مشهد روسيا الغاضبة عقب إسقاط طائرة “اليوشين- 20” بنيران الدفاعات الجوية السورية أثناء غارة إسرائيلية على اللاذقية طبيعي قياساً إلى حجم الصدمة. فإسقاط طائرة استطلاع حديثة متطوّرة ومجهزة بأحدث وسائل التكنولوجيا وتقنيات التشويش، يضعها الروس في موازاة طائرة “الأواكس” الأمريكية، ومقتل طاقمها المؤلف من نخبة من الخبراء الإلكترونيين، يُعد ضربة قاسية ومذلة تصيب في الصميم كبرياء قيادة وشعب يعيش على الدوام حلم استعادة أمجاد الماضي، منذ زمن القياصرة إلى عظمة الاتحاد السوفييتي.
بدا واضحاً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في تعليقه الأول، سعى إلى وضع الحادثة في حجمها الطبيعي، حين عزا أسبابها إلى مصادفة سلسلة أحداث مأساوية وأخطاء. موقفه أتى من أن الطائرة الإسرائيلية لم تتعمّد إسقاط “إيل – 20” كما حصل في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 يوم أطلقت مقاتلة تركية من نوع “إف-16” صاروخ “جو – جو” على قاذفة “سو-24” بشكل متعمّد بحجة دخولها المجال الجوي التركي. لكن ما أثارته هذه “الكارثة” من غضب في الجيش وأسئلة عن طبيعة إجراءات الحماية وفعاليتها آلت إلى اتخاذ منحى تصعيدي وهجومي حيال إسرائيل من أجل امتصاص الصدمة ووقعها وآثارها على معنويات الداخل الروسي.
كان لا بدّ من ردٍ على “التصرّف الإسرائيلي” يتماشى مع حجم “الحدث”، فجاء عبر إعلان موسكو عن عزمها تسليم سوريا منظومة أس – 300 للدفاع الجوي، بغية تعزيز حماية الأجواء السورية وتأمين عمل سلاح الجو الروسي فيه. الحرص الإسرائيلي على أن الإجراءات الروسية لا تستهدف “الشركاء الإسرائيليين” وأن المنظومة ستكون بيد خبراء روس كفيل برسم حدود التداعيات. لا حديث عن قطع العلاقات الدبلوماسية أو وقف “آلية عدم الاشتباك” التي أرساها الطرفان عام 2105 مع انخراط الجيش الروسي في أحداث سوريا، بهدف تفادي الحوادث العسكرية.
تُشكّل الحادثة بلا شك اختباراً للعلاقات، لكنه اختبار سيُظهر في النهاية استراتيجية العلاقة. كل من الجانبين يتعامل ضمن السقوف المقبولة إلى أن تمرّ “غيمة الصيف”. الرهان من قبل إيران – النظام السوري- “حزب الله” على خطوات تُهدد بانهيار العلاقة هو خطأ كبير في الحسابات، وأقرب إلى السراب. العلاقة بين روسيا وإسرائيل لا تنسفها “حادثة” مهما بلغت حراجتها، فالتنسيق الأمني بين الجانبين عميق جداً، ويكفي للدلالة عليه ما كشفه المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية عن حجم التزام بلاده بالاتفاقات مع إسرائيل وعدم استخدامها منظومات الدفاع الجوي المنتشرة في سوريا، حتى في الحالات التي كانت فيها الغارات الإسرائيلية تُشكّل تهديداً محتملاً لسلامة الجنود الروس، وما قدّمه من جردة هو – حسب تعبير المتحدث – بمثابة “الوثيقة” لتلك العلاقة الحضارية، ولهذا التحالف السياسي والعسكري والأمني الذي يتماهى في نهاية المطاف، مع أبعاد الاستراتيجية الإسرائيلية – الأمريكية.
وبوتين في نظر متابعين للشأن الروسي، يُعتبَر الضامن الأوّل لأمن إسرائيل. المحفظة المالية الروسية هي بيد اليهود، سواء البنك المركزي أو القطاع المصرفي، وهم يسيطرون على المواد الرئيسية من نفط وغاز والماس، ويُمسكون بالاقتصاد مركز ثقل الدولة وسلاحها المؤثر. روسيا، الغارقة في أزمات اقتصادية وتحدّيات أمنية في الداخل ومن حولها في دول الاتحاد السوفييتي السابق، لا تأتمن سوى جانب الحليف الإسرائيلي الموثوق لديها. علاقات بوتين مع تركيا وإيران هي علاقات من نوع آخر لا تصل إلى مستوى التحالفات الاستراتيجية الكبرى التي يطيب لـ “القيصر” أن تصل إلى مرتبة تلامس مستوى العلاقة بين أمريكا وإسرائيل!
ما هو لافت في مجريات الحادثة ذهاب التحقيق في اتجاه التنقيب عما إذا كان الخطأ السوري مقصوداً. ثمة موقوفون سوريون لدى الروس في إطار التحقيق. الشكوك يتم ربطها بـ “فرملة” معركة إدلب التي أفضت إليها القمة الروسية – التركية، والتي كان النظام السوري والإيرانيون يستميتون للقيام بها. بالطبع روسيا كانت متحمسة للمعركة، لكنها في حسابات العلاقة مع تركيا عدّلت من موقفها، وأخذت في الحسبان الموقف الدولي الرافض لما يمكن أن تتركه من نتائج وتداعيات على أوروبا وأمنها، وحتى على الأمن العالمي.
وإذا كان الرهان على أن نشر منظومة أس – 300 سيُعيق حركة إسرائيل في ضرب أهداف لإيران و”حزب الله”، فإن تل أبيب أعلنت أنها ستواصل عملياتها في المنطقة، آخذة في الاعتبار تلك الخطوة الروسية. ولم يأت الإعلان الإسرائيلي بهدف تصعيد الموقف أو الصدام مع موسكو، بقدر ما هدف إلى إرسال رسالة إلى “الأعداء” كي لا يُخطئوا في الحسابات. حتى أن الموقف الروسي حول نشر منظومات “كراسوخا” الروسية للتشويش جرى إيضاحه بأنه يندرج في إطار حماية مناطق تمركز القوات الروسية، سواء أكانت طائرات مسيّرة أم طائرات أم صواريخ موجهة عالية الدقة.
ما جرى في السابع عشر من أيلول/سبتمبر لن يُغير في مجرى اللعبة في سوريا. روسيا يهمها في هذه اللحظة العمل على التوصل إلى تسوية للنزاع السوري، بحيث لا تؤدي إطالة أمد عدم الاستقرار السياسي إلى تعريض قواتها المنتشرة على الأرض للخطر. وهي كذلك ليست في وارد فتح اشتباك مع أمريكا ولا مع قوات التحالف الدولي. فـ “القيصر” يدرك حدود اللعبة والمخاطر والخطوط الحمر، غير أن ثمة مَن يتخوّف من أن تكون ردة الفعل الروسية على حادث سقوط الطائرة عبر قرار نشر منظومة التشويش “دعسة ناقصة”، بحيث تكون موسكو قد وقعت في “الفخ”، إذا اتخذت المواجهة الروسية – الأمريكية أو عملية ليّ الأذرع عنوان الحرب الإلكترونية.
كل من موسكو وتل أبيب يتفهم الحاجة إلى حفظ ماء الوجه. ستمر العلاقة بأقل الخسائر الممكنة حتى ولو شابها بعض “جفاء الضرورة”. لكن لا يغيب عن البال أن روسيا تنظر إلى إسرائيل على أنها الشريك “ذو القيمة الكبرى” ولا سيما حيال العلاقة مع أمريكا.