ما تقوله الفراشة

حجم الخط
0

عبداللطيف الزكريالصوفي الذي تحدث عن الإنسان الكامل، إنما كان يتحدث عني، يتحدث عن روح فارقت ثقل بدن، وحلت في خفة بدن، والصوفي الآخر الذي تحدث عني في طواسينه، إنما رآني أداعب الأبدية، وأنا أحوم حول الضوء، فخاف علي من احتراق، وما درى بأني روح في بدن في اختراق، لا أقوى على المكث في بدن أكثر من ساعات أبدية قليلة، أاتقل فيها بوهج روحي من بدن إلى بدن، وكلي أمل في مصادفة خفة مشعة، لأقوى، حين ينهض مني القربان للانتقال بصرخة أبدية من شعاع إلى شعاع.هكذ تصيرني الحياة ومضا ممتدا في الزمن، أقوى على كل المحن.حياتي كتفاحة ذهبية في يد إله إغريقي يبحث عن فوضى تنسيه ضجر البقاء الكامل، ضجر الحياة الدائمة.وأنا، من أكون، لأقول إني أفجر الضجر في العدم، لأخلق الفوضى الضرورية، فوضى الوجود الأبقى، فوضى الحواس، وفوضى الناس، وكل في فلك يجرون من مجرة إلى أخرى، ومن حياة إلى حياة، والطريف أني أضع روحي، في الربيع خاصة، بيد طفل يلهو ويعبث بي، فيعزقني لأصير رمادا في أصابعه، ومنها أصير شعاعا آخر في يدي شيخ يتأمل القمر باحثا عن شئ ما، شئ نادر يشغله طوال حياته المديدة فلم يجده، وفي برهة مضيئة كأنها الأبدية عينها، يجدني بين يديه بألوان زاهية أتراقص بضوء جناحي، فلا هم لي غير أن أصارحه بهذه الأبدية التي تلتهمني وإياه وتجعلنا هنا نبقى، هنا نفكر، هنا نضجر، هنا نمرح، هنا نفرح، هنا نسابق الرياح اللواقح.حوماني حول الضوء، شاهد على انتقالي من مآل إلى مآل. ومن شهود حال، إلى عيان حال، كأني أصير نفسي بنفسي فيما أرغب فيه، فأنا معجبة بالضوء مغرمة بشعاعه، لاهثة وراء الجراح الوضيئة في نتوء الليل، وفي أنواء النهار، وما من عبث لا أعرفه، ولا من جدوى لاأصادقها وأرافقها إلى حيث نريد الرقاد في المهاد، أو في الوهاد، فسيان سيان إن الحياة عندي مكابدة في مكابدة، ترتاح مع الأمواج وهي ترتخي في الشاطئ الذهبي.الضوء السري يحوم حولي، وأنا أحوم حول الضوء الظاهر، كأني أخدع نفسي لأتلهى، فهذا الوقت الممتد لا ينقضي، ولن ينقضي، وما يبدو لحظة هو في عمقه أبدية، هذا حالي، وعليه يدور مآلي، وأنا أدور هنا وهناك، فكم مرة أتلهى بكروم الدوالي وكم مرة أتلهى بموسيقى اللآلي، وكم مرة أغني طربا عجبا من حالي.وكما لا يتركني الإنسان في شأني وحيدة، لا أدعه لمصيره يناضل ضد الريح، تشقق شفتيه، كأنما لتثلم عمره الجميل، وكيف لي أن أصبر وأنا أرى هذا الإنسان، هذه الروح تكافح لأجل السعادة، والحياة بيننا قسمة عادلة، نثلمها معا بموت، هو كوة صغيرة جدا يدخل منها ضوء الخلود، الضوء الذي نهواه ونعشقه مثلما يتعشق الجميع الرفرفة بأجنحة الحرية.إني أتيقظ من نعاس خفيف، فالمطر ينهمر، وينساب في تلابيب كل ما هو نائم حولي، علينا جميعا أن نصحو مع السماء، فهذه الزرقة الصافية دليلنا في الليلة المدلجة الآتية الآتية بلا ريب، فالحياة هكذا صفاء وإدلاج، صياح وصمت، بر وبحر، بدن وروح، وهكذا..الحياة هكذا.هذا المساء أراني مشعة بذهب الأرض، أرتشف قطرة قطرة من الينبوع الخالد، والدرر اللطيفة التي حمت حولها تتناثربين أيدي الأطفال يفرحون بها، فيشع من فرحهم نور أبدي ساطع سطوع الحقائق في بطون الكتب، وفي سرائر كل الناس.عندما تخطو الشموس في الفضاءات المعتمة، أقبس من نورها، وأهبط إلى المدن السفلى، أنفض من جناحي ما اختمر فيهما من ضوء، فيشع كل ما حولي وتضاء تلك المدن، بعدما كانت مهددة بليل مدلهم طويل، وهكذا أرتاح، هكذا أنداح بين الزهور، أخفض من صوتي ليزداد نوري في أكاليل هذه الزهور، التي ستمنح للعاملين بدأب الكادح، للعاملين من أجل بقاء السعادة في الحياة.وإذا كان الشقاء يناكدنا فنحن نعطف عليه، ونحب أن نراضيه بكدحنا المضئ.إني عندما أشبع من الحياة الملأى بالزهور، أسافر بحثا عن عشبة الخلود التي تنبت في بستان العرفان، أبحث عنها كما يبحث الظمآن عن الماء، ولا أنكر فإني نشقت أريج هذه العشبة غير ما مرة، ولقد تراءى لي أني كلما ازددت ابتهاجا بالحياة ازددت تعلقا بهذه العشبة، ولست أهاب على بستان العرفان فهو محروس في أبوابه السبعة بمتصوفة يجهدون أنفسهم بالمكابدة من أجل الحقيقة الخالدة، حقيقة تلك العشبة التي هبط أنكيدو يبحث عنها متحديا كل المخاطر وكل التهاويل التي لاقته أو وصفت له.هؤلاء المتصوفة حارسو بستان العرفان لا يلهجون إلا بما يذكي الولع بالبحث عن تلك العشبة، ولذلك تراهم ينوعون في أحاديثهم وحديثهم واحد، لاغير.بيد أن هذا الواحد يتعدد ويتكثر حتى ليصعب إحصاؤه.إن هذا التعدد وهذه الكثرة تستجيب لرغبات الناس المتنوعة فهم وإن أحبوا شيئا واحدا، فإنهم يميلون إلى أن يروه في شكول مختلفة.كل واحد يتلذذ بالشكل الذي يهوى، وهكذا الجمال واحد، لكن شكول حسنه متنوعة تنوع العقول والحدوس والحواس.مع إشراقة هذا الصباح، صرت أرفرف معجبة بجمال ألواني وأجنحتي، أتنقل متواضعة من زهرة إلى زهرة، ومن يراني يحسبني أختال، وما أنا كذلك، ولكنها الحياة بجمالها الخلب سلبتني الرغبة في كل شئ، إلا الرغبة في البقاء هكذا أستمتع بمباهج الطبيعة والحياة، المباهج التي لا حصر لعددها ولو كانت محدودة’!إن اللامحدود واللامتناهي هما اللذان يجعلاني أتعلق أكثر بالحياة. لكن في هذا الصباح المشرق ذاته داهمتني دراما مأساوية، سببها لي طفل طائش، اصطادني وفركني بين أصابعه، وكان علي أن أعطيه درسا، فانبثقت من خلل أصابعه روحا أخرى هائمة في الطبيعة، ولقد رأيته يتبعني بعينه، فقد عرف روحي، عرف جوهرها الباقي، رأيت دموع الندم في عينيه، وما كنت لأكترث، فهذه أشياء تقع، وهي كالأشياء الأخرى لا تنتهي أبدا، لا تنتهي إلى حد إلا إذا أردنا أن نضع لها حدا.وروحي الهائمة ما كان لها من حل لتعود إلى طبيعتها إلا أن تهبط بحثا عن عشبة الخلود لنشقها ولارتشاف ماء خلود الحياة من عروشها النابتة في الأرض المرتوية بغمر المياه العذبة.هبطت، ولا أخفي الحقيقة فقد بقيت مدة غير يسيرة أبحث عن مكان تلك العشبة وإذ وجدتها نشقت منها نشوقا منتشيا، فعادت إلي ألواني البهيجة وجناحي المرفرفين، وهكذا عدت كما كنت وإخال نفسي أفضل مما كنت، وهذا درس من دروس الحياة، الدروس الكثيرة التي تعلمنا إياها الطبيعة المزدانة بعروش الصولجان.إذن هذه هي الحياة، أو هكذا أراها، ولربما قال لي الناي قولا آخر غير هذا، لأنه يبث الموسيقى في الوجود بطريقته الخاصة.ما أبهجني في هذا التحول الجديد، الذي سببه لي الطفل الصغير دون أن يدري.إني اكتشفت عظمة الظل مثلما هي عظمة الضوء وأن المباهج تتماهى مع بعضها، وإن كان الضوء هو الأقوى، لأنه ييسر الرؤية، ويجعل الحياة طوع الرغبة، ينالها من يطلبها، ولا شئ يأتينا دونما أن نطلبه، وأن نجهد أنفسنا في طلبه، كما يجهد الراعي نفسه في طلب الحطب من أجل التدفئة في يوم شديد القر.وأي تدفئة للروح أبقى من تدفئة حب الحياة بالمكابدة، بما نحياه بجهدنا، بما نتطلع إليه ونشقى من أجله بعنفواننا. الحياة علمتني أن أكون فراشة مبتهجة، فراشة باحثة عن الحقيقة.حقيقة الحياة وحقيقة الحقيقة؟إن ما ألاقيه من ضنى وضنك أحيانا يزيدني تعلقا بالحياة، أراني أسعد بما أحياه، بما أراه، بما أعرفه، بما أتطلع إليه.بكل هذا تبدو لي الحياة رحيبة أكثر من كل البحار، من كل الأرض، من كل حقول الزهور التي عرفتها وخبرتها، حينما تنقلت في أجوائها من زهرة إلى زهرة.لكن ما أبقاني إلى الآن، هو حبي عشبة الخلود، العشبة الزكية المفعمة بالرحيق كله.إن ما أقوله: إن هناك أشكالا مختلفة للحياة وإنها مختلجة بالنبض بهذه الجذور الحية السعيدة للرحيق في زهور الحقول، قد يكون هذا الرحيق هو الذي جعل نبضي غير مختوم، فطفق مني هذا البوح الذي انتشيت بقوله، وألذني بما أسررته وأعلنته فلم يبق سرا.’آه’!فليكن ما نحبه من الحياة أكثر كمالا…’. إن مقامنا نحن جميع المخلوقات عبارة عن سجن، وواجبنا أن نحرر أنفسنا من هذا السجن أو نهرب منه؟ إن الأذكياء يغيظهم الموت أما الحمقى فيغتبطون له.qad

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية