رأيت وسمعت في الاسبوع الماضي وزير دفاعنا، عمير بيرتس، يرفع صوته بوعد احتفالي: أنا أنوي أن اؤيد تأييدا تاما رئيس الاركان، وألوية الجيش، والقادة والجنود. أي تأييد ينوي اعطاءه للجنود؟ سألت نفسي. اذا ما حوكم علي سبيل المثال جندي لتنكيله بفلسطيني في الحاجز، فهل سيأتي وزير الدفاع ليشهد معه؟ هل سيلغي المحاكمة؟ كان واضحا لي، وأخمن أنه كان واضحا لكثيرين آخرين، أن هذه اقوال سخيفة، وهراء، وتلون، وعدم مسؤولية، من غير قصد الي الوقوف من وراء هذا الكلام. انه تلميح الي الاعلام، كأنما أو كمجرد كذب فظ. بعبرانية شعبية يسمون هذه الظاهرة بلوف اسرائيلي. انها تضرب جميع طبقات مجتمعنا، وأصبحت علامة تعريف له تقريبا. هاكم عددا ضئيلا من الامثلة، التقطه من الاسبوع الماضي.
لنبدأ مع رئيس حكومتنا. سمعته يقول ما يلي علي التقريب: لن يعود حزب الله أبدا الي جنوب لبنان! (أبدا؟) وستبقي هضبة الجولان الي الأبد في أيدينا (أالي الأبد؟)؛ وسأحرر الأسري الفلسطينيين لأبو مازن لا لحماس ـ بلوف اسرائيلي!. لننتقل الي وزرائنا. لا توجد نشرة أخبار تقريبا، لا تسمع فيها أن وزيرا ما بادر (الي خطة ما)، أو أمر أو وجه (الي التنفيذ، أو الي الفحص، أو الي الدفع). علي نحو عام يصعب أن نعرف هل الحديث عن مجرد كذب من اجل الاعلام، أو عن شيء يوجد فيه من الحقيقة. واذا كان حقيقيا، فما الذي نُفذ بالفعل؟ في أكثر الحالات، كما يبدو، ما حدث للقيادات في الفرقة 91 علي حدود لبنان. لا شيء! لم ينفذ شيء. بلوف اسرائيلي.
لننتقل الي الجيش الاسرائيلي والي الاعلام. ما الذي لم يقولوه عن العميد غال هيرش؟ قالوا انه أحبط اربع محاولات تغلغل لحزب الله، وفشل في الخامسة فقط. ماذا نفعل والواقع هو ما يلي: لقد حذر الاستخبارات ثلاث مرات من نوايا اختطاف، وألغي حزب الله ذلك. المرة الوحيدة التي نفذت فيها محاولة الاختطاف كانت في قرية الغجر، وقد تم التحذير من ذلك. لم ينجح حزب الله في الاختطاف، لكنه سيطر علي موقع عسكري للجيش الاسرائيلي ودمره. قالوا إن هيرش غير نظام العالم (اجل، كان ذلك في معاريف!)؛ قالوا انه تولي قيادة تسعة ألوية، لا أقل ولا أكثر. يمكن أنه في لحظة ما قد كانت في منطقة الفرقة تسعة ألوية. ربما. لكنه لم يفعل شيئا لقادة الألوية في جماعة التخطيط، وجماعة الأوامر العسكرية، وهل قادهم نحو الليطاني؟ بلوف اسرائيلي.
لننتقل الي الاكاديميا. نشر خمسة اساتذة من اساتذة الجامعات قبل مدة قصيرة اعلانا كبيرا يندد بمراقب الدولة. بين الموقعين ايضا رئيس المعهد الاسرائيلي للديمقراطية، البروفيسور اريك كرمون. وها قد اتضح في الاسبوع الماضي أن اريك كرمون في واقع الأمر لا يستحق أن يُفخم نفسه بدرجة بروفيسور. لقد حصل في حينه علي درجة بروفيسور مصاحب، في الجامعة العبرية في القدس، وهي درجة مؤقتة فقط لفترة عمله في الجامعة. لكنه بعد سنة ونصف سنة ترك الجامعة، لكنه تابع عرض نفسه كبروفيسور رغم أنه لم يكن مستحقا ذلك، ورغم أنه لم يجتز المسار الاكاديمي الذي يخوله درجة بروفيسور. بلوف اسرائيلي.
ولنقفز الي المحكمة العليا. قبل نحو سنتين ترأست القاضية بينيش لجنة أوصت بالتمكين، في ظروف معينة، من التقاط صور من محاكمات في المحكمة العليا. وها هي ذي بعد أن عُينت لرئاسة المحكمة العليا، ترفض في واقع الأمر تحقيق توصيتها. سمعتها تزعم أنها قدمت التوصية لحينها بغير حماسة، ومن عمل وزير العدل في الأصل أن يعالج تحقيق التوصية، وليس ذلك من عملها. فكرت للحظة أن اللجنة التي ترأستها أوصت بشيء ما يتعلق بالزراعة لا بالمحكمة العليا. بلوف اسرائيلي.
في الأزمان العادية، الوردية، عندما يكون كل شيء حسنا، قد يكون في الامكان العيش في عالم بلوف اسرائيلي. ليست الحال كذلك في اوقات الأزمات. آنذاك ينكشف البلوف الاسرائيلي في عورته. هذا ما حدث لنا في حرب لبنان الأخيرة. اتجاهات محيطنا الاستراتيجي لا تبشرنا بمستقبل وردي بل العكس. حيثما وجهنا أنظارنا، تقوم بازاء نواظرنا الأزمات الكامنة، العنيفة أو السياسية: سواء أكان ذلك بتغير اتجاه ممكن للسياسة الامريكية في المنطقة، يكون سلبيا من ناحيتنا؛ أو من حرب أهلية جديدة في لبنان، بمبادرة سورية وحزب الله؛ أو من في هضبة الجولان؛ أو من ألف امكانية وامكانية لسيناريوهات سيئة في الساحة الفلسطينية، وغير ذلك. ولما كانت قيادة أمننا الوطني تواصل خداعها الاسرائيلي، وتواصل قيادتنا ايضا، فان الاخفاقات في الازمات القادمة مضمونة تقريبا.
عاموس غلبوع(معاريف) ـ 20/11/2006