لم نكن نعلم أن الإحساس بحب الوطن بهذه الروعة ولم نكن ندري أن مشاعر الوطنية بهذا الحجم من المتعة التي بعثت فينا حياة أخرى غير التي كنا نحياها.
مضى من أعمارنا ما مضى ونحن رهائن جنون العظمة، في ليبيا لم يكن يوجد ما يخصنا أو يشعر بنا، هذا ما عمل النظام على زرعه بيننا لكنه لم يزرعه فينا، كرس جهده لنزع الخصوصية وهدم الأيديولوجية للشعب الليبي فلم يعد له وطن ولا تاريخ. وبشكل عام السلطة لها الدور الرئيسي والأول في تحديد وتأصيل معنى الوطنية لأي شعب، وقد عمل القذافي على هذه النقطة وتمكن من ربط الوطن واستقرار الوطن بوجوده ومجده في عقول عامة الناس، وأسس قواعد الموقف العدائي بيننا وبينه؛ لأنه منزوع القيم الإنسانية التي تربط الإنسان بوطنه.. ولم يشعر يوما بمعنى الوطن، ولو أنه شعر بما شعرنا به اتجاه ليبيا ولو لدقيقة لما ظهر علينا يسأل: ‘من أنتم’؟! فنحن من تفقدنا وجودنا في أعماقنا فراقبنا الألم وهو يجثو علينا حين بدأ ببنغازي ومصراتة والزنتان وكانت أمانينا أن نضمهم بشوق الأم والقلب معهم نبضة بنبضة حتى تفطرت قلوبنا ونحن نسجن ونعذب ونفقد، وتتلحف أيامنا بالخوف وبدأ الأمل يقترب كل يوم عندما رفرف علم الاستقلال بعيدا عنا لأول مرة.
ومضت الأيام لتفسر لنا الحظر الذي كان يطوق عناصر قيام الدولة من الشعب إلى الأرض إلى السيادة، فحكم الطاغية في ليبيا نفى هذه العناصر فالشعب مورست عليه سياسة عدم الاستقرار، والأرض قسمت فيما بينهم كمزرعة، وكانت لهم السيادة بحكم عدم استقرارنا وبحكم قوة المال والسلاح.
عمل القذافي على العبث بالأيديولوجية التي تربط الوطن بتمجيده وتعظيمه فاعتبر أن المساس به هو اخترق لأمن الوطن، وخاض حربه تحت هذا الستار المنيع وسادت بيننا مقولة (نبو الأمان) ومالم يفهمه الليبيون هنا هو الفرق بين الوطنية والمصلحة بالوطنية، نتيجة ذلك اتهمنا بالعمالة والخروج عن النسق الشمولي بهدف حرقنا سياسيا، واتهمنا في أخلاقنا بهدف حرقنا اجتماعيا ولم ندرك أن هذه التهم يشتغل عليها أي نظام مستبد بالإضافة إلى الإلحاد والتطرف الديني وذلك لإدراكه أن هذه التهم قادرة على استنفار الغرائز البدوية والدينية للمواطن العادي ضد أي معارضة للنظام.
وهذا ما فهمته المعارضة الليبية في أزمتنا فانشغلت بقضية الثورة وتحقيق مكاسب سياسية تخدمها في مرحلتها ولم تقع في فخ الانشغال برد التهم عنها وهذا ما أعتبره في رأيي أهم أسباب نجاح الثورة على الصعيد الدولي. مريم محمد الغزاوي