ما هي المصلحة في عدم فتح ملف الشهداء بعد عزل طنطاوي؟

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياببداية اعتبر ما يكتب على هذه الصفحة كل سبت بعد فوز محمد مرسي بمقعد الرئاسة من قبيل كشف ما غمض عن الجماعة والحزب والرئاسة، وهي دوائر تفرض نفسها على الرئيس بحكم الانتماء والمصلحة والدعم الذي حصل عليه وانتهى به رئيسا، وكشف علاقة كل تلك الدوائر بالمجلس العسكري المعزول. وحمل عزل المجلس الأعلى للقوات المسلحة الأسبوع الماضي معنى التغيير الشامل في البنى الفوقية للمؤسسة العسكرية المصرية؛ بعد أن شملت قادة مختلف الجيوش والأسلحة والفروع. وأيا كانت المثالب والآثام المقترفة من جانب المجلس العسكري فلا يمكن أن نتجاهل تحالفه مع الإخوان المسلمين.ما قام به الرئيس مرسي كان زلزالا، ما زالت توابعه كامنة، لن تمر دون تأثير على جماعة الإخوان المسلمين، والأسباب لدي واضحة. ويمكن إيجازها فيما يلي:أولا: هذا الزلزال عبر في حقيقته عن طلاق بائن بلا عودة بين المجلس العسكري والإخوان، والطلاق البائن يترك جروحا من الصعب أن تندمل.ثانيا: أن الحليفين استقوى كل منهما بالآخر في مواجهة الثورة وفي التصدي لجهود الجماعة الوطنية المنحازة لها وإضعاف موقفها.ثالثا: راهن كل منهما على النظام القديم، بدءا من تلبية الإخوان لدعوة عمر سليمان لإيجاد تسوية مع القوى الوطنية تنقذ مبارك من السقوط، ولما سقط مبارك وبعده عمر سليمان راهنت الجماعة على المجلس العسكري، وقد راهن عليها بدوره.واستُنفدت الرهانات، ولم يبق للإخوان إلا الاعتماد على تنظيمهم الحديدي، وإمكانياتهم الاقتصادية والمالية الكبرى، وابتعدوا عن الجماعة الوطنية وابتعدت الجماعة الوطنية عنهم، وخصخصوا الثورة لحسابهم، ولم تصدر منهم بادرة واحدة لتمكين قواها من الحكم والقرار.ويعود الفضل في تمكين الإخوان المسلمين من الحكم إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فهو الذي تغاضى عن الشروط الدستورية والقانونية الحاكمة لقيام الأحزاب والضابطة للممارسة السياسية، وأهمها شرط عدم جواز قيام أحزاب على أساس ديني، وسمح بالأحزاب الدينية، ثم قام المجلس العسكري بتأمين لجان الانتخابات وحمايتها، فمر الاستفتاء، ومرت بعده الانتخابات التشريعية والرئاسية بسلام، ولولا ذلك التأمين وتلك الحماية ما كان لتلك الانتخابات أن تتم، بالإضافة إلى أن الإعلان الدستوري الأول والثاني جاءا تعبيرا عن إرادة مشتركة للحليفين، وتم الضرب بالإرادات الأخرى عرض الحائط.وذلك التحالف ترك بصماته الدموية على الفترة الانتقالية التي طالت، وألصقت بالمجلس العسكري وحده كل التجاوزات، وللإخوان نصيب فيها حتى ولو كان بالصمت في وقت كانت كلمتهم نافذة لدى المجلس!.وبدأ ذلك الزلزال يترك أثره على البنى الفوقية للقوات المسلحة المصرية وامتداداتها التحتية، ولن يكون الإخوان المسلمون بمنأى عنه، مع توالي توابعه، وبعدما تتكشف أسرار تلك القرارات. ومن الممكن أن تخف وطأة التوابع لو لم تتعدد الجبهات واستمرت عند حدود المجلس العسكري، دون فتح أكثر من جبهة في وقت واحد، والمعركة على أشدها بين الإخوان والإعلام، وهي أخطر المعارك، ولا يجب التهوين منها، ناهيك عن جبهة القضاء، خاصة المعركة المحتدمة مع المحكمة الدستورية العليا، ومن الصعب خروج الجماعة، (ومعها الرئيس) سالمة.والعمل الإعلامي الوطني منذ ما قبل الثورة وهو يتخذ طابعا جسورا، ويتصدى بجسارة لإعلام النظام القديم وما زال مدافعا ومنحازا للثورة، والإعلام المصري بشكل عام موزع على ثلاث جبهات هي: جبهة إعلام الثورة، وإعلام الفلول المضلل، وإعلام الإخوان المتدني وعدم قدرته على إدارة حوار صحي مع المجتمع، وشتان بين الثلاثة، فما زال إعلام الثورة موثوقا فيه وله تأثيره على الناس. والعمل الإعلامي الجسور هو الذي هز عرش مبارك، ومهد لثورة 25 يناير.خسر الإخوان كثيرا عندما اختزلوا الإعلام في توفيق عكاشة وقناة الفراعين، وهي قناة لم يأخذها أحد مأخذ الجد، وصحيفة ‘الدستور’ ورئيس تحريرها إسلام عفيفي ومالكها رضا إدوارد، وإذا كان الصراع المتوقع في المرحلة القادمة بين الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية، فمعنى هذا أننا سوف نشهد وضعا جديدا لم تمر به الحياة السياسية المصرية، على مدى قرنين، وخلالها لم تهزم المؤسسة العسكرية المصرية إلا أمام غزو خارجي، أو بفعل معاهدات جائرة، أو بقهر الاحتلال.وتشهد على ذلك معاهدة 1840، وجاءت ترجمة لموقف الامبراطوريات الأوربية، واتحادها ضد قوة مصر السياسية والعسكرية، وعلى أساس تلك المعاهدة تمت تصفية الجيش المصري، وبعدها بسنوات خضعت مصر للاحتلال البريطاني، ووضع جيشها بالكامل تحت قيادات عسكرية بريطانية، وجاءت معاهدة كامب ديفيد 1979، فانخفضت بأعداد القوات المسلحة إلى الثلث، وتغيرت عقيدتها القتالية لتصبح صدى للعقيدة القتالية الصهيو غربية؛ بمحاورها الثلاثة؛ حماية أمن الدولة الصهيونية، ومحاربة الإرهاب (بمعنى التصدي لحركات المقاومة الوطنية والإسلامية)، والحفاظ على مصادر الطاقة لصالح الاحتكارات الغربية، وتغير الوضع مع بدايات خطوات تمصير القوات المسلحة بعد ثورة 1919، ثم بتنفيذ هدف بناء جيش وطني قوي كأحد أهداف ثورة 1952.ومشكلة ذلك الزلزال أنه تم على أرضية الخصومة مع الثورة وإجهاض مطالبها، التي ما زالت مطالب إصلاحية وأقل من العادية؛ لا ترقى إلى مستوى الإجراءات الراديكالية، التي تتخذها كل الثورات؛ فلم تحدث أي تغيير في هياكل الاقتصاد العشوائي، ولا في قواعد السياسة التابعة، ولا مع مضامين العلاقات الاجتماعية والإنتاجية القائمة على الظلم وعلى استغلال الفجوة الشاسعة بين الغنى والعدم، مكتفية بإزاحة رأس الحكم، وبإحلال حزب العدالة والتنمية محل الحزب الوطني المنحل، وخرجت الثورة ‘من المولد بلا حمص’.وما زالت الثورة على حالها، فهي لم تكسب شيئا لتخسره، والمجلس العسكري هو الخاسر الأكبر يليه الإخوان المسلمون؛ فالمجلس العسكري حصد استهانته بالحريات، وفشله الذريع في إحداث تطور اقتصادي يذكر، بل على العكس كانت إدارته للاقتصاد وبالا على البلاد. ولم يستطع أن يستغل الشعبية التي وصل إليها في الأسابيع الأولى للثورة، وتجسدت في شعار ‘الجيش والشعب ايد واحدة’، وكان بإمكانه تعبئة الشعب من أجل تلبية مطالب الثورة وتحقيق أهدافها، وركز جهده على الملاحقة وإهدار كرامة الثوار وإذلالهم، ويوم أن تخلص الرئيس مرسي من المجلس العسكري كانت شعبيته قد تدنت إلى ما دون الصفر، وهذا يسر عليه مهمته، ومكنه ذلك من قلب الطاولة في وجه المجلس الأعلى للقوات المسلحة.وإذا كانت الأمور لم تنجل ولم تعرف كل الأسرار الحقيقية عن القرارات بعد؛ فهناك مؤشرات مستخلصة مما نشر في صحيفة ‘الأهرام’ يوم الثلاثاء الماضي على لسان عدد من رجال الصف الأول في جماعة الإخوان وحزب ‘الحرية والعدالة’؛ وصفوا القرارات بأنها صدرت لإحباط مخططات ‘الثورة المضادة’!! وفضح الذين يعملون على نشر الفوضى، ورد على أحداث سيناء ‘التي اظهرت حالة من التراخي في أداء المؤسسة العسكرية وعدم الانضباط في هذا التوقيت بعكس الإسرائيليين’ على حد ما جاء في التصريحات. وقال عصام العريان القائم بأعمال رئيس حزب الحرية والعدالة، ‘لقد كشفت هذه القرارات الطرف الثالث الذي يعمل علي إعاقة مسيرة التحول الديمقراطي لشعب مصر’!!. وهو اتهام واضح وصريح لحليف الأمس، ومن المتوقع أن يترك ذلك تأثيره على أي علاقة مستقبلية بين الإخوان وبين أي طرف في الجماعة الوطنية. وإذا كانت تلك إجراءات عقابية اتخذها رئيس البلاد ضد ذلك الطرف الثالث والمتراخين غير المنضبطين من العسكريين؛ فلماذا لم يسبقها أو يعقبها حساب أو مساءلة؟!. ويبدو أن الرئيس مرسي اقتدى بنهج السادات بالتغيير عن طريق الصدمات المفاجئة! وتمادى العريان وقال بوجوب ‘الالتفات الى أن البعض كان يسعى لقطع الطريق امام اعادة بناء البلاد وعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية’ وهو كلام يعبر عن قلة الحيلة!.ومن جانبه وصف حلمي الجزار ـ القيادي بحزب الحرية والعدالة القوات المسلحة بأنها غير منضبطة!!، وقال: ‘إن القرارات أثر من آثار حادث رفح الذي أظهر ـ للاسف ـ ان مؤسستنا العسكرية في هذا التوقيت غير منضبطة بعكس اداء المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي كان ردها سريعا وقويا ومؤثرا فور وقوع الحادث، ومن يقصر فعليه إفساح الطريق لغيره’!!.وهذا أكدته مجلة السياسة الخارجية الأمريكية ‘فورين بوليسي’ في عددها الأخير، وذكرت أن الرئيس محمد مرسي استغل ما وصفته بـ’مذبحة رمضان’ لتحقيق مكاسب سياسية على حساب قادة الجيش، وأضافت أن المحللين يبذلون جهدا مكثفا لتحديد مصدر الإرهاب في سيناء، ويتم إلقاء اللوم على تنظيم ‘القاعدة’ أحيانا، وعلى جماعات مقلدة لها في أحيان أخرى مثل تنظيم ‘التكفير والهجرة’، وغيرها من الجماعات التي أعلنت من قبل عن تأسيس ‘إمارة إسلامية’ في سيناء!وعلى مستوى أصحاب القرار في واشنطن وعواصم أوروبا وتل أبيب فإن صراع الإخوان مع القوات المسلحة مطلوب؛ وفق نظرية الاحتواء المزدوج الذي برعت فيه السياسة الأمريكية لإضعاف الطرفين، واستنزافهما، في محاولة لتكرار التجربة الباكستانية في مصر، وتحويل سيناء إلى تورا بورا، وبؤرة استنزاف وتوتر دائم؛ شبيهة بمنطقة القبائل الباكستانية على الحدود الأفغانية وفي وادي سوات، وتصبح جرح مصر النازف، وعندما يضعف الطرفان يلجآن كالمعتاد إلى طلب النجدة من واشنطن.لقد ساعد بعض أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة الرئيس محمد مرسي على الإطاحة بقيادتهم العليا، وهؤلاء قد يعتمد عليهم الرئيس في عملية ‘تطهير’ قادمة للقيادات التي ليست على الهوى، وإذا ما حدث هذا فقد ينتقل الجيش من مؤسسة مهنية احترافية إلى مليشيا مذهبية طائفية، وذلك أخطر تهديد لوحدة الدولة، وتبدو تلك القرارات جولة أولى في معركة طويلة بين الإخوان والقوات المسلحة، فهل يتدارك الحليفان اللدودان العواقب قبل فوات الأوان.. وقد يكون فتح ملف شهداء وضحايا الثورة وكشف نصيب كل من المجلس العسكري والإخوان فيه، حيث أن أغلب الشهداء والضحايا سقطوا في فترة شهر العسل بين المجلس العسكري والإخوان، فهل هذا في مقدور الرئيس، وفيه محاسبة للنفس قبل محاسبة الغير؟ وهذه درجة عالية من درجات الاستقامة المطلوبة، التي تبدو غائبة. ‘ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية