ما حدث من قبل… لن يحدث مرة أخرى

رُعاة السوء أربعة: طاغية متجبّر شديد السوء، ورجل دين متزمّت أسوأ منه، وأسوأ من الاثنين معاً حاكم عميل، وأسوأ من الجميع شعب خانع. هذه الرباعية التاريخية المخيبة للآمال عرفناها جيداً، نحن العرب، ونعيشها، منذ عقود. أقول هذا، الآن، وأنا أردد، كما فعلتُ، قبلاً، عندما اخترت «طريقي»: «هذا لكي تتعلّم ألاّ تخضع لأحد أبداً». كان ذلك منذ عشرات السنين، وها نحن الآن في هاوية جديدة لم تكن تخطر لأحد منا على البال. كنا نعتقد أن هزيمة 67 ستكون الفصل الأخير، فيتردّى العالم الذي كان يسمى عربياً، ونكتشف اليوم أنها لم تكن إلاّ إحدى عتبات الهزائم العربية، التي لا تزال تتلاحق مرعبة، وبأشكال مثيرة للقلق، مُذّاك.
الوجود لا يُعاش بلا اضطرابات ومشاكل وإخفاقات، الوجود ليس حقّاً محكم الإغلاق، ولا هو مبنيّ من فراغ. إنه فضاء حيّ مفتوح على الصراعات الحيوية المليئة بالاحتمالات. وهذه نفسها، مصدر تطوّر العالم وتجديده وتحديثه باستمرار. الإخفاقات في حد ذاتها، أو الهزائم، حتى العظمى منها، ليست مشكلة قاتلة، إذا كانت ستقوّي مناعة المجتمعات وتساهم في تعميق وعيها بضرورة التجاوز والنهوض من جديد. ولدينا في العالم أمثلة عديدة على هذا التحوّل الإيجابي الذي نعرفه كلنا، ولكن ما بال قافلة العالم تسير متقدمة، وكلابنا لا تنبح حتى؟
الضوء الوحيد اليوم في نفق العالم العربي المظلم هو شعاع المقاومة الفلسطينية المتمثّل في تصدّي غزة الأبية للاستعمار الصهيوني الاستيطاني المتوحش. استعمار ما قبل العصور الحديثة، حيث مثاله الحميم هو استعمار أوروبا «لقارة الهنود» وإبادة شعوبها بلا رحمة، حتى إنهم محوا «أسماءها» من التاريخ، وسمّوها عنوة «القارة الأمريكية». لكن غزة الفلسطينية ترفض أن تُمحى. شجاعتها الأسطورية في مقاومة هذا الاستعمار الصهيوني الذي لم يبقَ، اليوم، على سطح الكرة الأرضية غيره، مِثال مجيد للإنسانية المقاومة، حيث يبدو الصمت، أياً كان مصدره، تواطؤاً مكشوفاً. وحتى هذا التوصيف يبدو لنا مضحكاً وأحمق، لأن العنف الاستعماري في غزة فاق كل تصوّر، مهما كانت المبررات. وأتصوّر أنه من المهمّ أن نكف عن استعمال الألقاب المخففة لهذا الاستعمار التي لا تدل إلاّ على تخاذل العرب الفكري، مثل: «الكيان»، «الاحتلال»، «العدو»، «المستوطنين»، وغيرها من المصطلحات التخفيفية، وأن نسمّي الأشياء بأسمائها، ونقول، دائماً، وبصراحة «مجهرية»، «الاستعمار الصهيوني»، لأنه استعمار فاحش مكتمل الأوصاف، حتى لو كَرِه المطبّعون، أو أزعجهم ذلك.
انحياز الغرب الفاضح الذي طالما تشدّق بمفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، لهذا الاستعمار الصهيوني المقيت، الذي فَرضه علينا، وتبنّاه، ورعاه، منذ البدء، يبدو غير قابل للتصديق والاحتمال. وهو، هذا «الغرب» المتحايل، نفسه، الذي «أبدع»، بجشاعته وأنانيته وأكاذيبه الأخلاقية، فنّ استعمار الشعوب، ونَهْب ثروات البلدان البعيدة والقريبة، منذ سقوط الأندلس عام 1492، وإلى يومنا هذا. وما يزيد الأمر سوءاً، هو صمت السلطات العربية التي تفتقر إلى كل شيء من أجل أن تحرِّك شيئاً. والصمت، حتى في حالة العجز هذه، عمالة. صمت السلطات العربية، إذن، هو من هذه العينة. وصمت الشعوب العربية خضوع لعمالة سلطاتها. وصمت المبدعين على اختلاف فئاتهم، وعلى رأسهم حَمَلة «جوائز الدول التخديرية للإبداع» مذلّة. وصمت الأفراد من أمثالي رضوخ وانحطاط وتعتير.
وعلى حد علمي، وهو أقرب ما يكون إلى الجهل، لم يعرف العرب وضعاً أسوأ من هذا الوضع في التاريخ، حتى عندما كانوا منقسمين ومتناحرين، في حقبة ما قبل الإسلام: غساسنة وأتباعهم مع الروم في الغرب، ومناذرة وأتباعهم مع الفرس في الشرق، كانوا أحسن حالاً. وحدث أن جاء الإسلام وأنقذهم من العمالة والتشرذم والتآمر والتحارب، لكن ما حدث من قبل لن يحدث مرة أخرى. أعرف أن هذه الكلمات لن تجدي شيئاً حيال هذا الوضع السيّئ. لأن الكلمات لا تُصلِح الأوضاع، وإنما تفضحها. وعلينا أن نقولها عالياً في كل مرة نستطيع أن نفعل ذلك.
كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية