ما معنى أن تستضيف كاتبا؟

حجم الخط
0

يبدأ موسم الإصدارات الجديدة، مع موسم الفاكهة، ونقرأ عن معارض الكتب التي تنظم تباعا في العواصم العربية، لنكتشف تفاوت نسب القراءة فيها. سنة بعد سنة، تثمر دور النشر بكثرة، وتخرج أسماء جديدة للمشهد الأدبي، محاولة أن تكون أنيقة ما استطاعت. إنها إشارة جيدة إلى أن مواسم الزرع كانت ناجحة.
بعض الكتاب يطيرون بين هذه المعارض تباعا أيضا، يسجلون حضورهم، ويوقّعون كتبهم، ويشاركون في فعاليات ثقافية متنوعة، يفعلون ذلك وكأنهم أوراق خريفية تزين بها الرياح الشوارع والسّاحات. بعض الأماكن تبدو أكثر جمالا في الخريف، والسر كله في تلك الحلّة الخريفية.. هكذا هي صالونات الكتاب، ما يزينها أكثر هم هؤلاء الكتاب الذين تحملهم رياح الأدب، لكن ألا يكفي الكتاب ليقدم كاتبه؟ هل يحتاج الكتاب لكاتبه؟ أم العكس؟ تبدو المعادلة غريبة أمام قدرة الإبداع اللغوي، بل إنّها تزداد غموضا أحيانا، فاللغة أكثر وسائل التواصل قدرة على شرح مكنونات الذات، فما الذي يجعلها غطاء يخفي شخصية الكاتب، أو ينسج معالم مختلفة لشخصيته، أو يأخذ معنى النّص بعيدا عن معناه المقصود؟ هل اللغة كائن هلامي قابل للتشكيل وإعادة التشكيل؟ أمام التعدد اللغوي، الذي نمارسه ولا ننتبه لوجوده، هل ندرك فعلا ميكانيزمات تشكل اللغة؟ فنحن في النهاية نتحدّث بلغات هجينة، متكوّنة من تلاقح الألسن، الفصيح منها، والأعجم، الأصلي والدخيل، فاللغة المحكية ليست ثابتة، إنها متحرّكة، وتلك الحركة التي تسكنها هي التي تصنع تجدّدها، لكن المثير يكمن في كونها تذهب بعيدا بالمعنى، رغم ارتباطها بسياق قصصي واضح، فهل لهذا السبب يحتاج القارئ لكاتبه؟ لماذا يريده وجها لوجه، ملموسا، يصافحه، ويكلمه، ويحصل على توقيعه، ويناقشه في مروياته ويجادله في المتون والمقدمات والنهايات؟

قتل الكاتب جريمة قد ترمي بالنص في قبر أبدي، كون النص أهم تركة للكاتب بعد موته الحقيقي، فكيف لنا أن نتعامل معه كتركة وهو لا يزال حيّا.

إن إقصاء الكاتب من نصّه يبدو مرتبطا بنظرية «غبية» مع اعتذاراتي لمناصريها، فقتل الكاتب جريمة قد ترمي بالنص في قبر أبدي، كون النص أهم تركة للكاتب بعد موته الحقيقي، فكيف لنا أن نتعامل معه كتركة وهو لا يزال حيّا. سيقال الكاتب مثل الرسّام، والنّحات والمهندس، حين ينهي إبداعه، يسلمه للمتلقي وينتهي دوره هنا، وأنا أمام هذا المعطى النظري، أرى جانبا آخر يختبئ في الكاتب، ويحتاج لتوضيح، تماما كالرّسام الذي لا يفهم أحد مزيج ألوانه وضربات ريشته، فيموت فقيرا معدما، إلى أن تلامسه اللغة الكافية التي تشرحه وترفع من قيمته، والشيء نفسه يحدث مع المنحوتات التي بقيت واقفة لمئات السنين، حتى طالها الخطاب المتطرف، فشرّع لهدمها، والمصائر البائسة نفسها حلّت ببيوت تاريخية، خرجت عن السيّاق اللغوي الذي يحميها، فباتت في خبر كان. بيوت لعظماء التاريخ هدّمت في العالم المتخلف والمختل الذي نعيش فيه، لأنها أدخلت ضمن «تركة الميت» التي لا حاجة لنا بها، وتم إقصاؤها من المضمون اللغوي الواعي.
إن التعبير اللغوي هو أقوى وأهم من أي إبداع آخر، رغم حاجتنا لكل أنواع الإبداع، لكن أيضا هناك سلوك الكاتب، الذي قد يرفع من أدبه، في تلك اللحظات المهمة التي يجلس فيها أمام جمهوره، ويقدّم نفسه، فاتحا حوارا بينه وبين قرائه. تلك اللحظات التي قد لن تتجاوز ساعة أو ساعة ونصف الساعة، قد تختزل مصير الكاتب، ونصّه، وأفكاره، وقد تضعه على خشبة مضيئة، وقد تغلق عليه بستائر سميكة إلى الأبد. ولعلّ في هذا الفعل الخطير، ما يكشف أهمية ثنائية الزمن واللغة المكثفة لإيجاد مفاتيح التسويق لأي عمل أدبي، فهو يحتاج لوقت جد قصير، ولخطاب مختصر، يحمل رسالة تفهمها الأغلبية، وفي الوقت نفسه تحث على اقتناء الكتاب.
هذا ما يجعل القارئ يحتاج لكاتبه، وكأنّه في قرارة نفسه يدرك شِراك اللغة القابلة للتأويل، والتحوير، ويحتاجه الكاتب، مخافة أن يكون ضحية القراءة الخاطئة له، فقد أثبتت هذه اللقاءات مفعولها الإيجابي، بتقريب صورة الكاتب الحقيقية من قارئه، هذا غير أهمية هذه اللقاءات المباشرة للنّاشر، لأنّها تحسّن من نسبة المبيعات وتسوّق الكتاب بشكل أفضل، بالإضافة إلى صنع احتفالية بالنتاج الأدبي، رغم رفض البعض، وتشجيع البعض الآخر لها. هذا السّفر الذي يشبه رحلات الطيور المهاجرة إلى الأراضي الدافئة، هو بحث عن دفء القارئ، فلا قيمة للكاتب بدون قارئه، حتى في الفضاء الأزرق الوهمي، الافتراضي، فقد خُلِق هذا الفضاء للمجموعات المتشابهة، وللأفراد الذين نفتهم عوالمهم إلى قلاع الاغتراب القاتل، حتى وهم محاطون بعائلاتهم وأهاليهم، أولئك الذين عانوا من وحدة قاتلة، بسبب لغتهم وأفكارهم المختلفة. وقد أثبتت مواقع التّواصل الاجتماعي أنّها قادرة على إيجاد منصّة جامعة على الواقع، هي في الحقيقة منصّة مُبهِجة، تُقصي الاكتئاب الفردي الذي يصيب الكاتب والقارئ معا، باجتماعهما، واجتماع الشبيه بالشبيه في فضاء الكاتب الذي صنع فضاء مشتركا لهما، بدأ بسرد حكاية، وانتهى ببناء شبكة علاقات حقيقية، فهل يمكن أن نقف اليوم ضد هذه الطقوس المنتشرة في العالم؟
إن إقصاء أي كاتب من برامج اللقاءات المباشرة مع قرائه، هو العقاب الجديد الذي تنزله بعض الأنظمة بالكتاب المزعجين، وضعه خارج مجال الرؤية، وتغييبه عن تلك الاحتفاليات رسالة لا جدال فيها على أنّه غير مرغوب فيه، وعلى أنّ الهيئات التنظيمية تريده في العتمة، ليبقى خطابه مطموسا. وهذا صراع آخر غير مرئي يعيشه بعض الكُتّاب مع كتبهم، أمّا تلك النظريّة التي تقول إن الكتاب يشق طريقه وحده، فهي نظرية مشكوك في صحّتها، لقد احتاج الأدب دائما للصحافة لتُعلِم به، وللنّقد ليستمد شرعيته الأكاديمية، ولنسبة كبيرة من القرّاء لإحداث التغيير، وترك بصمة في العقل والوعي.
هذه بعض الإجابات عن سؤالنا، لماذا تستضيف كاتبا؟
إنّه حق من حقوقه، فهو ليس سجين معتكفه، حيث يجبر نفسه على الكتابة، ومتى ما أنهى مخطوطه قذف به خارجه، ليتولّى النّاشر الاهتمام به مثل طفل مجهول الهوية تخلّى عنه أهله! حكاية الكتاب الذي يخرج للعلن، تبدأ بولادة هذا الكاتب الذي تعجنه الظروف، وتخبزه، وتنتهي حين يقف مع منتوجه، ليسمع رأي الناس فيه، فيصحح ويضيف، ويعقِّب، إنّه تاريخ بأكمله، لا يمكننا إهماله، أو تناسيه، ولا يمكننا احتكار المنصّات كلها للأسماء نفسها. وإن كان التاريخ يروي حكايات غريبة عن شعراء البلاط، ولاعقي الصّواني الملكية، فإنه من المخجل اليوم، أن نتحدّث عن الحريّات، واحتضان المختلف، وبناء فضاء ثقافي مفتوح للجميع، فيما السياسات الانتقائية تمارس على الكتاب، مكرِّرة ذلك التاريخ القديم المخجل، خاصة حين يُمارس على الكتاب الأدبي، الذي لا نجد بين دفتيه ما يغسل عقولنا، بل ما يوقظها ويحثها على النّقاش..
إنّ تدمير الكاتب يبدأ من سحقه بالصمت، وتركه في الخلفية المقابلة للأعراس التي تحدث بدونه، حين يُسرق قارئه ويوجّه عمدا لكاتب مَرْضيٍّ عليه. أن نستضيف كاتبا هو أن ننقذه من الموت البطيء المُسلّط عليه، فلا أسوأ من قتل الكاتب حيّا، وحرمانه من قارئ.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية