رغم مرور ما يقرب من أسبوعين على واقعة اصطدام ليونيل ميسي ومدير برشلونة الرياضي إريك أبيدال وإصرار الإعلام الكاتالوني على أن الرئيس جوزيف ماريا بارتوميو قد أنهى الخلاف بين الأسطورة ومديره، إلا أن كثير من الصحف والمؤسسات الإعلامية التي تحظى بمصداقية لا بأس بها في بريطانيا وفرنسا، تراهن على أن الواقعة لن تمر مرور الكرام، على اعتبار أنها قد تكون سببا في انفصال البرغوث عن “كامب نو” في المستقبل غير البعيد.
ماذا حدث؟
بدون سابق إنذار، قرر أبيدال تغيير أسلوبه ونبرته في الحديث، وكأنه مدير شركة ويقوم باستخدام صلاحياته في تهديد الموظفين، وليس إداريا في أشهر نادي في العالم جنبا إلى جنب مع ريال مدريد، ومن المفترض أنه يتمتع بالكياسة واللباقة والحكمة وغيرها من المميزات التي تجعله يدرس كل كلمة قبل الإدلاء بها أمام الكاميرات، لكن في حقيقة الأمر، ما فعله في اللقاء الشؤم مع صحيفة “سبورت” كان صادما للمشجعين قبل اللاعبين، بردود غير موفقة على أسئلة فريق الصحافيين، وطريقة في الكلام، فاحت منها رائحة الغطرسة وعدم الذكاء، بإعادة فتح ملف المدرب السابق ارنستو فالفيردي، ولم يكتف بذلك، بل ورط اللاعبين في قرار إقالته، بحجة أنه كان على علم بعدم ارتياح عدد كبير من اللاعبين بالعمل مع المدرب الباسكي، والأسوأ من ذلك، أنه حمل اللاعبين وحدهم مسئولية تراجع النتائج، دون أن يُشرك الإدارة ولا الطاقم الفني في جزء من المسئولية، ليفحمه الهداف التاريخي للنادي برسالة فيها الكثير من التهديد والوعيد، إذا خيل له عقله أن يتحدث مع الإعلام في الأمور الفنية، مع إلزامه بالاكتفاء بعمله بقطع تذاكر الطيران والجلوس على طاولة المفاوضات لتلبية احتياجات المدرب كيكي سيتين، في تلك اللحظة التي نشر فيها ميسي بيانه الناري على “انستغرام”، ضجت مواقع التواصل ووسائل الإعلام الرياضية، ما بين شامتين ينتظرون المزيد من الفتنة وإشعال النيران داخل “كامب نو”، وآخرون يتحسرون على التخبط والانشقاق وحالة عدم الاستقرار التي وصل إليها النادي في عهد بارتوميو، فيما أخذت “سبورت” و “موندو ديبورتيفو” وغيرها من المنابر الإعلامية على عاتقها مهمة إخماد الحريق، بحملة إعلامية ضخمة، بهدف تهدئة المشجعين على وضع الفريق، وذلك بالتركيز على العمل البطولي الذي قام به الرئيس، بقطع زيارته في بروكسيل، حيث كان يحضر منتدى برشلونة في العاصمة البلجيكية، ليقرب وجهات النظر بين ليو وأبيدال، وهناك إجماع بينهم أن بارتوميو حل الخلاف بينهما وأصبح من الماضي.
روايات مختلفة
على النقيض مما نتابعه في الصحف الكاتالونية بشأن هذه الأزمة في الأيام العشرة الأخيرة، فالتقارير في إنكلترا وفرنسا استغلت ما حدث على أكمل وجه، بسيل من التقارير والشائعات التي تشكك في مستقبل ميسي مع برشلونة، بتسليط الضوء من جديد على البند الخاص في عقده مع إدارة البرسا، الذي يعطيه الحق في تقرير مصيره بعد احتفاله بعيد ميلاده الـ32، حتى هناك صحف مثل “ديلي ميل”، لم تهضم القصص الكاتالونية، وترى أن إبقاء الإدارة على أبيدال قد يقود النادي إلى الجحيم، من باب أن ميسي غاضب بشدة من هذا القرار، ومع بقاء الوضع كما هو عليه حتى نهاية الموسم، قد يُعيد التفكير في تفعيل بند خروجه من “كامب نو” بدون مقابل في صيف 2020، حيث سيكون قد اقترب من عامه الـ33، وقيل إن مانشستر سيتي، هو النادي الأكثر استعدادا لتحمل راتبه الضخم 80 لـ 85 مليون يورو، أي أكثر من ضعف راتبه الحالي، لكن سريعا ما نفى بيب غوارديولا صحة هذه الشائعات، باستبعاد حدوث سيناريو لم شمله بليو في ملعب “الاتحاد”، بل الأغرب من ذلك، تمنى أن ينهي مسيرته في برشلونة، لكن هذا لم يوقف “تسونامي” الشائعات ولا التصريحات “التجارية” سواء لأساطير اللعبة أو كبار المسؤولين السابقين في معقل البلو غرانا، مثل برايدا ومسيري، كلهما تمنى بقائه، لكن دون استبعاد سيناريو خروجه، بإفشاء بعض الأسرار التي بصمت على صحة ما يتردد عن غضب واستياء النجم الأرجنتيني من طريقة إدارة النادي وتعامل مجلس بارتوميو مع ملف الصفقات الجديدة وغياب رؤيتهم لمشروع النادي في العقد الجديد أو على الأقل في الخطة الخمسية الجديدة، تارة باستهداف أسماء كبيرة في مراكز لا يحتاجها الفريق، وتارة أخرى بالتحول نحو الصفقات المستقبلية، دون النظر إلى ما يحتاجه الفريق على أرض الملعب، الأمر الذي قد يدفعه لاتخاذ القرار الأسوأ بالنسبة للبرسا وجماهيره، بالهروب من السفينة إذا أعيد انتخاب بارتوميو من جديد، أو الأمل الوحيد أن يأتي رئيس جديد بمشروع وأفكار من شأنها أن تعيد مبادئ وهوية برشلونة كما كان السنوات الخمس أو الست الأخيرة، التي وصل فيها لقمة التخبط الإداري، خصوصا على صعيد الانتدابات، بشراء 21 لاعبا في الفترة بين 2015 و2019، ولم يتبق منهم سوى ستة لاعبين، صامويل أومتيتي، عثمان ديمبيلي، نيلسون سميدو، أرتور، كليمون لونجليه، وأرتورو فيدال، والكارثة الكبرى، أن أغلى صفقة في تاريخ النادي، والإشارة إلى فيليب كوتينيو، لم يقض سوى 18 شهرا، مثل مواطنه مالكوم، الذي جلس على مقاعد البدلاء لعام موسم، قبل بيعه لزينت سان بطرسبرغ الروسي.
جرس إنذار
صحيح المدرب السابق ارنستو فالفيردي، كان يتحمل جزء كبيرا من النسق البطيء غير المستحب بالنسبة للجماهير، وأيضا الإدارة ارتكبت هفوات بالجملة، بعدم تدعيم الفريق في المراكز المستحقة، كما تم تأجيل ملف بديل لويس سواريز إلى أن تعرض لإصابة قضت على موسمه، لكن بنظرة واقعية وعملية، سنجد أن الهبوط الطفيف في سحر ميسي، بالكاد السبب الرئيسي وراء تراجع النتائج، لو نتذكر الوضع حتى نهاية الموسم الماضي، كان الطبيعي والعادة بالنسبة له، أن يسجل أو يصنع مرة أو مرتين في كل مباراة، فقط المشكلة الوحيدة كانت تكمن في لعنة “90 دقيقة كل عام”، على غرار ما حدث في مباراة الموسم قبل الماضي أمام روما ومباراة الموسم الماضي أمام ليفربول، لكن الجديد هذا الموسم، أن الـ90 دقيقة الملعونة تكررت أكثر من مرة هذا الموسم، آخرهم ليلة الخروج من ربع نهائي كأس الملك على يد أتلتيك بلباو، وقبلها في مباراة الهزيمة أمام فالنسيا 2-0، وهي التي استغلها ريال مدريد ليقفز على صدارة الليغا بفارق ثلاث نقاط قبل مواجهات الجولة الـ24، وهذا التراجع كان متوقعا مع تقدمه في السن وارتفاع معدل الإصابات، يكفي أن الأشهر السبعة الماضية، شهدت تعرضه لأكبر عدد انتكاسات في موسم واحد طوال مسيرته مع الفريق، ومن سوء الطالع، يحدث هذا السيناريو في الوقت الذي لم يستعد فيه النادي بشكل جيد لمواجهة الأزمات بدون نجمه الأول في آخر 15 عاما، رغم أن بارتوميو كثيرا ما يتحدث عن خطة الإدارة لفترة ما بعد ميسي، وكأنها ما زالت بعيدة المنال، ولم تعد أقرب مما يتخيل هو ومعاونيه، إن لم يكن بالرحيل والبحث عن تحد جديد، سيكون باستمرار منحنى انخفاض معدله البدني وزيادة احتمالية غيابه في المرحلة القادمة أكثر مما كان في السنوات الماضية، وما يثير ريبة المشجع البرشلوني العادي، أن وضع ليو والفريق مع المدرب الجديد كيكي سيتين، لم يختلف كثيرا عن المدرب السابق، بالكاد كأن شيء لم يكن، نفس الهفوات الدفاعية الساذجة، نفس الاستحواذ السلبي، وكل شيء يتوقف على قدم ميسي وقراراته في الثلث الأخير من الملعب، عندما لا يكون موفقا أو في غير يومه، لا تسير الأمور على ما يرام، حتى النهج “الكرويفي”، بإعادة أسلوب “التيكي تاكا” بالجمل القصيرة من قدم إلى قدم بشكل عمودي من الخلف إلى الأمام مع تحركات بدون كرة تنتهي بسلاسة أمام الشباك، لم تراه الجماهير على أرض الملعب، رغم أن سيتين جاء خصيصا ليعيد إحياء الفكر الذي وضعه مؤسس نهضة النادي يوهان كرويف، وهذا خير دليل على أن المشكلة لا تكمن في المدرب أو اللاعبين، بل في التخطيط غير السليم، الذي ظل يرتكز على سحر لاعب في الهجوم وحارس يمنع كوارث عن المدافعين. والحل؟ بسيط للغاية، أولا توجيه المال في المكان الصحيح، وليس إهداره في الهواء، بدخول السوق بهدف الشراء للشراء فقط، بل لاختيار أهم أهدافه، هذا بجانب التخلص من الحرس القديم، الذي يمثل عبء داخل المستطيل الأخضر وعلى الخزينة برواتب ضخمة، مقابل ذلك، الإسراع في الاعتماد على الجيل الصاعد، بمنح أنسو فاتي ومن على شاكلته فرصته بشكل حقيقي كما يفعل زين الدين زيدان في معسكر العدو المدريدي منذ بداية الموسم، وعندما تظهر مؤشرات التخطيط السليم، لن يجد المدرب أدنى مشكلة في اللعب بأفضل طريقة مناسبة للاعبين، وليس شرطا أن تأتي الانتصارات بأسلوب “التيكي تاكا”، ولنا في لويس إنريكي دليل، بنجاحه في الفوز بالثلاثية “دوري الأبطال، الليغا وكأس الملك” عام 2015، بأسلوبه الواقعي، الذي يعتمد على دفاع المنطقة وضرب المنافس بالهجوم المضاد، أو يستمر التخبط الإداري وتكون العواقب وخيمة في النهاية.
الرابح الأكبر والوجهة الحلم
يبقى الرابح الأكبر من الاضطرابات التي لا تهدأ في المعسكر الكاتالوني، هو الفرنسي زين الدين زيدان وناديه الملكي والجماهير، دعك من أنهم سيتخلصون من أسوأ كابوس مر عليهم في كل العصور، فهم وغيرهم من خصوم برشلونة ينتظرون على أحر من الجمر، الصورة التي سيبدو عليها الفريق في مرحلة ما بعد هدافه التاريخي، لاعتقاد فئة كبيرة أن البرسا سيتحول لفريق عادي في المراحل الأولى بعد اعتزال أو رحيل ليو، أو على أقل تقدير، سيمر بنفس الظروف المأساوية التي مر بها المرينغي في موسمه الأول بدون كريستيانو رونالدو، وهذا في حد ذاته، سيساعد الفريق العاصمي على العودة للفوز بالبطولات المحلية كما كان قبل ظهور ميسي على الساحة، لك أن تتخيل عزيزي القارئ أنه خاض مع البرسا 15 موسما، خرج منهم بـ10 ألقاب ليغا، مقابل 4 لريال مدريد ولقب وحيد لأتلتيكو مدريد، وهذا يعكس مدى تأثيره على سيطرة فريقه على البطولات في إسبانيا طيلة السنوات الماضية، حتى بعد اعتزال كل الجيل الذهبي، بما فيهم تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، ولهذا يراقب عشاق الريال الأزمة، على أمل أن تكون نهايتها سعيدة بالنسبة لهم في نهاية الموسم، بجانب التأثير على ذهنه فيما تبقى من الموسم، ليبقى الميرينغي في الصدارة حتى إطلاق صافرة النهاية، ومن حسن الحظ، أن هذا الانشقاق يأتي في الوقت الذي بدأت تظهر فيه ملامح مشروع زيزو الجديد، بنجاحه في إعادة الكثير من شخصية وهيبة الريال، بفرض منظومة جماعية قوية لا تتوقف على غياب أي لاعب مهما كان اسمه أو تأثيره داخل الملعب، أما الوجهة المحتملة –حال صدقت التقارير التي تشكك في مستقبله-، فلن تخرج عن واحد من الثنائي مانشستر سيتي أو باريس سان جيرمان، وبدرجة أقل يوفنتوس أو إنتر، إن أراد الاستمرار في أعلى مستوى تنافسي في كرة القدم، وبعيدا عن تصريحات بيب، فخيار السيتي لا يبدو مستبعدا، لقدرة خزينته على تحمل الراتب، وأيضا لوجود غوارديولا نفسه، لكن مع اقترابه من منتصف الثلاثينات، ستكون الأمور صعبة عليه في دوري بدني مثل البريميرليغ، أما الخيار الأكثر رفاهية، فهو الذهاب إلى الفريق الباريسي، وهناك سيجمع شمله بزميل الأمس نيمار جونيور من جديد، وسيلعب بجانب نجم العقد القادم كيليان مبابي، كما ذكر برنامج “الشيرنغيتو” الأسبوع، بالانفراد بمعلومة تُفيد بتحرك ناصر الخليفي لجس نبض البرغوث في فكرة ارتداء قميص “إلبي إس جي”، إذا شعر أن دوره في “كامب نو” قد انتهى، وإن صحت هذه المعلومة وتمت الصفقة، ستقلب موازين السوق في المرحلة القادمة وستهدم خطط أندية أخرى، مثل الريال، الذي ينتظر مبابي اليوم قبل غدا، ربما يراجع حساباته أو على الأقل يؤجل فكرة الذهاب إلى “سانتياغو بيرنابيو”، إذا أتيحت له فرصة العمر باللعب جنبا إلى جنب مع أفضل لاعب في العالم ست مرات من قبل، ونفس الأمر ينطبق على برشلونة، هو الآخر لن يفكر مرة أخرى في إعادة نيمار، ما يعني أن الخليفي سيوجه ضربة مزدوجة لعملاقي الليغا من جهة، ومن جهة أخرى سيعزز مشروعه بقطعة نادرة لا تقدر بثمن، على أمل أن تنتهي العقدة ويفوز بكأس دوري أبطال أوروبا، وهنا سيكون رجل الأعمال القطري هو الرابح الأكبر من الاضطرابات الحالية في البرسا وليس زيدان. ولأن كل شيء وارد حدوثه في كرة القدم، فقد نستيقظ يوما ما على خبر جمع ليو ورونالدو في فريق واحد، إذا كانت ميزانية يوفنتوس تتحمل ذلك، أو يذهب إلى إنتر ليجدد الصراع مع كريستيانو في مواسمهم الأخيرة، والسؤال الآن .. هل ستمر الأزمة مرور الكرام وتنجح الإدارة في إقناعه بمشروعها القادم؟ أم سيكون الهدوء الحالي هو هدوء ما قبل العاصفة في الصيف؟ دعونا ننتظر لنرى ما سيحدث.