ما حقل الألغام الذي كشف عنه رد أردوغان على الرئيس الفرنسي؟

حجم الخط
1

عندما يثور الفتيل القصير يمكن للخطباء المفوهين في الكنيست الإسرائيلية أن يتعلموا من أردوغان شيئاً ما حول أسلوب الخطابة، ففي السبت الماضي، وجه الرئيس التركي جام غضبه للرئيس الفرنسي ماكرون. “لماذا يقف ماكرون ضد الإسلام والمسلمين؟ يحتاج إلى معالجة”، قال أردوغان الذي لم يفصل… هل يقصد علاجاً نفسياً أم علاجاً من الجنون.

بدأ الخلاف بين الاثنين يثور في 2 تشرين الأول، عندما شرح ماكرون في خطاب استمر ساعة بأن “الإسلام دين يواجه أزمة في العالم. ولا نثق بالإسلام الذي لا يتساوق مع الاستقرار والسلام العالميين”. تطرق الرئيس الفرنسي للإسلام الراديكالي ولحركات متطرفة مثل السلفيين والجهاديين والوهابيين وأمثالهم. ولكن في الدول الإسلامية، خاصة تركيا، التي تعتبر المزود الرئيس لأئمة الجالية الإسلامية في فرنسا، التي تضم حوالي 5 ملايين شخص، بدا خطابه كلائحة اتهام ضد الإسلام والمسلمين جميعهم.

هذه الجماعات الإسلامية، قال ماكرون، تحاول إقامة “ثقافة مضادة” والعمل بصورة انفصالية، و”مبادئهم لا تتساوق مع مبادئ العلمانية في فرنسا ومع قوانين الدولة”. وبعد أقل من أسبوع على ذلك، عرض معلم في إحدى ضواحي باريس، صموئيل باتي، أمام الطلاب كاريكاتورات للنبي محمد، التي نشرت في صحيفة “شارلي هبدو” في العام 2015 وأثارت عاصفة شديدة. كانت ذروتها التراجيدية في عملية الذبح التي نفذها مخربون مسلمون ضد 12 شخصاً من موظفي الصحيفة.

عرض باتي، الكاريكاتور كجزء من درس حول حرية التعبير، لكن لم يفهم الأمر بهذه الصورة، فقد قتله مسلم متعصب من أصل شيشاني، بقطع رأسه حسب أسلوب “داعش”، بعد أربعة أيام. “لن نتنازل عن هذه الكاريكاتورات”، صرح ماكرون رداً على ذلك، وقال إنه ينوي البدء بإصلاحات تقود إلى “ملاءمة الإسلام مع نمط الحياة في فرنسا”. أما أردوغان، الذي يعتبر نفسه في السنوات الأخيرة ممثلًا للمسلمين والإسلام ويريد إقصاء مكانة السعودية كمسؤولة عن الأماكن الإسلامية المقدسة، فإنه لم يستطع المرور على تصريحات الرئيس الفرنسي مر الكرام.

لقد دعا الرئيس التركي هذا الأسبوع مواطني تركيا إلى مقاطعة المنتوجات الفرنسية بعد بضعة أيام على إعادة ماكرون لسفيره من أنقرة. فرنسا تصدر لتركيا بضائع بمبلغ 6.8 مليار دولار مقابل استيراد من تركيا بمبلغ 7.5 مليار دولار. ومقاطعة فرنسا ستضر بالتصدير التركي أكثر من إضرارها بالتصدير الفرنسي. ولكن عندما يدور الحديث عن الكرامة، تغيب الأموال. يدرك أردوغان تأثير المقاطعة التجارية؛ فتركيا تعاني في هذه الأثناء من خطوة مشابهة من جانب السعودية، التي يقدر ضررها بأكثر من 3 مليارات دولار حتى الآن. ويمكن في الحقيقة عزو الخلاف الأخير بين أردوغان وماكرون إلى الاستعدادات التي يقوم بها الأخير للانتخابات الرئاسية في نيسان 2022. عندها يتوقع أن ينافس ماريه لوبين، وكذلك لحاجته إلى تعظيم صورته في فرنسا. ولكن ثمة بنية سياسية تحتية لا ترتبط باعتبارات سياسية داخلية للعلاقات المريرة بين الرئيسين، فماكرون يقود الخط الأوروبي المتشدد ضد التدخل العسكري لتركيا في ليبيا، لأن تركيا تدعم الحكومة الليبية المعترف بها، مقابل فرنسا التي تشكل ركيزة عسكرية وسياسية للجنرال الانفصالي خليفة حفتر.

فرنسا تدين وتهاجم تركيا أيضاً بسبب غزوها لسوريا وحربها ضد الأكراد، بل وطلبت منها سحب قواتها من أذربيجان والتوقف عن مهاجمة أهداف بأرمينيا في المواجهة الحالية في إقليم ناغورنو قره باغ في القوقاز. وكذلك وقفت إلى جانب ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى إلى جانب اليونان وقبرص في موضوع التنقيب عن الغاز الذي قامت به تركيا في البحر المتوسط، في مناطق تعتبرها أثينا جزءاً من حدودها الإقليمية المائية. تدفع باريس نحو فرض عقوبات على تركيا إذا لم تجلس على طاولة المفاوضات مع اليونان وواصلت ما تعتبره بروكسل استفزازاً متعمداً.

أما أردوغان فيعتبر التنقيب عن الغاز والتدخل العسكري في ليبيا وسوريا وأذربيجان مكونات ضرورية في الاستراتيجية التي تستهدف ترسيخ مكانة تركيا كدولة عظمى عالمية وليس إقليمية فقط. وهو يبني محوراً سياسياً هدفه تقليص مكانة التحالف العربي المؤيد لأمريكا والذي بنته السعودية، ولا يخشى أيضاً من مواجهة مع روسيا في مسألة ناغورنو قره باغ، وحتى مع الولايات المتحدة في مسألة شراء أنظمة الدفاع الجوي الروسية “إس400″، ولكن طموحاته السياسية ليست الوحيدة التي تثير الحرب الثنائية بينه وبين فرنسا بشكل خاص وأوروبا بشكل عام. فبين الرئيس التركي وبين فرنسا وقع خلاف كبير حول الاعتراف بإبادة الشعب الأرمني في 1915، ومحاولة إجازة قانون يعترف بمسؤولية الإمبراطورية العثمانية عن قتل نحو 1.5 مليون أرمني.

هذا القانون في الواقع لم تتم المصادقة عليه لأسباب دستورية. ولكن فرنسا تقوم بإحياء ذكرى المذبحة باحتفال خاص يغضب تركيا. أنقرة أيضاً تذكر أقوال الرئيس الفرنسي السابق، نيكولاي ساركوزي، الذي قال في العام 2007 إنه “لا يوجد أي مكان لتركيا في أوروبا، مكانها في آسيا الصغرى”، واعتبرت تركيا ذلك موقفاً يوضح سبب معارضة فرنسا لضم تركيا للاتحاد الأوروبي. الفجوة الثقافية التي تخيف أوروبا وجدت تعبيرها هذا الأسبوع في تبادل الاتهامات بين المتحدث بلسان مكتب الرئيس التركي فهرتين التون، ونائب رئيسة الممثلية الأوروبية مارغريتس شيناس.

اتهم التون “عدداً من الزعماء الأوروبيين” بالهجوم على “عقيدتنا، عاداتنا، أسلوب عيشنا”. أما شيناس، الذي يحمل الصفة المثيرة للاستغراب وهي “المسؤول عن نمط الحياة الأوروبي في الاتحاد”، فأجاب: “آسف على خيبة أملك، ولكن هذا هو نمط حياتنا، نمط الحياة في أوروبا المصكوك في دستور الاتحاد”. لم يقف التون مكتوف اليدين، وأرفق بتغريدة مقالاً يصف كيف تمنع أوروبا بالقوة وبصورة غير قانونية دخول لاجئين إلى القارة. “أجل، هذا هو نمط حياتكم الآن”، أضاف.

في خلفية هذه الأمور، يثور سؤال إلى أين يمكن لهذا النزاع بين أردوغان وفرنسا والاتحاد الأوروبي أن يتدهور. في كانون الأول المقبل يتوقع أن تناقش بروكسل إمكانية فرض عقوبات على تركيا بسبب التنقيب في البحر المتوسط، لكن ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا ومالطا وهنغاريا تعارض العقوبات خوفاً من أن تغرق تركيا أوروبا بملايين اللاجئين. ألمانيا التي أدانت أردوغان لتصريحاته تجاه ماكرون تحاول تطوير حوار تصالحي مع تركيا، الذي من غير المؤكد أن ينجح. قد تفتح الانتخابات الأمريكية الطريق الذهبية لحل النزاع، شريطة أن ينتخب بايدن رئيساً للولايات المتحدة. ولكن حتى لو كانت هذه هي النتيجة، سيبقى لأردوغان المزيد من الوقت للهجوم حتى حفل أداء اليمين في كانون الثاني. حتى حينها ليس هناك أي ضمانة لرغبة بايدن كرئيس في ليّ ذراع الرئيس التركي. ستضطر أوروبا كما يبدو لمواجهة تركيا بنفسها، بذخيرة متدنية إزاء رافعة ضغط وتهديد تمتلكها أنقرة.

بقلمتسفي برئيل

هآرتس 28/10/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية