دالية عمر بن أبي ربيعة الشهيرة والتي يقول مطلعها (ليت هندا أنجزتنا ما تعد) درَستُها ودرّستها وأعدت قراءتها مرارا وسمعتها تكرارا، لكنّي كلما فعلت شدّني فيها معنى أقضّ مضجعي هو الذي يقول فيه الشاعر مواصلا التمني الذي بدأه في الطالع (واستبدّت مرّة واحدة / إنّما العاجز من لا يستبدّ). كنت أقرأ الاستبداد على المعنى الذي نعرفه عنه من ثقافتنا المعاصرة فلا أستسيغه، إذ كيف انتقل الشاعر من أن يتمنى ما يتمنّاه من هند، وهو ما وعدته به من لقاء إلى أن يتمنّى أن تستبدّ به؟ وهل يمكن لرجل حتى لو أذلّه الحبّ أن يطلب من امرأة أن تستبدّ به؟ وكيف ينتقل الشاعر من معنى الطلب إلى الرمي بالعجز؟ هذه أسئلة كانت تتلعّب بذهني وأنا فريسة معنى الاستبداد مثلما استقرّ عليه في ذاكرتي وفي فهمي لهذا المعنى. معنى الاستبداد الذي في معنى الحكم المطلق دخل إلى أذهاننا عبر المدرسة وبالذات عبر دراسة التاريخ، تاريخ الاستعمار وما شابهه من الأمم المتغطرسة؛ وعرفنا هذا المعنى قبل ذلك في العائلة مع أب يرى التنفس خارج الأنساق نقاشا والنقاش معصية. لم نكن نعرف ربّما أن هذه الغطرسة التي كنّا نراها طبيعيّة في آبائنا تسمّى استبدادا فالاستبداد ممارسة تشعر بها ثمّ تعرف اسمها بعد ذلك وتفرح أنّك بتّ تعرف اسم شيء كاتم على نفسك هو الجبروت القدريّ، الذي عليك أن تقبله، جبروت الأب وجبروت المعلّم وجبروت «الكبير» الذي عليك أنت «الصغير» أن تخشاه لأنّ له قوّة يمكن أن يفرّغها فيك بالضرب، أو بالعقاب المدرسيّ..
حين قرأنا في الجامعة كتاب عبد الرحمن الكواكبي «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» فهمنا أشكالا كثيرة من الاستبداد وأنّها لا تكون في السياسة ولا في الأسرة، بل تكون في أشكال كثيرة من التفكير أو اجتماع الناس. في هذا الكتاب يقول الكواكبي شيئا له علاقة بقصيدة عمر، يقول إن الإنسان الذي خلقه الله عاقلا «أبى إلاّ أن يكون عبدا قائده الجهل» ويرى أن المستبدّ فرد عاجز لا حول له ولا قوّة» إلاّ بأعوانه أعداء العدل وأنصار الجور». فإذن لنا مستبدّان: مستبدّ الكواكبي الذي هو عاجز بنفسه ومستبدّ عمر بن أبي ربيعة، الذي هو عاجز إن هو لم يمارس استبداده. أنت ترى هنا وهناك كيف يصرّف معنى الاستبداد في وجهتين يكون فيهما العجز من الأضداد : أنت عاجز إن لم تستبدّ في الغزل، وعاجز إن استبددت في ممارستك السلطة والهيمنة والغطرسة على غيرك بواسطة منفّذين سيتركونك ضعيفا حين يتخلّون عنك.
لنعد إلى معنى الاستبداد في المعاجم القديمة، فقد ورد في لسان العرب: استبدّ فلانٌ بكذا أي انفرد به (لسان العرب، 3/ 81 (مادة: ب. د.د). هذا المعنى يمكن أن ندخل به إلى معنى الاستبداد في الغزل لنفهم (استبدّت مرّة واحدة ) يعني انفردت بنا مرّة واحدة، ونفهم (العاجز من لا يستبد) في معنى (العاجز من لا ينفرد بحبيبه). هكذا يستقيم معنى الاستبداد مع معنى الشعر في قصيد عمر لنفهم: أن هندا وعدت بخلوة ولم تنجزها، وأنّ الخلوة لم تحدث لمرّة واحدة وأنّ العاشق الذي لا يختلي بمن يحبّ عاجز وعجزه في أنّه لم يتمّ أركان الحبّ التي تقتضي مغامرة ولا أنصفه الحبّ الذي يتطلب شجاعة.
الشجاعة ليس في أن تحبّ، بل في أن تختلي بمن تحبّ، الحب بلا خلوة حبّ لا شجاعة فيه، حين تختلي بشخص تخشاه أو تخشى عليك منه الثقافة الرسميّة المتخلقة، فتلك شجاعة لأنك رغم المحاذير غامرت في أن تكون معه لا ثالث لكما يرجح كفّتك أو كفّته. ثالثيّة الشيطان التي جاء بها معنى الخلوة في الثقافة الدينية هي ثالثيّة ترجّح الكفة لا لشخص دون آخر، بل لفعل دون آخر. في اللغة لا يعني الاستبداد إلاّ انفرادا بالشخص دون غيره، وهذا يعني أنّك في القصة الغزلية، ومثلما اصطفيت لك شخصا تحبّه دون آخر، فإنّ الخلوة هي ضرب من التعبير المادّي في الفضاء الكوني عن ذلك الاصطفاء. الاختلاء هو والاصطفاء متجانسان، ومن ثمّ فإنّ الاستبداد هو اختيار شخص وترك آخرين، كي يحدث بينهما لقاء لا يقبل إلاّ منهما. ثالثيّة الشيطان هنا مسقطة من الشرع على الحبّ تريد للقاء العاطفي أن يُقنن بمعايير الأخلاق المفروضة من الخارج.
في الاستبداد معنى الانفراد، ولكنّ الانفراد يكون بأن يكون فردان مختليين كلّ فرد لا يرى في حضرته غير واحد، هما مثنى من الناحية الحسابية، ومفرد يواجه مفردا من الناحية النفسية. للأنفس حساباتها التي ربما اختلفت عن حساب الرياضيين وأصحاب الجمع والطرح. ليس الانفراد أن يكون الشخص واحدا لا ثان له؛ الانفراد هنا هو أن يكون للشخص ثان ولكنّه منقطع إليه وحده لا يشرك معه غيره، إنّها اثنينية في معنى الواحديّة.
الاستبداد بالمعنى الغزلي معنى لطيف وهو من مقتضيات القصة الغرامية واكتمالها، وما من حكاية من هذا النوع إلاّ فيها ضرب من الاستبداد، إمّا منتظر وإمّا محقّق، ولهذا فإنّ من عناوين نقصان الحكايات عن أن تكتمل هو ألاّ يكون فيها استبداد. الانفراد الذي هو رديف للاستبداد وشارح له يمكن أن يكون له معنى سياسي، بل إنّنا لنجد هذا المعنى ممكنا في لسان العرب الذي يروي أنّه « في حديث عليّ رضوان الله عليه: كنّا نرى أن لنا في هذا الأمر حقّا فاستبددتم علينا» (لسان العرب، السابق) يبدو أن حرف الجرّ هو الذي خلق الفرق بين معنى الخلوة ومعنى الغطرسة؛ فحرف الجر على الذي يفيد الاستعلاء والغلبة وبناء عليه فإنّ استبدّ به بمعنى اختلى به، واستبدّ عليه بمعنى طغى عليه، ولكنّ الاستعمال كرّس حرف الجرّ الباء في معنى على فقيل استبدّ به في المعنيين: إذ جاء في اللسان: استبدّ برأيه انفرد به. ويمكن أن ندخل إلى أصل المعنى السياسي والغزلي من معنى البدد، الذي يفيد المعنى ونقيضه إذ يعني البدد والتبديد والتبدّد التفريق وفي الاستعمال البائد ذهب القوم بَدادِ بَدادِ أي متفرقين «واحدا واحدا» وقال الشاعر: والخيل تغدو في البراري بدادِ أي متبدّدة ومتفرقة.
إن السفر من معنى الفرقة إلى معنى الاجتماع، ومن الخلوة الحلوة إلى الاستبداد المرّ، هو ضرب من سفر المعاني بين الأضداد؛ لكن ما هو المعنى الذي سافر إلى الآخر، هل معنى الفرقة سافر إلى معنى الخلوة أو العكس؟ وهل إن معنى الاستبداد القاتل في السياسة سافر إلى معنى الاستبداد المحبذ في الغرام؟ لا شيء يقول لنا في المعجم أيّ المعاني هو الأوّل في النشأة والمهاجر، ولا دليل أيضا على أن الأصل في المعاني هي المحسوسة، وأنّ المجاز هو الرديف والفرع. المهمّ أنّا نشعر أحيانا وبعد قراءة متمعنة في كلام عمر بن أبي ربيعة، بأن هناك استبدادا محبوبا وآخر مكروها، الحبّ يمكن أن تعيش فيه المعاني المرّة بلذاذة مميزة والسياسة يمكن إن انغلقت مفرداتها على منجزاتها، اكتسبت مرارة لون السياسة، إن كانت السياسة مرّة، وهي تكتسب حلاوتها إن كانت السياسة حلوة: سيقال لنا وهل في الغزل صنوف مثلما هي السياسة؟ الجواب يكون بعد تجريب الاستبداد في معناه الذي طرحه الشاعر: إن كنت عاجزا فاستبدّ حتى تعرف تمام طبقات العشق.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسيّة