ما قبل مؤسسة الكلام
زياد خداشما قبل مؤسسة الكلامالي اين تأخذنا هذه اللوحات؟ ان لم يكن الي طفولة نظراتنا الاولي للاشياء، تلك النظرات النهمة والماكرة والسعيدة، وبكارة احساسنا بالمتعة والغضب والاغتراب، ليس من السهولة ابدا استنطاق لوحة تحتشد فيها اطياف حياة سابقة وضباب مستقبل لا ينقشع بالصلوات او التوهم، بل بالتبعثر والضياع والجنون، الاشياء البسيطة الملقاة بهدوء وصمت علي قارعة مدينة مشغولة وبعيدة، هل هذا كل ما هناك؟ بالتأكيد لا فثمة حيوات هنا تشبه خدعة وصمود وحكمة يشبهان الهرب الي الغرف الداخلية فينا، وتسامح غامض يتداخل بقوة مع بطولات مهزومة، وتيه مقصود وذكي يقترب كثيرا من حدود وطن يعاني الموت فيه من ملل فظيع. ما سر الوجوه المنزوية والحزينة، والقاسية وغير المكتملة؟ ما سر الصمت الذي يرين علي هذه اللوحات؟ كأني به صمت العواصف المطرية حين تستريح قليلا من ضجة الهبوب او السقوط، او كأنه اجازة اللغة من مؤسسة الكلام حنينا الي ما قبلها من صفاء وبدائية وعفة ونقاء. لماذا يخيل لنا ان وجوه هذه اللوحات ستنسخ نفسها الان وستتحرك من مكانها لنفاجأ بها معنا تقف وتتأمل نفسها وتشهق: الهي أهذا نحن؟ تتراجع القضايا الكبري هنا، تتراجع فاسحة الطريق للانسان بذاكرته غير المؤسسة علي ردات فعل بل علي الفعل نفسه، اول الافعال كان هو الانسان كما هي هذه اللوحات تماما كانت هي اول الافعال، كأني براسميها قد اكتشفوها فقط ولم يرسموها، الانسان هنا موجود في أبسط تفاصيله واقربها الي طزاجة اول المطر، وأول اكتشافات الانسان لضرورة السقف اتقاء للبلل، من الذي يستطيع ان يقاوم صوت الالوان وهي تطلب من المتفرجين ان يتبادلوا المواقع معها؟ من يستطيع ان يهرب من حقيقة اننا نحن اللوحات واللوحات المعلقة هي التي تتأملنا الان، تسخر منا او تحبنا او تندهش من فراغنا وخامتنا وجمالنا؟ هل يجب ان اسأل هذا السؤال؟ ماذا يعني ان يرسم الفلسطينيون؟ ها أنذا اعود الي المرجعية المقدسة الكبري، فلسطين، التي لا نهرب منها بقدر ما اننا نحبها بطرق اخري، هابطا الي وادي السهولة والأمان المطيع، عدو السماء والدروب المضببة والظلال، لكن انتظروا قليلا فلن أستسلم لبهجة حضور الرسالة في لوحاتنا ونصوصنا، سأقول فقط ان الفلسطيني حين يرسم فهو يشبه امرأة مظلومة تستمتع في ممارسة حزنها وعزلتها. الحزن والعزلة هما ثيمتان شبه دائمتين في التشكيل الفلسطيني وفي هذا المعرض بالذات، لن نفسر ذلك ولن نتعب انفسنا بالتحليل، لكنني سأسمح لنفسي واقول ان هذا الحزن هو الرد الجميل علي الشعور الطاغي بالاقصاء عن مشهد الحياة الطبيعية وان هذه العزلة هي هروب الي العربة الاخيرة في قطار حياتنا السريع والمعقد حيث الحقائب والامتعة الشخصية ودفء العالم الشخصي، في عالم تكاد قطاراته تطير الي السماء بعيدا عن رائحة التراب والشجر، في عالم هذه اللوحات تتقطر فينا قيم التسامح والبراءة كأشف ما يكون التقطير، بلورة الانسان مجلوة بأنوثة، الانوثة تتحرك بخيلاء في معظم اللوحات، اين الاعداء؟ اين من نكرههم؟ لا وجود هنا الا لنور غريب يفضح العتمة بالتحديق فيها دون ان يشتمها او يعاركها، هل هناك أرقي من هكذا معارك؟ هل بامكاننا ان نقول ان هذا المعرض انثي تزهو بمذكراتها او فساتينها او رجالها او ابنائها؟ الرائع في هذا المعرض اننا ليس فقط نستطيع ان نقوله بل ان نغنيه ونرقصه ونسافر فيه ونكتبه ونحلم به ونضيع فيه، وننمو فوقه. ونطير به وفيه . هؤلاء هم الفلسطينيون وهذا هو حبهم.ملاحظة: هذا النص كتب تعليقا علي معرض تسامح الذي اقيم في مركز خليل السكاكيني برام الله يوم الخميس الماضي تحت رعاية مركز رام الله لحقوق الانسان واشترك فيه عدد من فناني فلسطين علي مختلف تياراتهم واعمارهم.كاتب من فلسطين0