هيفاء أبو الناديماذا لو عرفتَ فجأة أنك تخطئ في عدّ النّجوم؟ هل ستلومني على بقائي هذه المدة العالية في كبد السماء بلا رَحِم؟ وبريقي الذي انطفأ يجعلني لا أشكّ مطلقاً في أنك ترجئ مواعيدك عمداً، كي لا تلتقيني على أيّ أرضٍ صلبة أو رخوة. فالمواعيد المؤجلة وأنت، صارا رسماً لشاعرٍ لا يملّ من النوم داخل مربّع اللهفة التي لا توقظه إلا بعد حين! عباراتنا استُلّت من رحمي عندما وددتَ أن تمسح غبار الأمكنة التي زرناها معاً عن جبينك، وقد بدأ يشعر بالمرارة، ويلفظها عنوة عنه، ويقذف بها إلى حنايا القلب المعبأ بالمفردات اليقظة. ترديني قتيلة كلما هاتفتُكَ لأحاول أن أعبئ فراغ المسافات بيننا.. بصخبٍ ما لا يكفّ عن العويل إن شئت! ترديني قتيلة وقتئذ، لأنك لا تريد مني أن أقترب أكثر. تمرّن لسانك على تكرار الألفاظ ذاتها، وتنسّق أنفاسك على شكلٍ تتابعيّ حرّ لا يلوي على شيء. تناديني ولا تناديني. رغم أني وأنتَ نسمعكَ تقولها مراراً وتكراراً: ‘أيقظي السّحب، وأعدّي المراكب، فأنا مُعدّ للرّحيل فقط!’. شتان بين أحلامي وأحلامك! رغم أن كلينا يشترك في هيئة أحلامٍ واحدة لا تنتهي داخل أيّ دائرة، وأنت أنت، تنتقي أعتى المفردات كي يدوم صُدودُكَ عني أطول فترة ممكنة، لأبتعد غضباً وكمداً وغيظاً وحسرةً ومثابرة على اللاعودة أيضاً.
صندوقُ بريدك ينتهي مختوماً بالعتمة، ورسائلك المعلقة تأبى الوصول إليّ أو اللحاق بي. أنت ورطتي! أزقّة الصّمت الممتزج بالضجيج! أحرف العمر على أطرافي الرفيعة كأصابع يديّ! كم وددتُ أن تقول لي: ‘أنتِ ورطتي، ورحيقُ زهرةٍ في نقصها تكتمل!’. لكنّك بدلاً من ذلك قلتَ: ‘أصابعك طويلة كما لو كنتِ عازفة بيانو’. وكنتَ تسألني: ‘هل تتقنين العزف؟’ وكنتُ أجيبك بالنفي دوماً، ولم تصدقني في كل مرة، رغم محاولاتي العنيفة لإقناعك أني لم آخذ سوى درس بيانو واحد فقط!
معلمتي مثلك أيضاً، تمتدح شكل يديّ، وتناديني وأنا ‘أتمرجح’ على أصابع البيانو حين أخطئ في العزف: ‘يا رشيقة، ما هكذا يؤتى العزف’! وكنتَ تضحك عليّ كلما عدّلتُ لك المشهد، لأجدك تنداح من فورك على أنغام ‘الوحدة’، لعلّك تصل وحدك إلى الأفق!
قلتُ لك مراراً إنكَ تشبه السماء، وإنك تسكنها، وتعيش فيها، لكنك لم تصدقني، ولم تفهم أني أعرف لغة الغيوم، وأتخاطر بها مع ملائكة بأجنحة تحرس مخدعك وبيت سرّك، ولم تعِ أبداً أني أحرسك برموشي إن استدعت الحاجة إلى ذلك.
لا بأس إن سبقتني إليكَ امرأة أخرى، فالحياة أقصر من رمقي ورمقك مجتمعين معاً. ولا تحزن عليّ عندما ألوّح لك مُودّعة بمنديلٍ صاخبٍ في السواد. عليّ الآن أن أتدرّب على ذلك.. شكل الأنفاس الجديدة ومقياس بُعدها عن بعضها، صوت الارتجافة، مؤشّر الغمازتين على صدغيك، الزّرّ العلويّ لياقة قميصك المُقلّم، ‘الشّامة’ التي وجَدَتْنا يوماً عندما احتفينا بنا معاً، وملمس انحناءة أظافرك عندما تغضب! ورسغك العريض الذي لا يكفّ النبض فيه عن الحياة مثقال ذرة! أما رواية النوم في ذاكرتك فلا تختلف قيد أنملة عنها لديّ، لكنك لا تريد أن تعترف أنك وأنا من عجينٍ طينيّ بشريّ، لا ينامُ سوى ليتخمّر تحت اللحاف، وتُنضِجهُ ‘الشمس الشموسة’ في صبيحة اليوم التالي لفراق الأحبة! لا يكفي أن نتخمّر في الليل كي نُعِدّ أنفسنا لفجيعة الغد؛ فالطين فينا يسقيه الندى!
يااااه! أتكتال مني الماء لترتوي وأنا الظمأ؟
لا بدّ أنّنا نُحسنُ الظنّ في ظنوننا، حتى حسبنا أنها واقع يتكاثف كالبخار! حاوِلْ فقط ألا تنهالَ عطشاً على ذاكرتي الظمأى؛ فالرعب يسكنني، كما قيل عني، ويسيّرني، لا إلى شيء محدد، ولا إلى غيمة في البُعد تحفظ صورتك الشهية عن ظهر قلب! بل إليك وحدك أذهب بكامل حلّة خوفي وظمئي وجرحي ومسامات جسدي المثقلة بك.
لن أكفّ عن تكذيب أنك لم تكن بارعاً في استكمال جملة واحدة! وكنتُ أنا سبّاقة ومُبادرة إلى تعظيم أجر الكلام حين يموت على أطراف لسانك، لأعود فأحييه من جديد بنطقه على مسامعك، وتعيد أنتَ الكلامَ مُسطّراً كما لو كنتَ مُبدعه! تكاد ‘أناكَ’ تخنقك وتفتك بك حين تحسّ بأنك تستسلم لي، لكنكَ لا تريد أن تدرك سوى نصف الحقيقة، وبعض الكذب، ونزراً يسيراً من غضبٍ يسطع على جبينك، وما فوق حاجبيك العريضين مباشرة، ثمّ تطيلُ الوقوف هناك، وتُحمّلني وزر مفرداتك التي ماتت على لسانك من قبل أن تنطقها، وتعذّبني بخيط اللهفة المقطوع بيننا، وترسمني بملامح لا تشبهني، وبما أنك لا تحسن الرّسم، فستُغلّظ حاجبيّ، وسترسم فمي ضاحكاً رغماً عن أنفي! أعلم أنك ستزيل النمش من فوق وجنتيّ، وذاك العِرْقُ الأخضر لن يسكب سوى الماء علينا حين تُغرقني الذكرى بك، لأعود إلى رشدي من جديد، وأنطق بما تيسّر عن البنت التي كانت تُعدّ العُدّة للقائك، تماماً كما لو كانت أول مرة!Hay Leap Day! (1)لا يعنيك أبداً أن أتناسل مني كما لو كنتُ جزءاً لا يتجزّأ من ‘آيس كريم فلوري’ بطعم الشوكولا الجافة. أعرف تماماً كيف تفكّر، وماذا تشتهي، ولأيّ شيءٍ تصبو نفسُك، ولأيّ الكائنات الحيّة تنتمي، ومذاق قهوتك، وتقاليعك المتجددة في الأصباغ التي تلجأ إليها لتتوقف عن التفكير في عمرك الذاوي. تحرص على إخفاء شعرك الأبيض كي لا تنفلت عقدة اللون والعمر ورنين الدهشة من بين يديك، وعندما تشاهدُ رسم وجهك في المرآة، تواظب على سؤالها الرتيب: ‘هل أنا ثابتٌ كما لو كنتُ ساعة حائط لا تنطق عن الهوى؟’ إلا إذا طُلِبَ منها أن تؤخر ساعة أو تقدّم أخرى، كي لا تقرصها عقارب وقت المواعيد المؤجلة. ترجئ السّلام عليّ إلى أن تحين قيامة التاسع والعشرين من شباط، وتتعجّل المُكوث فوق أطنانٍ من الكلام المُعبّأ بالكذب المُبطّن، لا لشيء، ولكن لأنك لا تُجيدُ غيره! صبغة شعرك انتهت مُدّتها، وتجارب الأداء الآنيّة لم تعد آنيّة! ويستمرّ الكومبارس في ترديد أغنياته الماجنة خارج حدود الكادر الذي قمتَ بصيانة أركانه جيداً. أدركُ أنك لا تُحبّذ الكلام المُباشر، رغم أنك تردّده دائماً على مسامعي. أتنتظر مني أن أقولها لك على الملأ أم بيني وبينك: ‘Hay Leap Day!’؟ أقولها على مهل، وأراعي فكرة أني أتلاشى كلما ردّدتُها بيني وبيني، أتراك تُجيد فنّ التوقف عن إيلامي كما تجيدُ فنّ الجلوس والكلام؟ لا أراك سوى مُجلّلاَ بهِمَمِ السابقين واللاحقين والطائرين والزاحفين؛ ممن تلفّهم حكايات مَنْ ألفوا توقاً لمستقبلٍ أجوف، لا يعي شيئاً أكثر من ‘كلاكيت مئة مرة’! غيمة تمرّ على جبينكَ الأعزل، تُريقُ منك سوء العِشرَة، ومحبّةً لم تكن أبداً لتُصاغَ على هيئةِ مُقترفِ كلامٍ أعمى، يجرّ خلفه سلّة من وميضٍ لا يلبث أن يتلاشى سريعاً، ليذوبَ ويُذوّبني معه في حُلّةٍ من طين!
امرأة للثلج أم للطين؟
وأنتَ حين تلمّ في عباءتك البيضاء كلّ من عرفْتَ في حياتك، تنساني. وتنسى معي مُحيط خاصرتي، وتقويسة حاجبيّ، وقُبلةً تلكز استقامة ظهرك حالما تقف، واحمرار قلبي، ووجهي الممهور بألوان قوس قزحٍ تأتيني على غفلة مني ومنك، حتى شُرودي تتجاهله وأنا أشتهي ضمّ خُطوطِ جبينك الثلاثة! فأنت عندما تصاب بداء الدهشة لا تدرك أبداً أن ثلاثة خطوط تشق طريقها عبر جبينك الواسع! أولها يبدأ من أقصى اليمين وأعلاه إلى منتصف الجبين بالضبط، وثانيها يبدأ مسيرته من أقصى اليسار إلى ما بعد المنتصف بقليلٍ فقط، وثالثها وهو الأحبّ إلى قلبي خطّ يشبه رسم القلب حين كنتَ تحبّني، يبدأ وينتهي في المنتصف تماماً! وأنتَ عندما تتنهّد في حُلمك تطفئ نجمة أو اثنتين في أعلى سمائي، وحين تتقلّب على وقع أنفاسك تضيئهما من جديد.
كم وددتُ أن أسير إلى جانبك عندما سقط الثلج في عمّان. وكم تشبهك عمّانُ في بياضها عندما تستريح على جانبك الأيمن. أنتَ لا تعي معنى أن تكون في المنتصف، في قلب القلب، في انعطافةٍ للشارع الرّئيس لا تؤدي إلا إلى حيرةِ عاشقةٍ تحبو على وقع الثلج المُسّاقط! بالطبع لم أصنع رجلَ ثلجٍ هذه المرّة، بل امرأة قلبها من طينٍ حيّ! واسأل أولياء الله الصّالحين إن كان هذا سهل التحقق أم لا، وسترى ببصيرتهم أنه كذلك..! اعتدالٌ خريفيّأتعلم؟ أحلم بشيء ما لم أجرؤ على قوله لك من قبل: أريد أن أشدّني أكثر من اللازم، وأريق سيل الكلام على مسامعك وإن لم تسمع! أريد أن يمسّني بريق عينيك، لأتساوى مع نفسي حين يتساوى الليل مع النهار في اعتدال ذاك اليوم الخريفيّ، حيث الشمس حديدية المنظر تشتهي ابتلاعنا جميعاً دونما ندم أو حرقة! وهي حين تَعْبُرُ خطّ الاستواء السماويّ تُناديني، كي ألمّ خيبتي وألقي بها في حضنها الآسر. كان كلّ هذا عندما التقينا، أوَتَذْكُرُ ذلك؟ قلتَ لي وقتها: ‘ألوانكِ باهية، و’شاكرا التاج'(2) لديكِ قابلة لامتصاصِ كثيرٍ من الضوء’. وفي غفلة منك عني، حيث كنتَ تصُفّ الكلام وتلقيه تباعاً على مسامع أخرى لا تعرف الطريق إلى النّور، اختلسْتُ أنا نظرةً إلى مرآتي الفرعونية الصغيرة التي تُنصتُ إلى حيرتي وتجيب على أسئلتي بصدقٍ مُخيف، وتراشقْتُ عبرها بضع نظراتٍ حَيّة مع ‘نفْسي العُليا’ أو ‘أنا(ي) الحقيقية’، لأجدني أتيقن من بعد ذلك أنك حين تتلصّصُ عليّ من ثقب الباب وأعرف جيداً أنك لا تراني أتأكد أنّ ضوئي الذي سكن أرجاء الغرفة، كان قاتماً بما يكفي ليسدّ عليك كلّ المنافذ!*كاتبة وأكاديمية من الأردن(1) تقليد إيرلندي الأصل تبادر المرأة من خلاله إلى طلب يد من ترغب الزواج به، في يوم واحد فقط كل أربع سنوات؛ هو التاسع والعشرين من شباط/ فبراير من السنة الكبيسة.(2) ‘ الشاكرات’ مراكز القوة أو الطاقة في جسم الإنسان وعددها سبعة، أما ‘شاكرا التاج’ فتقع في أعلى الرأس، وتمثل الحكمة والروحانية والتوحد مع الله/ العالَم/ الطبيعة.