفلوجة وتشجيع بقية المناطق للانتفاضة من اجل تعميم تجربة الفلوجة لاستبدال قوات الاحتلال بقوات أممية.
منع تنفيذ خطط الاحتلال التي بدأ يعدها بعد خسارته لمعركة الفلوجة الاولى، خصوصا ما جرى بعدها من جرائم حرب وابادة اثناء العودة في معركة الفلوجة الثانية وقبلها معركة النجف وبعدها معارك مدن سامراء والرمادي والقائم وتلعفر وبقية المدن الثائرة.
منع عملاء الاحتلال من الصاق تهمة الارهاب ضد المقاومة الوطنية للاحتلال وعصاباته، بسبب الاعتراف الدولي بهم، ولكان الان قانون الارهاب يطبق على عصابات احزاب السلطة الحالية.
ايجاد فرصة توازن سياسي لكل طوائف الشعب العراقي الرافضة لبقاء الاحتلال ضد من استند الى وجود الاحتلال لبناء قاعدة شعبيته الطائفية المجرمة.
امكانية منع القتل الطائفي الذي نفذته فرق موت الاحتلال ومليشياته.
الان، جاءتنا الاخبار والتصريحات بتخويل محافظ الانبار الجديد ليتفاوض باسم ساحة الاعتصام في الانبار فقط ! لتقريب وجهات النظر مع المالكي من اجل تحقيق مطاليب المعتصمين. وهنا سيحق لنا التساؤل:
قبل ايام ليست بعيدة تم توقيع اتفاق شرف ظهر فقدان مفعوله بسرعة من قبل من جلب الاحتلال ووقع على دخوله، فهل أسس التفاوض الان ستكون مختلفة والى ماذا ستستند؟
اذا كانت المفاوضات السابقة بوجود رئيس البرلمان النجيفي لم تجد نفعا حتى في ادخال مطاليب المعتصمين الى قاعة البرلمان، فما هي خطة محافظ الانبار لاجبار المالكي على تنفيذ مطاليب المعتصمين ان كانت هنالك فعلا خطة؟
ماذا يعني جعل محافظ الانبار مخولا للتفاوض عن ساحة اعتصام الانبار فقط من دون تنسيق مسبق مع بقية ساحات الاعتصام بالمحافظات الاخرى، وهل ستظهر شخصية واحدة تمثل كل محافظة منتفضة لتشكيل وفد موحد أم ماذا؟
اذا كانت شخصية المالكي تسيطر الان على السلطة القضائية ومن دون محاسبة من قبل السلطة التشريعية ايضا، فما هي ضمانات التزامه باي اتفاق جديد؟
الجرائم الكبرى التي ارتكبها المالكي طوال سنين حكمه وما رافقها من فساد وتبعية للنظام الايراني تحتم على اي وفد تفاوضي المطالبة بوجود وسيط دولي ضامن، بسبب فشل السلطتين القضائية والتشريعية، وانفراد المالكي بالحكم الدكتاتوري المدعوم خارجياً. فهل سيتم مطالبة الامين العام للامم المتحدة باعادة المقرر الخاص عن حقوق الانسان في العراق وجعله وسيطاً دوليا، مع وجود وسيط من الاتحاد الاوروبي او مجلس الامن الدولي؟
الامر المهم الاخر، هل سيكون هنالك سقف زمني محدد للمفاوضات، ام ستنتهي اعلاميا مع اقتراب الانتخابات القادمة؟
اذا كانت أسس التفاوض مفقودة، سواء عدم اقرار المالكي بشرعية مطاليب المعتصمين وعدم سحبه لتهديداته لهم، ثم عدم وجود وسيط دولي ضامن، ناهيك عن عدم تدويل جرائم المالكي لتكون ورقة رابحة في التفاوض معه، فهل ستكون المفاوضات مجدية وحقيقية ام صفقة جديدة ولعبة تمهيدية للانتخابات؟
المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ونحن لدغنا عدة مرات للاسف. فعلى ابطال ساحات الاعتصام والمطالبين بحقوق شعبهم الا ينسوا دماء زملائهم وابناء بلدهم منذ مجيء الاحتلال.
وعليهم الوقوف بحزم والمطالبة بتوفير الضمانات الحقيقية لتطبيق المطاليب الشرعية وعدم الوثوق بالوعود السياسية لحماة الاحتلال، بعد ان اوصلوا بلدنا الى ما نعانيه الان من خراب ودمار… اللهم اني قد ابلغت اللهم فاشهد.

ناشط حقوقي ومعارض سياسي عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية