ما كل انسان قادر ان يعترف انه اثنان: حاضر وغائب مؤنث ومذكر شاعر وناقد أرضي وسماوي وانا من الذين يتعرفون علي ذاتهم اكثر من خلال الآخر
في حوار مفتوح مع الشاعر العربي الكبير محمود درويش 2 ما كل انسان قادر ان يعترف انه اثنان: حاضر وغائب مؤنث ومذكر شاعر وناقد أرضي وسماوي وانا من الذين يتعرفون علي ذاتهم اكثر من خلال الآخرأجري الحوار في الرباط: حسن نجمي في المغرب، في الرباط تحديدا، التقيت مرة أخري الشاعر العربي الكبير محمود درويش لإجراء حوار حول شعره، ومختبر كتابته، وانشغالاته المعرفية والجمالية، وبعض من همومه. وكان محمود قد زارنا لإحياء أمسية شعرية ضمن البرنامج الشعري الموازي للمعرض الدولي للكتاب والنشر الذي نظمته وزارة الثقافة بالدار البيضاء. وجرت وقائع هذه الأمسية في المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، في ذلك الفضاء الذي أصبح مسكنا رمزيا آخر للشاعر الفلسطيني الكبير. ذلك أنها المرة السابعة التي يلتقي فيها محمود درويش جمهوره المغربي في هذه القاعة الكبري الناعمة.وكان الشاعر الصديق محمد الأشعري، وزير الثقافة في المغرب، قد شرفني بتقديم الشاعر الكبير. ولعله توسم فيَّ بعضا من خبرة التقديم أو جرأته، فليست هذه هي المرة الأولي التي أتولي فيها تقديم درويش. ولأن الأشعري قبل كل شيء شاعر، فهو يدرك والشعراء مثله جميعهم يدركون أن الخبرة أو الجرأة لا يمكنها أن تنتصر علي ذلك الإحساس الغامض بالارتباك الملازم لقراءة الشعر أو لتقديم الشعراء، خصوصا حين يتعلق الأمر بشاعر كبير، عميق، جميل، ودود، ناعم، صادق كمحمود درويش شاعر العربية الحديثة، وشاعر القضية الفلسطينية وضميرها بالمعني الإنساني، والمعني الرمزي والأخلاقي.طبعا، الجلوس إلي محمود درويش لإجراء حوار حول الكتابة والحياة يظل بعيدا كليا عن ارتباك اللحظات المحتشدة. دفء الصداقة والتقدير المتبادل يمنحان لحظة الحوار امتيازها. وحين يعثر محمود علي مزاجه الرائق، يمنح الحوارات قيمة نوعية مضافة، فتتألق الأفكار وتكون للكلمات هيبتها الشعرية. ولا يغدو الحوار مجرد تعليق أو صيغة أخري للإخبار، وإنما يرتقي إلي مستوي النص الموازي للقصيدة بالمعني النظري والجمالي العميق الذي يحدده الشِّعْرِيُّون المعاصرون وعلي رأسهم جيرار جونيت للحوار الإعلامي. إنها المرة الثانية التي أجري فيها حوارا مسجلا مع محمود درويش. وفي كل حوار، مثلما في كل لقاء، أزداد ثقة في الشعر والشاعر، وفي الشعرية العربية الحديثة والمعاصرة التي يشكل محمود أحد مرتكزاتها الأساسية. ومثلما نحن مدينون بالكثير، شعريا وجماليا، لعدد من كبار شعراء العربية، نعترف بأن لمحمود درويش تحديدا فضلا علينا، علي الكثيرين منا في المغرب وفي الساحة العربية من مائها إلي مائها. فقد تعلمنا منه الكثير من الكلمات التي لا تشبه كلمات القاموس رغم أنها منه. وتعلمنا منه الكثير من الاستعارات التي لم تكن مجرد ظواهر لفظية أو لغوية، أو نحتا تزيينيا، وإنما كانت استعارات إنسانية نكاد نلامس ما فيها من دم ولحم، ونكاد نشم ما به تعبق من روائح الأدخنة أو عطر الزعتر البري والليلك والبرتقال والياسمين.وفي هذا الحوار، نندس قليلا في المختبر الشعري لمحمود، ونتعرف علي شكل المسودة الأولي لقصيدته. ونقترب أكثر من تلك الجدلية اللامرئية التي يوشج بها بين الشعري والنثري. نسأله عن طبيعة قراءته لزملائه من كبار شعراء القصيدة العربية الحديثة، عن المحيط الشعري الفلسطيني الذي يتاخم قصيدته ووجوده الخاص، عن المعني واللامعني في الشعر، عن تاريخ قصيدته وتاريخ نقدها، عن بنية الاستشهاد والموت السياسي في مرثياته التي تعلي من شأن الحياة بدون أن تمجد الموت أو تقدسه، وعن أشياء أخري أساسية. محمود، كما أشرتَ الآن وكما تلح دائما، أنت لا تحب المعني الجاهز في إنجاز القصيدة. وأيضا، تلح علي ضرورة البحث عن المعني.فكيف تتم هذه العملية الدقيقة والعميقة في بحثك عن معني شعري؟ أصدقك القول، أحيانا أكتب تحت ضغط حافز ما كأن أكون فرحا بشيء ما صغير، وكأن أصحو أحيانا وعندي فرح بأن لدي ما أقوله أو ما أكتبه، لكنه غير واضح، وغير محدد. فأجمل كتابة هو أن يأخذك هذا الحافز الانفعالي أو العاطفي أو النفسي إلي كلمات هي التي تعثر علي علاقة بعضها ببعض. ولذا فالفكر الذي يكون محضرا سلفا للقصيدة، تغيره عملية الكتابة بفكر آخر. إن الكتابة لها فكرها الخاص الذي يتمرد علي الفكر السابق للقصيدة.بهذه الحالات، وهي قليلة جدا، يكون ما ليس معروفا سلفا أفضل مما حدد سلفا. وقد تذهب إلي القصيدة بفكرة شعرية جاهزة فتكتبها بسرعة شديدة، لكنك تكتشف أنها تفتقر إلي الطريق إلي المعني. أي أن المعني في هذه الحالة كان سابقا للبحث عنه. وأعتقد أن المعني الحقيقي للشعر هو الطريق إلي المعني وليس المعني الجاهز سلفا. المعني الجاهز هو أن تمسك بهذه المادة الذهنية أو الروحية فتضعها في قالب جاهز كما لو كنت تصنع خزفا. أما حين يكون المعني قيد التشكل، ويجد نفسه طوع نفسه، ويعتمد علي نفسه في اختيار استعارته وصورته وموسيقاه وختامه؛ آنذاك يتحقق أجمل الشعر. في شعرك، هناك حضور قوي جدا لِثِيمَة (موضوعة) الشهيد. وطبعا، فهي لحظة رفيعة من حيث أبعادها الإنسانية والأخلاقية والاستعارية والرمزية، أو من حيث التعبير والموقف النضالي والجمالي، في المسار الفلسطيني والعربي، وحتي في تاريخ قصيدتك.سؤالي هنا تحديدا عن طبيعة وسيرورة علاقتك بالشهيد، وبالشهادة والاستشهاد عموما. كيف تنظر إلي هذه العلاقة؟ وكيف تكتب شعريا عن شهيد معين؟ هل لطبيعة وفداحة الاستشهاد أم لابد أن تتوفر قرابة شخصية أو إنسانية بين الشهيد وبين قصيدتك، كأن يكون صديقا لك أو لك سابق معرفة به أو ذاكرة مشتركة أو رمزية خاصة؟ كتبت مرة في بيروت أهدد أصدقائي بأنني سأسميهم خونة إذا ماتوا، في قصيدة سنة أخري فقط . ومن فرط ما فقدت من أصدقاء ماتوا أو استشهدوا حتي كدت أتحول إلي شاعر مراثٍ، رجوت أصدقائي أن يتوقفوا قليلا عن الموت. للأسف، فإن هذه الأمنية لم تتحقق. وهي أمنية شريفة (أن يتوقف الناس عن الموت)، وليست خيانة وطنية، بل بالعكس هي دفاع عن الحياة وعن الحق في الحياة. وللأسف الشديد، فإن تطور القضية الفلسطينية يجري بطريقة نزداد معها شهداء.أظن أن اللغة تشابهت من كثرة الكلام عن الشهداء. ويكاد هذا الكلام الذي غدا واجبا وطنيا، يصبح غير أخلاقي. بمعني أن الواجب يقتضي أن نتكلم عن حياة من يستشهدون، عن حياتهم المفقودة وليس فقط لتقديس أو تمجيد عملية الاستشهاد، وإلا سيتحول الشهداء إلي أغراض، ويصبح الخطاب الشعري حولهم نوعا من مساهمة الشعر في القتل.علي الشاعر أن يحزن لأنه يكتب عن الشهادة، ولا ينبغي أن يفرح لأنه عثرعلي موضوع. وقد كان لدي صديق (لا أريد أن أسميه)، كان قد أصيب بحالة جفاف شعري. ولما استشهد أحد أصدقائنا، قال : ربنا رزقني بقصيدة ! . ولكن مهما تفلسفنا، يا حسن، ومهما تكلمنا عن هذا الموضوع، فإن علينا أن نتكلم باحترام غير عادي عن الذين يقدمون حياتهم، حتي لو لم يعرفوا بأنهم يقدمون حياتهم من أجل قضية كبيرة. ودعني أعطك مثلا آخر عن هؤلاء الذين قتلوا في الحرب الأهلية بغزة. والمشكلة هي كيف تسمي من ماتوا، شهداء أم ضحايا؟ عندما يقتل الأخ أخاه، هل يكون المقتول شهيدا والقاتل قاتلا؟ والحال أن القاتل ضحية والقتيل ضحية.إن كثرة الاستشهاد عندنا، وكثرة الموت عندنا، أصبحت تضغط علي الضمير الشعري، وعلي اللغة الشعرية. لذلك، تلاحظ أنني أكتب عن الموت العادي. كأن ليس من حق الفلسطيني أن يموت موتا عاديا، بسبب مرض أو في حادث سيارة أو بسبب شيخوخة مثلا. كأن الفلسطيني صار محروما من الموت العادي. لكنني لكي أكتب عن شهيد، يفترض أو ينبغي أن أعرفه لأنه ليس فكرة. يجب ألا يتحول الإنسان إلي فكرة وإنما يجب أن يظل كائنا بشريا. ولذا لا أكتب إلا عن شهداء أعرفهم شخصيا، أو عن أصدقاء ماتوا موتا عاديا. محمود، ألا تري معي أن قراءك قلما ينتبهون إلي قوة حضورك الشعري في كتابة النثر. تعجبهم النصوص ويقرؤونها، لكنها لا تظل حاضرة بنفس القوة التي يظل نصك الشعري حاضرا بها في الوجدان، في الذاكرة، وعلي مستوي التداول والتخاطب، وفي رسائل الحب المتبادلة أيضا.ومنذ صدور كتابك ذاكرة للنسيان ، ومع صدور عملك الجديد في حضرة الغياب بالخصوص، بدا لي أن اهتماما نقديا وإعلاميا واسعا بدأ يحيط بشعرية نثرك.أنت، كيف تتعامل أو كيف تقرأ أو تتمثل هذه اللحظة في مختبرك الشعري والجمالي؟ أقصد، اللحظة التي تترك فيها قصيدتك جانبا وتنتقل إلي قارة النثر. هل تفعل ذلك بقرار معين قد يكون ناتجا عن تفاعل أو رد فعل معين؟ هل هو خيار تمليه استراتيجية جمالية معينة؟ هل هي استراحة من عبء القصيدة، إذا جاز لي القول، ومن مستلزماتها وإرغاماتها؟ وقبل هذا وبعده، هل تظل خلال لحظة الانتقال من الشعر إلي النثر داخل نفس المختبر ونفس الإحساس؟ ربما كان الأمر هو كل هذا الذي قلتَه، وربما كان بعض ما قلتَه، وربما كان شيئا خفيا، وربما هو تطور الإحساس بأن القصيدة الغنائية الموزونة بالنسبة لكاتبها تقترب من احتمال أن تصبح نمطا. فإحياء الإيقاع من جديد، والذي قد يصبح مكررا، قد يتم عن طريق النثر.وعندي قول أقوله دائما في مثل هذا السياق، وهو أن مَا يُضِيءُ القصيدة قد يكون أحيانا جملة نثرية أو كلمة عامية أو كلمة بسيطة جدا بدون أن تكون مبتذلة. هي التي تعطي أحيانا للقصيدة شعريتها، وأتحدث هنا عن الشعر الموزون. كثير من القصائد المهمة تحولها جملة نثرية، لها طابع الجملة السردية، هي التي تحولها إلي بؤرة شعرية وتعطي للقصيدة وهجها.هناك جانب آخر، وهو أنني بطبعي أحب النثر، لكن عدم انتباه الناس إلي ذلك هو تقصير مني ربما، إذ لم أعط للنثر صفة المشروع وإنما أكتبه من حين لآخر أو تحت ضغط الواجب عندما أضطر لكتابة مقالة أو خطبة أو كلمة في ندوة.أنا شديد الرغبة في أن أجري مصالحة في نفسي أولا، قبل أن أجريها في نفوس الآخرين، بين شعرية النثر وبين القصيدة، وبخاصة أن تعريف الشعر، أو تعريف القصيدة لنفسها في العالم، أصبح يتسع لاختلاط أجناس متعددة في الكتابة. لم نعد نستطيع أن نقول هذه حدود القصيدة … أو قد نستطيع أن نقول هذه هي حدود القصيدة، ولا نستطيع أن نقول هذه هي حدود الشعر.وأعترف لك أيضا أن تأثير جماليات قصيدة النثر عليَّ قد غيَّرني، وكأنني أريد أن أعتذر لعدم استيعابي المبكر لأهمية هذا المشروع. طبعا، لا أريد أن أكتبه، ربما – ولكن قد أكتب شيئا علي تخوم تعريف الشعر وتعريف النثر أو علي تخوم صعوبة تعريف الجنسين فأوفق بينهما أو أتقاطع بينهما.ثمة نقطة أخري، وهي أنني لا أريد أن أكتب شعرا بوتيرة سريعة. أبتعد لكي لا يقودني إيقاعي. وقد تعتبر هذا استراحة أو إجازة تجريبية، وقد يكون هذا الكتاب هو كتابي الأخير، وربما قد لا أكتب شعرا. لا أستطيع أن أقدم ضمانات أو وعودا لأنني لا أضمن غدي، والشعر ليس مشروعا هندسيا أو تخطيطا علميا قد يمنحك ضمانات قابلة للتطبيق.ورَاهِنًا، أنا أكتب يوميات تتوزع بين مقاطع نثرية وأخري موزونة، وقد تكون في جوهرها قصيدة نثر، علي الأقل كما أفهمها. وكما أصبحت أقترب من قصيدة النثر ولا أعبر عن أي تحفظ، فإن شعراء قصيدة النثر بدورهم مطالبون بأن يقتربوا من الوزن. ومثلما أري أن قصيدة النثر توسع ضفاف شعريتي، علي شعراء قصيدة النثر أن يجربوا لعل الوزن يوسع ويطور تجربتهم. لماذا هذه القطيعة؟ لماذا هذه المواقف الكفاحية والنضالية؟ لماذا يخوض بعض الأصدقاء الشعراء حروبا تشبه الحروب القبلية أو الطائفية؟بالنسبة إليَّ، أنا أزاوج كتابة الشعر وكتابة النثر، ولا أعرف إلي أين سيقودني في ذلك. لكنني مرتاح لكتابة النثر كما أرتاح في كتابة الشعر، وهو خيار يعطيك طريقة تنفس مختلفة، ويعطيك حرية سباحة في بحر لا حدود له. في هذا السياق، كيف انبثق نصك النثري ذاكرة للنسيان ، أثناء وجودك في بيروت 1982، رغم أنك كتبتَ في تلك اللحظة وفي تلك الفضاءات قصائد أساسية عن بيروت؟ أعتقد أن النص النثري في ذاكرة للنسيان أفضل من كل ما كتبته عن بيروت شعرا. وهو نفسه شعر، مزيج من الروبورتاج ومن القصة ومن المسرحية ومن الشعر، وقد كُتِبَ بحرارة عالية جدا. كما أن فيه دينامية الكاميرا في التنقل، والتداعيات الحرة، والضغط الشديد.ذلك النص كتبته لسبب بسيط جدا، ولم أكتبه لا بحثا عن شكل جديد ولا تأسيسا لخيار فني معين. كتبته لأحرر نفسي من الحنين إلي بيروت. ولعله أسرع نص كتبته، إذ أنجزته خلال شهرين عندما حبست نفسي في شقة بباريس … دعني أندس هنا لأسألك – وأنت تتأمل هذه العلاقة الجدلية والملتبسة والمعقدة في آن بين الشعري والنثري في تجربتك الأدبية والجمالية – لماذا تأخر استيعابك لقوة أو لجاذبية أو لجمالية قصيدة النثر رغم أنك كنت تعرف جيدا أن عددا من أصدقائك الشعراء، وعددا من كبار شعراء الإنسانية الحديثة زاوجوا بين الشعر الموزون وقصيدة النثر (بودْليرْ، رامْبُو، ريتْسوسْ مثلا) …؟ لعلي أسأت التعبير عندما استعملت كلمة استيعاب ، فقد كنت من البداية أحب قصائد محمد الماغوط، ومن البداية كنت أحب كثيرا من قصائد أنسي الحاج. ومعني الاستيعاب هنا، أن تكون قصيدة النثر جزءا من تجربتي. معني تأخر استيعابها، أي تأخر استيعابها في تجربتي. هذا أولا؟ وثانيا من فرط السهولة والاستسهال في كتابة هذا الشكل بدون أدني وعي به. وإلي الآن، يمكنك أن تفتح الصفحات الثقافية في الصحافة العربية لتجد آلافاً، بل عشرات الآلاف من الذين يكتبون قصيدة نثر بدون أن تكون قصيدة نثر أصلا. فربما كان رد فعلي ناتجا عن هذا الاستسهال أو عن الروح النضالية المبالغ بها لبعض كُتَّاب قصيدة النثر الذين يصدمك لا فقط المستوي الإبداعي لديهم، وإنما أيضا ادعاؤهم النظري حين يتصورون أو يتصور بعضهم علي الأقل بأن بإمكانه أن يطرد أي خيار شعري آخر من الحداثة، أي خيار غير خيار قصيدة النثر ولا يُعَرِّفون الشعر إلا بهذا الخيار.نقطة أخري، كنت وما أزال أعتقد أن الوزن الشعري لم يستنفد كل إمكانياته وأغراضه. ولو يلاحظ القارئ شغلي الأخير، هناك تطوير للإيقاعات داخل العروض العربي. ليس هناك حدود لاستثمار إمكانيات بحور الشعرية العربية، ولا أوافق علي أنها استنفدت كل أغراضها، بل مازال بوسعها أن تستوعب حتي ادعاءات قصيدة النثر.الوزن نفسه يستطيع أن يستوعب الادعاءات النظرية لما يسمي بقصيدة النثر. وأنت تعرف مدي حبي للإيقاع المسموع، الإيقاع البصري إذا جاز التعبير، الإيقاع الموسيقي سواء كان خفيضا أو عاليا.وربما لا أستطيع أن أعبر عن نفسي شعريا إلا بهذه الطريقة. محمود، في كتابك في حضرة الغياب نص لم تخف فيه شغفك العميق بالنثر، بشعرية النثر إن شئت، وحققت فيه مستوي من الارتقاء العالي الشفاف المضيء الذي يصل إلي حد تحقق قصيدة نثر بالمواصفات الشائعة التي نعرفها بها.كيف تحققت هذه اللحظة في الكتابة؟ هل بسبب من ذهابك العميق المؤلم إلي أقصي درجات المحنة الجسدية أم ببساطة، بسبب حضور مكرك الجمالي؟ إن موضوع المحنة الجسدية بكل تفاصيلها كتبته في قصيدة جدارية . ومشروع في حضرة الغياب لا علاقة له بهذه الأزمة، لكن هاجسي في هذا الكتاب كان هو إعطاء جماليات النثر العربي أقصي طاقاتها. وكل هذه الأحزان في الكتاب كانت أمرا ثانويا، وما كان يعنيني أساسا هو ترقيص اللغة، والاحتفاء باللغة. كأنني أشتغل في مهرجان من الكلمات والصور والجماليات متحررا من أي اعتبار آخر غير الاعتبار الجمالي. كان هاجسي هو أن أطلق ما يمكن اطلاقه من مردة وحمائم وطيور اللغة العربية. كنت كأنني أكتب شعرا، وكل يوم كنت أكتب صفحة واحدة. وعندما كان ينتهي اليوم وتظل هناك جملة لم تنته، كنت لا أنهيها. كنت كل يوم أريد أن أؤجل الانتهاء من هذا النص لأنه كان يفرحني. كان يشعرني بأن فيه كتابة أخري غير النثر العادي، وغير القصيدة. كنت أبحث عن شكل آخر للكتابة، وجاء هذا النص نِتَاجَ لقاء جنسين، الشعر والنثر. لكن هناك أيضا في هذا النص حضوراً واضحاً لقوة سردية. وهو نَفَسٌ نجد تجليات له في قصائدك، غير أنه يحضر هنا بكثافة خلاقة … في قصائدي الموزونة وفي كل تجربتي الشعرية، سي حسن، عندي حب لمزج السردية والغنائية. وماذا تعني بالنسبة إليك شهية المحكي، في الكتابة وفي القراءة معا؟ هذا ما أسميه أنا الاستمتاع بالاستطراد، أن تشتق من كلمة كلمات، وأن تحيلك كلمة إلي دروب، إلي سماوات، إلي غيوم، وإلي قصص. وهذا الحب للحكي هو الذي يتمتع به الروائيون. وأنا أغبط الروائيين علي هذا الكلام الذي لا نهاية له. المشكل أنني لا أستطيع أن أسميه حكيا، وإنما أسميه استطرادا للغة يأخذك بعيدا، ويصل بك إلي أرض، وإلي منطقة وإلي قصة، وإلي حادثة، وإلي مأساة، وإلي عرس.إنني أحب السرد، لكن ينبغي أن يكون مضبوطا. أحب أن يكون سردا إيقاعيا إلي حد كبير، سردا مُمَوْسَقاً. يلفت الانتباه أيضا في نصك في حضرة الغياب حضور لبنية مثنوية، سواء علي مستوي الذات المتكلمة، أقصد هذين الشخصين اللذين ليسا في الحقيقة إلا شخصا واحدا، أو علي مستوي بناء الخط السردي والحكائي للنص. ولا يحضر هذا البعد المثنوي لأول مرة لديك في هذا النص، وإنما هو موجود في شعرك كما هو واضح. ومع ذلك، فهو هنا أكثر حضورا حتي إنه يشكل عنصرا تكوينيا في النص من بدايته إلي نهايته. فكيف تقرأ شخصيا هذا البعد في كتابتك؟ إن حيلة النص كله مبنية علي خطاب تأبين يقوله المؤلف الحي لآخره الميت المتخيل. والثنائية القائمة بين وجود الآخر ووجود الأنا متوفرة فينا جميعا، لكن كيفية الاعتراف بها أو رؤيتها وإجراء الحوار معها أمر لا يجرؤ عليه كل إنسان. فما كل إنسان قادر علي أن يعترف بأنه إثنان، فهو باطني وظاهري، هو حاضر وغائب، مؤنث ومذكر، هو شاعر وناقد، هو أرضي وسماوي. وأنا من الذين يتعرفون علي ذاتهم أكثر من خلال الآخر، سواء كان آخرهم أو كان الآخر آخر.أعتقد أن العلاقة بالآخر هي الطريق المعرفي نحو معرفة الذات. وبالتالي فهذه المثنوية تلازمني منذ زمن بعيد، وهي تعطيك حرية الكلام أكثر. فعندما تُخرج ذاتك من ذاتك وتتفرج عليها، فإنك تمنح نفسك حق الكلام وكأنك لا تتكلم عن نفسك. وهذا ما يفتح لفن الاعترافات فضاء أوسع، متحررا من الحشمة ومن إخفاء عواطف أو هواجس أو ظنون. أما من أين جاءتني هذه المثنوية، فأظن أنها تأتي من خلال الثقافة لا من خلال التجربة الذاتية. وثمة أنواع من الفكر تتحدث عن ذلك.وعلي المستوي الجمالي، فهي تعطيك مجالا لتمزج الديالوغ مع المونولوغ من حيث تصير الحدود بينهما متداخلة. كما تعطي جمالية للتضاد، وليس هناك من أدب حقيقي بدون صراع الأضداد. والصراع قد يؤدي إلي مصالحة وقد لا يؤدي إلي مصالحة أيضا، لكنه يساعد علي أن يطل الواحد علي الآخر بطريقته ويتعرف عليه. وقد يوصل التعاطف الأكثر إلي جهل أكبر، وفي رأيي فإن طريق الجهل هو طريق نحو المعرفة. كلما عرفت أنك جاهل، تعلمت أكثر. والمشكلة دائما هي مع الجاهل الذي لا يعرف أنه جاهل. أما الجاهل الذي يعرف جهله فهو قادر علي التعلم.وقد تكون هذه المثنوية في آخر الأمر مجرد لعبة فنية، إذ إنها – شعريا – توفر توترا أعلي، وتشكل نافذة لرؤية نفسك من خارجها، ولتبادل النظر أيضا بين خارجك وداخلك بنفس الثنائية. كيف تستوعب خارجك من داخلك وكيف تخرج داخلك ليتطهر ويتصفي حتي وإن كان داخلك في الأصل قد جاءك من خارجك. هناك أيضا في مشروعك الشعري بنية تكوينية مركزية هي بنية المكان. وطبعا، كانت فلسطين تلقي بظلالها دائما كمكان وكفضاء علي نصوصك؛ ومنها كانت تنبثق القصيدة أحيانا أو تلتحق القصيدة بها أحيانا أخري. لكنك حاولتَ في مراحل متعددة أن تغير هذا المكان الأمومي، إذا صح التعبير، المكان الأول لذاكرتك الشعرية. فحضرتْ أمكنة أخري، عواصم ومدن أخري …واليوم، عندما تتأمل سيرورة قصيدتك، هل تتأمل هذه العلاقة مع أمكنتك الشعرية؟ وكيف تتمثلها؟ كانت العلاقة واضحة أكثر مما هي عليه الآن. فقد كان هناك بعد ينتج عنه الحنين ويُجَمِّل الأشياء. فأنت من بعيد تري الاشياء أفضل وأجمل. وبالتالي، فالمكان المتخيل يطيع اللغة أكثر من المكان المتحقق.خَفَّتْ علاقتي بالمكان الأول، شعريا، عندما تحققت رؤيته من جديد، وإذا به كان أغني في الصورة، في الاستعارة وحتي معناه كان أرقي. ومثل أي شيء متحقق، يكون أقل وهجا من المتخيل. هذا طبعا لا ينطبق علي الحقوق الوطنية والسياسية. وأخشي دائما عندما أتكلم عن هذا الموضوع أن يحدث سوء فهم عند بعض الناس.الآن، أستطيع أن أقول بصراحة إن الأمكنة أصبحت عندي متشابهة. ربما لأن عمري لم يعد يسمح لي بإقامة علاقات عاطفية مع أمكنة جديدة، كما لم يعد يسمح لي بإقامة علاقات عاطفية مع أناس جدد. قد أكون أكثر حصافة في العلاقة مع الناس، وأكثر مجاملة، وأكثر احتراما، لكن الوهج العاطفي خف. وهذا ينطبق علي البشر وعلي الأمكنة أيضا. وربما لكوني أتْخِمْتُ أمكنة.إن المكان في آخر الأمر إذا لم يكن منشأ ذاكرة، ومكونا لذاكرة، يصبح منظـــرا، مشهدا طبيعيا. وإذا كانت لدي القدرة علي الاندهاش أمام المشاهد الطبيعية الجميلة، فإن هذا لا يقيم علاقة داخلية وطيدة بيني وبينها … هل لهذا الإحساس بتشابه الأمكنة الذي أصبح لديك، مع ما يصاحبه من خفة الكثافة العاطفية، هو الذي جعلك في بعض أعمالك الشعرية الجديدة تنأي بعيدا في عودتك إلي بعض أمكنــــة الطفولة كما هو الشأن في ديوانك الشعري لماذا تركت الحصان وحيدا (1995)؟ لا، أنا أتحدث إليك عن اللحظة الحالية. ذلك أنني لما كتبت لماذا تركت الحصان وحيدا كنت بعيدا عن مكاني الأول. لقد كان ما يشبه الرد الشعري علي تعرض السردية الفلسطينية للالتباس، بعد اتفاق أوسْلُو. فقد تألمت كثيرا من المصافحة التاريخية، وآلمني الخطاب. كان الخطاب الإسرائيلي يتصرف وكأنه خطاب ضحية مقبل علي مصافحة عدوّ بصعوبة، ويستذكر الشهداء، بينما كان الخطاب الفلسطيني خطابا إداريا. فشعرت أن حتي اللغة تعرضت للالتباس، لغة الضحية الفلسطينية. وكان هذا حافزا مباشرا لكتابة هذا النص دفاعا عن السردية الفلسطينية، وعن اللغة التي تعرضت – برأيي – إلي تشويش. محمود، ما معني أن تسمع قراءك يقولون عنك إنك ضمير فلسطين؟ هذا شرف كبير لي. شرف كبير لي قد لا أستحقه. وكل إنسان، كل شاعر، يحب أن يرقي إلي مستوي أن يتشرف بهذا الشرف، لكن بدون أن تكون له أعباء جمالية. أي أن لا يكون من حقك أن تكتب إلا عن فلسطين بالطريقة المحددة لرؤية الناس لفلسطين. بمعني أن تبقي تذكر فلسطين في كل نص، وتتحول إلي مؤرخ الحدث الفلسطيني. أما أن يكون الضمير بمعني الممثل لجانب الإجماع الوطني الثقافي، وأن يكون معبرا عن روح هذا الشعب، فهذا شرف كبير. ألا يمكن أن نفهم من ذلك أيضا أنك أسهمت كثيرا وعميقا، من خلال كتاباتك الشعرية وحضورك الثقافي والأدبي الممتد، في إثراء الرمزية الفلسطينية، وفي توطين القضية الفلسطينية في الوعي العربي، وفي الوعي الإنساني؟ أنا هذا إحساسي ورأيي … وأنا ليس من حقي أن أوافق علي هذا الكلام. ساعتها سأطري نفسي وليس من عادتي إطراء النفس. ولكن هذا يشرفني – كما قلت – ويشرفني أيضا أن أوسع مفهوم المعني الفلسطيني من إطار جغرافي ضيق إلي إطار واسع. هذا الذي أعتز به، وهذا الذي أتعرض بسببه إلي حملات بعض الفلسطينيين وكأنهم لا يحددون الهوية إلا بتضييقها. أما أنا فأُعَرِّفُ الهوية بمدي توسيعها. أن تنتقل فلسطين من جغرافيا صغيرة تحمل معاني كبيرة طبعا إلي أفق إنساني، وتُقْرَأ كنص شعري علي المنبر الشعري المفتوح بشكل مّا، فهذا تكبير لفلسطين وليس تصغيرا لها كما يظن بعض الملتزمين بالمفهوم الضيق للهوية. والهوية الفلسطينية يجب أن تكون هوية كونية لأنها هوية إنسانية، ونقل المعني الفلسطيني إلي آفاق رحبة لا يمكنه إلا أن يكون خدمة كبيرة للقضية الفلسطينية. القصيدة هي الحب غير المتحققفي آخر هذا الحوار، وعلي سبيل الختم، استدرجت الشاعر الكبير إلي هذه اللعبة الإعلامية التي تتميز بخفة الاسئلة وسرعة الاجابات. وبمحبة أجاب وأعطي بعض الإضاءات التي لها أهميتها بدون شك. الليل؟ لا أحبه. أخاف الليل. وفي الليل لا أعمل شيئا إلا القراءة. لا أستطيع أن أكتب حرفا واحدا في الليل. تكتب في الصباح فقط؟ لا أكتب إلا في الضوء، ولا أعرف لماذا. الليل عادة هو زمن الشعراء، ويوفر وقتا أطول، لكنني محروم من هذا الزمن. الصمت؟ ليس هناك صمت. الصمت يحمل ضجيج الكون، والمهم أن نعرف كيف نصغي للصمت. الحلم؟ الحلم هو إعادة تأليف الواقع بمهارة غير مرئية. النوم، ما علاقتك بالنوم؟ عبادة. أحب النوم كثيرا، وأفرح عندما أنام، أفرح عندما أنام وأعرف أنني أنام. ولا أري أنه يحمل معني الموت، بل بالعكس أري أنه يحمل معني السباحة فوق الغيوم. إنه الراحة الكاملة. الحب؟ سؤال صعب، لأنه متغير. فهو في كل ساعة يحتاج إلي جواب مختلف. هو تواطؤ بين شخصين علي تطوير سوء الفهم. الصداقة؟ الصداقة أصعب وأعذب. المرأة؟ المرأة هي الجمال، الجمال الكوني. القصيدة؟ القصيدة هي الحب غير المتحقق. الرباط، في أبريل 2007 0