الدكتاتور إنسان عادي من دم ولحم اجتمعت لديه أسباب ليتحكم في بعض من السلطة أو في السلطة كلها، حصل عليه فجأة على إثر انقلاب أو ثورة شعبية، أو ورث إمارة أو ملكا بعد أن يكون تربى في أحضان الدكتاورية أو حكم عادل، كما قد تأتي به صناديق الاقتراع والديمقراطية كما جاءت بأدولف هتلر مستشارا على رأس الرايخ الألماني بين 1933 و1945.يحصل على السلطة ويجمع كل مظاهرها بين يديه، ‘يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا إرادتهم’ كما يرى الكواكبي، ويجعل نفسه فوق أي قانون أو قاعدة كيفما كان نوعها، ويتغول في استعمال هذه السلطة، ويجعل نفسه فوق الجميع لا رأي إلا رأيه، لا يقبل نقدا ولا معارضة ولا مشورة مخالفة، فيتحول عبر مسلسل قد يطول أو يقصر إلى شخصية استثنائية لها طريقتها الخاصة في التفكير ومنهجها في التدبير، ورؤيتها للأشياء والخلق، ومنطقها في سياسة البلاد والعباد، كل ذلك ينصهر قي بوثقة تشكل حالة إنسانية معقدة يستعصي على علماء النفس السلوكي دراستها وتحليل تصرفاتها، ويعجز علماء السياسة عن التنبؤ باتجاهات قراراتها ومآلات حركاتها.لكن هذه الشخصية المستبدة لا تصنع من فراغ أو تنطلق من العدم، فهي صنيعة ظروف ومحيط ساعد في صقلها وتعهدها بالرعاية إلى أن يشتد عودها، وهذا المحيط لا يعدو أن يكون مجموعة دوائر قد تبتعد أو تقترب من الدكتاتور، وكل منها يساهم بنسبة معينة في صناعة الدكتاتور، فالدائرة الضيقة من المستشارين والمعاونين يكون لها الحظ الأوفر في تشكيل شخص الدكتاتور وتنميط سلوكه، وهي التي تلمس استبداده عن قرب لا ترد له أمرا وتزين له أعماله، تنحني له عند وقت الانحناء وتنبطح عند وقت الانبطاح، تضخم له من حسناته ولا ترى في أعماله إلا الخير والصلاح الذي يعم العالمين، فلا رأي لهذه البطانه إلا بقدرما يوطد دعائم حكمه المطلق، يدخل أفرادها في منافسة شرسة للظفر برضا الحاكم فتحاك الدسائس وتقطع بعض الرؤوس التي طالما ركعت وسجدت، وتقطع الألسن التي طالما سبحت بحمد الحاكم وهللت لصلاحه ورأيه الثاقب، وكلما ازداد قطف الرؤوس وبتر الألسن أوغل الحاكم في دكتاتوريته وبسط نفوذه المطلق.لكن هذه الدائرة لوحدها لا يمكن أن تضمن للحاكم مد دكتاتوريته إلى عامة الشعب لأنها محدودة العدد من ناحية، ومن ناحية أخرى لبعدها من طبقات وقاع المجتمع، لذلك يستنجد الحاكم بدوائر أخرى تتشكل من نخب المجتمع الدينية والعلمية والاقتصادية. وقد تضطلع دائرة الصف الثاني المكونة من رجال الدين والعلماء، بمهمة تقريب الدكتاتور من الشعب من خلال تصويره مبعوثا للعناية الإلهية، أوكله الله أمر الأمة التي لا تنعم بالرفاه والسؤدد إلا على يديه، فهو ظل الله في الأرض، لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، وجب له الدعاء، بمناسبة أو بغير مناسبة، بالتمكين وطول العمر والنصرة على أعدائه الذين هم بالضرورة أعداء للدين، لا يخالفه إلا حقود، ولا يكفر بنعمه إلا كافر أو جاحد يريد زرع الفتنة وإفساد أحوال الناس فيجب في حقه العقاب جلدا أو قتلا أو نفيا. أما جهابذة الفكر والثقافة فهم، طمعا في حظوة أو جاه، يقصرون خدماتهم في تمجيد الحاكم وأعماله ويجهدون في ذكر مناقبه التي لا تعد ولا تحصى.يسمع الشعب والأمة علماء الأمة ونخب المجتمع السياسية والثقافية تنطق كلاما كله حمد وشكر على أن جاد الزمان بهذا الحاكم الصالح، فماعساه يا ترى أن يفعل، وهو الذي أذله الجوع والجهل والظلم، إلا أن يهتف بحياة الحاكم ويدعو له بطول العمر، دون أن يتبرم من بؤس أو كدح، متمسكا بالصبر راضيا بقدره، فتلك مشيئة الله ومشيئة الحاكم.يسمع الحاكم المدح والدعاء والتبجيل، فماعساه أن يفعل، غير أن يمعن في استبداده، ويتيقن أن الأمة والبلاد تدوران وجودا وعدما معه، فالدولة هي شخصه وشخصه هو الدولة كما جاء على لسان ديكتاتور فرنسا لويس الرابع عشر ‘lEtat cest moi ‘ وبالنتيجة فالدفاع عن الكرسي هو صون للدولة وضمان لاستمراريتها .فمن يا ترى يصنع الدكتاتور؟ أحمد بودراع المغرب [email protected]