ما قبل الخيار الشمشوني !

حجم الخط
0

جواد البشيتي

الخطاب السياسي، ومهما كانت طبيعة المصالح التي تحكمه وتتحكم فيه، يظل في حاجة إلي أن يتوفَّر منتجوه وصانعوه علي رفع منسوب المنطق فيه، وتسليحه بحجج مُقْنِعَة لكل مَنْ لهم مصلحة في إقناعه، فالقيادات السياسية تَلْفُظ المنطق ويَلْفُظها قبل أن يَلْفظها الواقع، أي أنها تسقط فكريا قبل أن تسقط واقعيا. الرئيس جورج بوش أراد، بعد، وبسبب، تقرير “لجنة بيكر ـ هاملتون” أن يُظْهِر إرادة شخصية ـ سياسية تفوق في قوتها الإرادة السياسية التي ينبغي لفريقه الحاكم أن يُظْهِرها قبل فوات الأوان، أي الآن، في مواجهة “الكارثة العراقية”، التي هي في المقام الأول كارثة الولايات المتحدة في العراق وفي “الشرق الأوسط الكبير”، فالواقع يتحدَّاه، ويتحدَّي فريقه الحاكم، علي أن يُظْهرا من الإرادة السياسية، ومن قوتها، ما يسمح بإنجاز حلول واقعية، ودرء تلك الكارثة. وليس من سبيل إلي ذلك سوي قفزة واحدة كبري، فالهوَّة العراقية السحيقة لا يمكن اجتيازها إلا بقفزة كتلك، أي بحلٍّ أوسع من أن يضيق به ذلك التقرير، الذي إنْ لم تتخطاه إدارة الرئيس بوش بما يجعل لها سياسة متصالحة مع الواقع العراقي أولا، فسوف ينتهي إلي جعل “الخيار الشمشوني”، خيار “عليَّ وعلي أعدائي، خيار تلك الإدارة لـ “الخلاص”! هل يأخذ الرئيس بوش بـ “التوصيات”، في وحدتها وترابطها وتكاملها؟ كلا، لن يأخذ؛ لأنَّه ما زال مؤمِنا، في واقع يدعوه إلي الكفر، بأنَّ “النجاح” و”النصر” في العراق ممكنين واقعيا. “التقرير” لم يَدْعُ إلي “الانسحاب العسكري الفوري” للولايات المتحدة من العراق حتي لا تعمه الحرب أو الحروب الأهلية، فتسلَّح الرئيس بوش بهذه “التوصية” ليتحدَّث عن مساوئ وأضرار انسحاب كهذا، وعن انتفاء الحاجة إليه؛ لأنَّ “تحقيق النصر ما زال ممكنا”، فهل يُنهي الحرب، ويسحب جيشه من العراق، ما دام تحقيق النصر ممكنا؟!

وهل يسحبه فورا بعدما قال وأكد أنَّ قرارا أو عملا كهذا سيؤدي حتما إلي “مزيد من العنف المذهبي (أي الحرب بين الشيعة والسنة من عرب العراق) الذي يمكن أن يقوِّض الاستقرار الإقليمي، والاقتصاد العالمي”؟!

إنَّها حجَّة جديدة أخذ بها، أيضا، الجنرال نيل دايل إذ قال إنَّ الاقتتال الطائفي (أو المذهبي) في العراق أخطر من الإرهاب، فالمنطقة برمتها لن تنجو من الكوارث التي ستترتب عليه. ما معني هذا؟!

هل معناه أنَّ في هذا الاقتتال، وفي مزيد منه، مصلحة لذوي المصلحة في مقاومة كل دعوة إلي الانسحاب العسكري الفوري أو السريع للولايات المتحدة من العراق؟ أخشي أن تحتاج الإجابة الصحيحة عن هذا السؤال إلي “سوء الظن”! هل تعتزم إدارة الرئيس بوش السعي لإنجاز حلٍّ يُعْتدُّ به للنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين قبل ومن أجل إنجاز حلٍّ يُعْتدُّ به، أيضا، للأزمة العراقية، أو لأزمتها في العراق؟ كلا، لا تعتزم، فوزيرة الخارجية رايس غير مقتنعة بما جاء في “التقرير” لجهة علاقة ذلك النزاع بهذه الأزمة. ما معني هذا؟ معناه أنَّ إدارة الرئيس بوش لن تأتي بما يقيم الدليل علي أنَّ إطفاء النار العراقية، أو إطفاء شيء منها، يحتاج إلي شيء من “الماء الفلسطينية”. هل تعتزم حوارا أو تفاوضا مع طهران ودمشق؟ كلا، لا تعتزم، فرايس ردَّت بما يشبه الرد الإيراني. لقد قالت طهران إنَّ الولايات المتحدة لا تحتاج إلي أن تفاوض إيران في أمر انسحابها العسكري من العراق إذا ما كانت تريد حقا الانسحاب. رايس ردَّت قائلة: إذا ما كان لطهران ودمشق مصلحة حقيقية في جعل العراق آمنا مستقرا فليس من حاجة إلي الحوار والتفاوض معهما، فهُما، وعملاً بمصلحتهما الافتراضية تلك، ستسعيان في جعل العراق كذلك. إدارة الرئيس بوش ستظل تحاول نصرا تعتقد أنه ما زال ممكنا؛ ولكن كيف؟ بالتعاون مع العراقيين الذين يدعونها إلي الإبقاء علي الوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق.. بالتعاون مع مَنْ يمثِّلهم الطالباني وعبد العزيز الحكيم، فـ “النصر” إنَّما هو نصر تحرزه الولايات المتحدة بالتعاون مع هؤلاء علي قيادات السنة من عرب العراق ممَّن يرفضون بالسلاح وبالسياسة بقاء وجودها العسكري في العراق. هؤلاء الذين يمثِّلهم الطالباني وعبد العزيز الحكيم، والذين يرفضون “حل بيكر ـ هاملتون”؛ لأنَّ فيه ما يؤدي إلي تحويل العراق إلي “مستعمَرة” للولايات المتحدة، قالوا لإدارة الرئيس بوش: ابقوا، علي أن يبقي “المارينز” إلي جانبنا في الحرب علي تلك القيادات من العرب السنة.. ابقوا كذلك إذا ما أردتم الحيلولة بيننا وبين الانتقال من التحالف العسكري معكم إلي التحالف العسكري مع إيران.

إدارة الرئيس بوش، التي تضيق المسافة بينها وبين “الخيار الشمشوني”، تميل إلي الأخذ بوجهة نظرهم أكثر مما تميل إلي الأخذ بـ “التوصيات”، متوهمةً أنَّ تعاونها مع هؤلاء، والمقترِن بتغيير طبيعة المهمة العسكرية لـ “المارينز”، سيمكِّنها من إضعاف النفوذ الإيراني المتزايد في العراق، وفي جنوبه علي وجه الخصوص. إنها “استراتيجية البقاء” التي لن تبقي إدارة الرئيس بوش إلا علي مقربة من الأخذ بـ “الخيار الشمشوني”، فالعراق، الذي من مصايده سيَخْرُج “المارينز” عما قريب، ليقفوا إلي جانب أولئك العراقيين الذين يدعونهم إلي البقاء، متَّجِهٌ إلي مزيد من ذلك الاقتتال الطائفي والمذهبي الذي بات أخطر من الإرهاب علي المنطقة والاقتصاد العالمي، ويُبرِّر، بالتالي، رفض كل دعوة إلي الانسحاب العسكري للولايات المتحدة منه! ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية