ما دمر في العراق لن تستعيده خطة تعالج الأعراض لا الأسباب
د. بشير موسي نافعما دمر في العراق لن تستعيده خطة تعالج الأعراض لا الأسباب الخطة الأمريكية الجديدة، التي أعلنت صباح الخميس الماضي، لن تعيد للعراق عافيته؛ فالعطب الذي أوقع بالعراق وطناً ودولة وشعباً أفدح مما يمكن ان تعالجه تصورات قصيرة النظر. المشكلة في كل التصورات الأمريكية للوضع في العراق، سواء في أوساط الإدارة أو أوساط معرضيها، أنها لا تتعامل مع حقائق الواقع ولا مع الأخطاء الجوهرية التي أقيم عليها عراق ما بعد الغزو والاحتلال. كما أشرت في مقالات سابقة في هذا الموقع، فقد ذهب الرئيس بوش في مراجعته للسياسة الأمريكية في العراق إلي خيار القيامة الآن . اللجوء من جديد إلي الخيار العسكري والتصعيدي لتحقيق نصر ما في العراق هو جزء من تصعيد أمريكي واسع النطاق، يمتد من أفغانستان ويمر بإيران وسورية ليصل إلي الصومال. بعد سنوات أربع من الموت والدمار والفوضي، تدفع المنطقة نحو المزيد من الموت والدمار والفوضي.في خطابه للأمريكيين والعالم، لم يأخذ الرئيس بأهم توصيات تقرير بيكر ـ هاملتون، أو نصائح رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، أحد أهم حلفائه في العالم، والدول العربية الصديقة للولايات المتحدة. وفيما يتعلق بالأخيرة، علي وجه الخصوص، فقد تجاهلت الخطة الجديدة ما كانت تسعي إليه عواصم عربية مثل القاهرة والرياض وعمان، مؤيدة من بيكر ـ هاملتون ومن بلير وأغلب الأوروبيين، من الربط بين مجمل قضايا المنطقة، لاسيما المسألة الفلسطينية وتدهور الأوضاع في العراق ولبنان. ولكن خطاب الرئيس بوش تجنب هذا الربط، وقد اقتصر الاهتمام الأمريكي بالقضية الفلسطينية علي تشجيع الرئيس عباس، بكافة الوسائل الممكنة، علي إطاحة حكومة حماس، حتي لو استدعي الأمر اشعال حرب أهلية فلسطينية. وزيرة الخارجية الأمريكية، كوندوليزا رايس، تصل إلي المنطقة، ولكن الوضع الفلسطيني لا يشكل إلا بنداً بين عدة بنود علي جدول زيارة الوزيرة. وليس ثمة وعود صلبة لعباس أو الدول العربية الرئيسية فيما يتعلق بالوضع الفلسطيني.هذا لا يعني ان المراجعة الأمريكية الاستراتيجية جاءت خلواً من الالتقاء بهموم الحلفاء العرب. وربما كان القلق من النفوذ الإيراني المتزايد في العراق هو الأبرز الذي يجمع حكومات عربية مثل مصر والسعودية ودول الخليج (إضافة إلي تركيا، بالطبع) بالمراجعة الأمريكية الجديدة. خلال السنوات القليلة التي مرت علي احتلال العراق، أبعدت الدول العربية كلية عن الساحة العراقية، ومنعت الدول الصديقة لواشنطن علي وجه الخصوص من التدخل في الشأن العراقي الداخلي، لا سلباً ولا إيجاباً. التفرد الأمريكي في العراق لم يمنع قوي أخري من التدخل، سواء بتخطيط مسبق أو بالتداعي التلقائي للأوضاع. وليس هناك من شك في ان إيران كانت أكثر دول الجوار العراقي استفادة من انهيار النظام السابق، تقويض الدولة العراقية، وابتعاد القوي العربية. بعض من هذا النفوذ كان وليد الرابطة الطائفية بين إيران والقوي السياسية العراقية الحليفة لإدارة الاحتلال؛ بعضه الآخر كان نتيجة الفراغ الذي وجد في العراق المحتل؛ وبعضه الآخر جاء حصيلة نشاط إيراني سياسي واقتصادي وأمني في العراق المحتل. هذا النفوذ وصل إلي مستوي بات يثير قلقاً عربياً بالغاً، من ناحية، وخطراً علي الوضع الأمريكي في العراق، من ناحية أخري. ولكن منطقة الالتقاء العربي ـ الأمريكي لا تقتصر علي النفوذ الإيراني المتسع في العراق، بل تطال أيضاً القلق من تصاعد نفوذ الاتجاهات الإسلامية السنية الراديكالية في أوساط المقاومة العراقية، بحيث يمكن القول ان عدداً من العواصم العربية لا يقل رغبة في سحق قوي المقاومة عن الإدارة الأمريكية.ومن هنا يأتي التحول الذي تظهره الخطة الأمريكية الجديدة. فبعد ارتباك ظاهر في الموقف الأمريكي من البعد الإيراني للمسألة العراقية، يبدو ان واشنطن تتحرك نحو التعامل مع هذا البعد. بعض المؤشرات علي هذا التحول بدأت فعلاً في الظهور، من اعتقال الضباط الإيرانيين في بغداد، إلي اقتحام القنصلية الإيرانية في أربيل واعتقال عدد من دبلوماسييها ومصادرة موجوداتها. البعض الآخر يتعلق بالجهد الذي بذلته واشنطن (وتستمر في بذله) للفصل بين جماعة الحكيم من ناحية وطهران وتيار الصدر من ناحية أخري، علي ان يصب هذا التحرك في اتجاه بناء تحالف شيعي ـ كردي ـ سني جديد، وتغيير حكومة المالكي. ولكن بناء مثل هذا التحالف تبدو متعثرة، نظراً لتخوف جماعة الحكيم من عزلة شيعية، ولم يعد بالتالي من الممكن تقويض حكومة المالكي. السيناريو البديل كان الضغط علي المالكي للتحرك ضد الميليشيات الشيعية التي تنشر الموت وتمارس التطهير العراقي في بغداد، بمساندة عسكرية أمريكية، علي ان تتكفل القوات الأمريكية بشن هجمة ساحقة علي مناطق نفوذ المقاومة. ويأتي قرار الزيادة في تعداد قوات الاحتلال لتحقيق هذين الهدفين.بيد ان الملف النووي الإيراني، وليس الوضع العراقي، هو ما يقود السياسة الأمريكية تجاه طهران. ولعل قرار الرئيس الأمريكي نشر صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ في الشرق الأوسط، لحماية دول حليفة وليس أهدافا أمريكية وحسب، وهو القرار الذي لم يثر اهتماماً كبيراً في ملاحظات المعلقين علي خطة الرئيس الجديدة، يشير بوضوح إلي ان الإدارة الأمريكية ما تزال ماضية في مشروع توجيه ضربة للمشروع النووي الإيراني. ما يبدو ان ما سمي باستراتيجية جديدة في العراق يستبطن مراعاة أمريكية لهموم الأصدقاء العرب في العراق مقابل تعهد عربي بمساندة سياسة التصعيد الأمريكية المتوقعة تجاه الملف النووي الإيراني. التصور الأمريكي لمراجعة الوضع العراقي هو تصور أمني؛ بمعني ان هذا التصور بني علي فرضية ان فقدان الأمن هو السبب الرئيسي لتدهور أوضاع العراق وللإخفاق الأمريكي في العراق. ما تسعي إليه الخطة الأمريكية الجديدة هو كسر التحديات الأمنية الممثلة بالميليشيات الشيعية، بالنفوذ الإيراني، وبالمقاومة، أو احتواء هذه التحديات والعودة بالعراق إلي مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، والعمل من جديد علي صعيد البناء السياسي والاقتصادي. يمثل هذا التصور تعاملاً مع أعراض المسألة العراقية وليس مع أسبابها الجوهرية. ثمة قضايا أساسية لابد من التعامل معها وإعادة وضعها في موضعها الصحيح. والمقصود هنا ليس الاحتلال فقط، الذي هو سبب الأسباب جميعها، والذي لابد ان يتضح أفق نهايته في شكل لا لبس فيه؛ ولكن أيضاً ما ولده من متغيرات كبري تمس ببنية العراق كوطن وشعب.المسألة الأولي هي نظام المحاصصة الطائفية والإثنية؛ إذ بدون ان يعاد النظر في الدستور العراقي كلياً، بحيث يلغي نظام المحاصصة، فإن العراق لن يخرج من أزمته الطاحنة. فقد وضع نظام الاحتلال ونصوصه الدستورية تعريفاً جديداً للعراقيين، يصنفهم ليس كمواطنين ولكن كعرب وأكراد، وكسنة وشيعة ومسيحيين؛ كما وضع أسس هيمنة فئة أو أكثر علي الفئات الأخري. هذا الوضع هو الذي أسس لتشظي الجماعة العراقية الوطنية ومركزها السياسي، وهو الذي يغذي العنف الأهلي المتفاقم في البلاد. وربما يجدر النظر إلي الحالة اللبنانية لرؤية المخاطر التي يزج نظام المحاصصة العراق إليها. فبالرغم من ادعاءات السياسيين اللبنانيين المتكررة حول فرادة لبنان ونظامه الديمقراطي، وهي الادعاءات التي تنم عن فقدان الذاكرة، إن لم يكن ما هو أسوأ، فإن الحقيقة ان نظام المحاصصة قد لعب دوراً رئيسياً في تفجير وتسويغ حربين لبنانيتين أهليتين خلال نصف قرن، ويكاد يودي بلبنان إلي الثالثة. فيما عدا الرئيس فؤاد شهاب، ليس هناك رئيس لبناني واحد منذ الاستقلال ترك موقعه في ظل ظروف عادية؛ وقد أصبح لبنان أسيراً لمناخ سياسي إقطاعي، يتوارث فيه الابناء زعامة الآباء وامتيازاتهم، باسم مصالح الطائفة وحماية هذه المصالح. ولبنان هو أصغر من العراق بكثير، أقل منه تعقيداً، وأقل أهمية علي المستويين العربي والإسلامي. إن استمر نظام المحاصصة في العراق، فسيستحيل بناء الوطن العراقي من جديد، وستستحيل إعادة بناء الجماعة الوطنية العراقية، وستظل المجموعات العراقية الطائفية والعرقية تبحث عن سند أقليمي أو دولي، مما سيبقي العراق نهباً لهذه القوي وتدافعاتها.المسألة الثانية هي مشروع الفيدرالية، الذي يكاد يكون أحد أهم الأسباب التي أدت إلي تفجير العنف والتطهير الطائفيين خلال العام المنصرم. الذين دعوا إلي الفيدرالية وعملوا علي إدراجها كنص دستوري أساسي أرادوا في الحقيقة وضع بذرة تقسيم البلاد، متذرعين بحق الشيعة في إقامة كيانهم الخاص كما أقر للأكراد بمثل هذا الحق. المشكل بالطبع ليس فقط في ان الكيان الشيعي يفتقد الأسس الجغرافية والتاريخية التي تستدعيها الدعاوي الكردية القومية، ولكن أيضاً ان المشكلة الكردية في العراق المعاصر هي مشكلة مبالغ فيها إلي حد كبير. فالأكراد في نهاية الأمر سيجدون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الحفاظ علي وحدة العراق، وإما التفاوض مع بغداد علي الاستقلال وحدوده. في الحالة الثانية، سيكون علي الكيان الكردي مواجهة جواره الإيراني ـ التركي، وليس العراق العربي، وحل إشكالية جغرافيته المغلقة. أما الوضع الحالي، أي المشاركة في السيطرة علي العراق والاستقلال بدون تحمل عواقبه، فهو مجرد وضع عابر يستمد مبرراته من ضعف بغداد ومن نظام الاحتلال. الكيان الشيعي هو مسألة مختلفة تماماً؛ فعلي طريق هذا الكيان لابد ان تطهر مناطق العراق المختلفة من كركوك وتلعفر إلي الكوت والحلة والبصرة، مروراً ببغداد، من ملايين العراقيين الشيعة والسنة في مناطق التقسيم المفترضة. لابد ان تنشق عشائر وأسر مختلطة، ان تفك أنساب، وأن تعاد صياغة تاريخ العراق كله، الذي لم يعرف مثل هذه الخارطة الطائفية. وفي النهاية، تفصل الأحقاد والدماء وذكريات المعاناة والاضطهاد الملايين من شيعة العراق، أبناء بعض من أعرق العشائر العربية، عن محيطهم العربي والإسلامي السني.جاء الأمريكيون إلي العراق، غزاة محاربين، بمبررات لا أصل لها. وبعد اربع سنوات من الاحتلال، جعلوا من العراق جحيماً من الدماء والتناحر الداخلي والتهجير القسري، بحيث لم تعرف المنطقة منذ النكبة الفلسطينية حركة تهجير واقتلاع مثل تلك التي يشهدها العراق اليوم. ولكن الميراث الأخطر للاحتلال كان وضع قواعد جديدة للاجتماع السياسي العراق، قواعد أعطيت صبغة شرعية دستورية. وإن كان بعض من الدول العربية قد اختار فعلاً الانضواء في ما بات يعرف بـ معسكر الاعتدال ، الذي هو في الحقيقة معسكر الدول المتحالفة، كلياً أو جزئياً، مع الولايات المتحدة وتصورها الجديد لخارطة المنطقة وأوضاعها، فإن من الضروري رؤية المتغيرات البنيوية التي فرضت علي العراق الجديد وتشكل الخطر الأكبر علي مستقبل العراق والمنطقة ككل. الترقيعات التي تطالب واشنطن حكومة المالكي بها، من قبيل تعزيز دور السنة في الدولة والجيش وإلغاء لجنة تطهير البعث ومراجعة قراراتها السابقة، وتؤيدها الدول العربية، هي مجرد إجراءات جزئية لن تصل إلي جذر المشكلة. بالنظر إلي سجل الاحتلال في العراق، فإن المقاربة الأمنية للعراق مفتوحة علي كل الاحتمالات، والاحتمال المرجح علي أية حال هو فشلها في جلب الأمن للعراق والعراقيين. ولكن حتي إن حققت هذه المقاربة بعض الأمن، فلن تحمل حلاً للمسألة العراقية. الحل هو التعامل مع أصل الأمور وجذرها، التعامل مع البنية المولدة للانقسام والتناحر وفقدان معني الوطن والمواطنة. كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث9