نصر شمالي
تقلّد الصهيوني الأمريكي ريتشارد بيرل منصب رئيس مجلس سياسة الدفاع في الحكومة الأمريكية عشيّة احتلال العراق، أمّا قبل ذلك، بين العامين 1996-1999، فقد كان مستشاراً انتخابياّ ًلبنيامين نتانياهو الذي أصبح حينئذ رئيساً للوزراء في الكيان الإسرائيلي. وجدير بالذكر أنّ نتانياهو كان عضواً في فريق يهودي أسهمت في تدريبه وإعداده للعمل في منطقتنا تلك الذئبة الصهيونية مادلين اولبرايت، التي شغلت منصب ممثلة الولايات المتحدة في هيئة الأمم، ثم منصب وزيرة الخارجية في عهد الرئيس بيل كلنتون.
تتوارد إلى الذهن مثل هذه الصور الفظيعة وغيرها كثير بمناسبة اللقاء الذي حدث قبل أيام بين الرئيس الأمريكي أوباما وقادة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وهو لقاء تقليدي صارخ في دلالاته العنصرية يتكرّر كلّ عام مرّة على الأقلّ. أما عن الاستشارات التي أشرنا إليها، التي قدمها بيرل لنتانياهو في النصف الثاني من التسعينيات الماضية، فقد كان أبرزها ذلك التقرير الذي حمل عنوان ‘استراتيجية لضمان أمن المنطقة’ والمقصود ‘ضمان انصياع المنطقة العربية لليهود الصهاينة لصالح الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد احتلال العراق. لم تكن مهمّة بيرل صعبة، فالهيكلية السياسية الإسرائيلية (بل الاجتماعية أيضاً) هي صورة مصغّرة ومقدّرة عن الهيكلية السياسية في الولايات المتحدة الامريكية، هذا إن لم نقل أنّها صنيعتها بالمعنى العملي للكلمة، كما رأينا في مثال إعداد نتانياهو على أيدي أولبرايت. ولا يخطرنّ ببال أحد أن يهود أميركا هم من يؤثّرون ويتآمرون لتحقيق ذلك، فالولايات المتحدة هي ‘اسرائيل الكبرى’ حقاً وفعلاً، تقودها صهيونية غير يهودية، لكنها أشدّ تعصباً وعتواً في التطبيق العملي. إنّ اليهود الأمريكيين القادة ليسوا إلا أعضاء في القيادة الامريكية الصهيونية (غير اليهودية). وهكذا، مثلما القيادات الأمريكية متنوعة ومتباينة في الوسائل، بينما هي متفقة في الاستراتيجية، فإنّ حال القيادات الإسرائيلية هو كذلك أيضاً، حيث لكلّ تيار إسرائيلي، متميز باجتهاده، عمقه ومرجعه في الولايات المتحدة، من دون أن تختلف هذه التيارات في الاستراتيجية. بناء على ذلك، فإننا عندما نتحدث عن تقرير ريتشارد بيرل الذي أعدّه كاستشارة انتخابية لنتانياهو، يتوجب علينا أن نعتبر ما ورد في التقرير لا يخرج أبداً عن نطاق الاستراتيجية الأميركية وإن هو تميز بلونه وأسلوبه. إنّ الأهداف التي عرضها التقرير لا تتناقض أبداً استراتيجياً (مثلاً: بصدد تنصّل الإسرائيليين من اتفاقات اوسلو بعد احتلال العراق) مع الأهداف التي أبرمت اتفاقات أوسلو من أجلها. فاتفاقات أوسلو أبرمت عندما كان إبرامها يخدم هذه الأهداف الاستراتيجية، ثمّ تعرضت للإلغاء عندما صار إلغاؤها يخدم الأهداف ذاتها. إنّ التركيز على قضية ‘السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين’ يكون ضرورياً لخدمة استراتيجيتهم التلمودية العدوانية في لحظة ما، وإنّ التوقف عن هذا التركيز يحقق الغرض نفسه في لحظة ما أخرى.
كان ريتشارد بيرل أحد النشطاء البارزين في ميدان وضع خطط الهجوم الأمريكي ضدّ العراق، وهو قام بالتقديم لكتاب أعده الأميركي الصهيوني الآخر ديفيد وورمز، عنوانه: ‘حليف الطغيان: فشل أمريكا في إطاحة صدام’ لقد صدر هذا الكتاب عام 1999، ومؤلفه وورمز شغل عشية احتلال العراق منصب وكيل وزارة الخارجية في حكومة بوش، فماذا تضمن الكتاب؟ لقد تحدّث عن ضرورة تغيير ‘الشرق الاوسط’ بأساليب دراماتيكية، وقال أنّ مثل هذا التغيير لن يبدأ قبل الإطاحة بنظام صدام (أي قبل احتلال العراق وتدميره) قال وورمز أنّ الإطاحة بنظام صدام ستكون رسالة لجميع الأنظمة العربية، وإنّ هذه الأنظمة سوف تتوقف بعدئذ عن دعم ‘الإرهابيين’، يقصد المقاومة الفلسطينية والعربية. غير أنّ الإضافة الملفتـــــة التي حققها ديفيد وورمز في كتابه هي الجمع بين العروبة والإسلام، أو بين القومية والإسلام، باعتبارهما عدواً واحداً للصهاينة، فقد كتب يقول: ‘إنّ العدو الأكبر (للأمريكان والإسرائيليين) هوعقيدة القومية العربية بصورها المختلفة، بما في ذلك عقيدة التضامن الإسلامي’ لقد وضع وورمز عقيدة التضامن الإسلامي في نطاق عقيدة القومية العربية، ولا شك أنه محق فيما ذهب إليه، بغض النظر عن صياغاته للمسألة وعن نواياه، حيث الإسلام هو حقاً الثقافة القومية التاريخية للعرب، الذين لن تقوم لهم قائمة إذا ما تخلوا عنها، سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين، علمانيين أم متدينين، ماركسيين أم قوميين.
لقد عرض ديفيد وورمز القومية العربية في كتابه باعتبارها غير شرعية أي باعتبارها خارج الشرعية الدولية وخارجة عليها إنها أمور لا تصدّق، لكنها حدثت وتحدث فعلاً. وسرعان ما تحوّل الهذيان إلى سياسات معلنة، وإلى إجراءات عسكرية بالغة الضخامة، وإلى حرب ظالمة شنّت ضدّ العراق، كخطوة أولى على طريق إحداث ‘تغيير دراماتيكي في الشرق الاوسط’، أي تجريد أمتنا من القومية العربية والإسلام أي أنّ ذكر العروبة والإسلام، مجرّد ذكرهما، سوف يصبح محظوراً تحت طائلة العقوبات بعد نجاحهم في الاستيلاء على العراق هل تحقّق لهم هذا؟ هل يمكن أن يتحقق؟ مستحيل.’ كاتب سوري