ما زال في صدري بقايا أخويه

حجم الخط
0

من بداية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) وحيثما وليت وجهي في مانشستر رأيت الناس يلبسون ورودا حمراء ولسذاجتي ظننت ان السنة لشدة ما هي كبيسة بئيسة تكرر فيها عيد الحب مرتين لعل الورود الحمراء تشعل ما انطفأ من وقود الانسانية ولكني لكثرة الأعياد في هذه البلاد ما علمت منها وما لم أعلم لم ألق بالا لهذه الورود التي تزين باصرار وتكرار ملابس البريطانيين حتي طالعني ذلك الشعار الذي أيقظ غفلتي Lest We Forget (حتي لا ننسي). أذكر أني سمعت مثل هذا في مراحل كثيرة من حياتي، في المصائب والخسائر والمجازر وتاريخ التباكي العربي وكأنه تعلق بآخر خيوط الذاكرة أو نفي لشبهة التوطين والخذلان التي استوطنت قلوبنا وعزائمنا وان ظلت ألسنة بعضنا ترفض النطق بكفر الاستسلام والنسيان بواحا.

ماذا في تاريخ البريطانيين ويخافون عليه من النسيان وهم أهل الحضارة المغرقة في المادية والفردية والآنية، كل فرد منهم بذاته يقول ها أنذا وليس كان أبي، ولكنهم بالرغم من ذلك يخافون أن ينسوا تضحيات وضحايا الحروب العالمية الذين دفعوا حياتهم حتي تنعم هذه الأجيال بالحرية والقوة والديمقراطية.

بينما البريطانيون يلبسون الورود علي ضحاياهم وجنودهم القدامي حرت ماذا يجب أن نلبس علي ضحايا بيت حانون! هل ينفع أن ندفن رؤوسنا في الورد؟ هل ستغطي الورود عري النفس والعزيمة وسوءات التخاذل؟ ماذا نلبس علي أبناء العثامنة السبعة؟ هل يواسي أمهم الثكلي التي أصبحت بلا ولد أن نلبس عليهم السواد أبدا ما حيينا؟ أم نزين كالبريطانيين صدورنا بالحنون أحمر قانيا علي نساء بيت حانون اللواتي ما شفع لهن الجناح المهيض ولا القلب الكسير ولا الامعاء الخاوية لدي عدو بغيض أو قريب حبيب؟

ضحايا قلائل بالمقارنة مع الفلسطينيين تصر بريطانيا علي تذكرهم والمطالبة بحقوقهم أحياء وميتين، هولوكوست يهودي واحد ما زال العالم وسيبقي يعتذر ويعوض عليه الي أبد الآبدين، فما بال من يجب عليهم أن يتذكروا ويذكروا ويستذكروا تمر عليهم المذبحة تلو المذبحة والهزيمة تسلم لأخواتها والمصائب تأتي مجتمعة دون أن تطرف عيونهم وكأن العرب مصابون بالزهايمر جماعي لا يتوبون ولا هم يذكرون.

قال المثل القديم الكبار يموتون والصغار ينسون ولكن الحقيقة أفظع من حكمة الأمثال فمات الكبار وقتل الصغار ونسي وتناسي من بقوا بالأثر. أين ذهبت دير ياسين، ماذا نتذكر عن قانا الأولي أو الثانية، أن مشاعر الكراهية والفجيعة والاصرار التي كانت تتملكنا بعد كل ملحمة تحصد أرواحنا؟ ذهب التاريخ بأهله وبقينا فوق التراب تراب مثله.

حزنت علي المرأة التي استنجدت بالعرب فهي ما زالت تعيش في غياهب ذاكرة عفي عليها الزمن.

حتي لا ننسي ولكننا نسينا وننسي وسننسي يا بيت حانون ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين اذا أصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحـــــمة وأولئك هم المهتدون.

ديمة طارق طهبوبزوجة الشهيد باذن الله ـ طارق أيوب 6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية