ما هي حقيقة تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني حول انخفاض نسبة البطالة؟

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

رام الله-“القدس العربي”: كان يمكن لجلسة مجلس الوزراء الاثنين الماضي التي عقدت في محافظة طولكرم للاطلاع على احتياجات المحافظة أن تمر كسابقاتها لولا تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتيه المتعلقة بحالة البطالة التي تعيشها الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومما نقل عبر فيديو بث على تلفزيون الفجر المحلي في مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية، أن نسبة البطالة “في فلسطين تنخفض بعكس دول العالم المختلفة وتحديدا في فترة جائحة كورونا” وقال إنه “أثناء زياراتنا لمدن الضفة الغربية كان الجميع يؤكد حاجة المدن الفلسطينية إلى أيدي عاملة وهو أمر حدث في الخليل ومن ثم جنين وقلقيلية ونابلس”. وتابع “فلسطين أصبحت بحاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة، لذلك رفعنا الحد الأدنى للأجور… وأصبحنا بقدرة إنتاجية أعلى وبناء عليه سنحتاج للأيدي العاملة، كما رفعنا الحد الأدنى للأجور لاستيعاب الزيادة على الطلب على الأيدي العاملة”.
وحاول اشتية أن يفاجأ الحضور في اجتماعه مع فعاليات مدينة طولكرم بالنتيجة التي توصل إليها، لكن ما جرى هو أن تحولت هذه التصريحات من مادة لمفاجأة الجمهور الفلسطيني وإثبات التطور الاقتصادي الذي تعيشه الأراضي الفلسطينية رغم جائحة كورونا، إلى مادة للتندر والسخرية منها تارة وفي حالات ثانية تحولت إلى وسيلة موثقة لإثبات خطأ المعلومات .

هروب العمالة الماهرة

الصحافي الاقتصادي محمد عبد الله قال في حديث صحافي “يفترض أن يكون رئيس الوزراء الفلسطيني يعرف حقيقة ما يجري على أرض الواقع في فلسطين في ظل أنه رجل اقتصادي كان يرأس أكبر مؤسسة اقتصادية شبه رسمية.
وتابع: “لو افترضنا حسن النية فإنه يمكن هنا أن نستنتج أن رئيس الوزراء كان يقصد على البطالة المرتبطة بالأيدي العاملة المهنية والفنية الماهرة وليس القطاعات الأخرى التي تشهد ارتفاعا في نسبة البطالة”.
وأضاف: “في دولة الاحتلال الإسرائيلية هناك تحسن وطلب كبير جدا على العمال في قطاع العقارات، ما نلحظه يتمثل في أن هناك مشاريع عقارية كبير بعد فترة سنتي كورونا، كما أن أسعار العقارات وصلت لمستويات غير مسبوقة، ترتب على ذلك عمل الاحتلال على تلبية الطلب الكبير هذا من خلال زيادة طلبات البناء وهو ما خلق فرص عمل في كل القطاعات المرتبطة بالبناء والمهن الحرة التي مصدرها مناطق الضفة الغربية، وهو ما انعكس شحا في الأيدي العاملة في السوق الفلسطيني”.
ويؤكد عبد الله أن سبب الإقبال على العمل في المناطق الإسرائيلية يعود إلى فوارق الأجور بين الضفة وفلسطين المحتلة وهي تصل نسبة 1 مضروبة 4 بالمناطق الإسرائيلية، إضافة إلى أن أسباب ترتبط بعدم تنظيم سوق العمالة المهنية والحرفية بالسوق الفلسطينية وهو ما يدفع إلى انتقالها لأماكن تدر دخلا مضاعفا.
وشدد عبد الله أن نسبة البطالة لم تتراجع كما يقول رئيس الوزراء، والصحيح أنها بل صعدت بين الربع الثاني والثالث من عام 2021 أما في دول العالم فخلال السنة الحالية تشير الأرقام إلى أن نسب البطالة تنخفض، وليس كما قال رئيس الوزراء.
ويؤكد عبد الله أنه بحسب مؤشر بلومبيرغ فإن فلسطين تحتل المرتبة الرابعة في أعلى نسبة بطالة، وهذا يعني أننا في أعلى نسبة بطالة في العالم، وحتى لو تراجعت البطالة فإن الوضع يستمر بالسوء.
ويستخدم الصحافي عبد الله تعريف البنك الدولي لكلمة “بطالة” وتعني “من لا يعمل ويريد أن يعمل وهو واقع في سن العمل”، وبرأيه فأنه لو اعتمدنا على هذا التعريف فإنه في فلسطين 529 ألف شخص يعانون من البطالة، وهذا يعني أن النسبة تقول إن البطالة تضرب أكبر من ثلث القوى العاملة الفلسطينية.

تعريف منقح

ويتساءل عبد الله: “هل حقاً نسبة البطالة في فلسطين هي 27.3% في الربع الثالث 2021، وفق تقرير الإحصاء الفلسطيني؟” يضيف: “كما دول العالم، اعتمدت فلسطين تعريفا منقحا للبطالة صدر قبل أكثر من عامين عن منظمة العمل الدولية، يستثني عاطلين عن العمل من صفوف البطالة، فالعدد بحسب تعريف البنك الدولي هو 529 ألف في فلسطين، لكن نسبة البطالة أعلاه بحسب الإحصاء الفلسطيني تبلغ 27.3% أي أنها تمثل فقط 389 ألف عاطل عن العمل بدلا من 529 ألفا.
ويشير عبد الله أن فرقية العاطلين عن العمل المتبقية تم تقسيمها لفئات منها: محبط من البحث عن عمل، وعمالة محتملة، وعمالة تعمل بدوام جزئي وترغب في الحصول على دوام كلي، هؤلاء تم استثناؤهم من نسبة البطالة.
وبرأي عبد الله فإن ذلك يفسر تراجع نسبة البطالة، ويكمل “لكن المسألة لا تنتهي هنا فقط، فإلى جانب عدد 529 ألف عاطل عن العمل، هناك أيضا العمالة الفلسطينية في إسرائيل (145 ألف عامل)، وهو بند يضيفه مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” والبنك الدولي ضمن تقاريرهما عن فلسطين، لأنها عمالة لم تجد فرصتها في السوق الأم (فلسطين).
وبحسب عبد الله فإن العدد النهائي هو 674 ألف فرد من إجمالي قوة العمل، وقوة العمل تعني: العاملون العاطلون عن العمل والعمالة في إسرائيل، وعدد هؤلاء 1.42 مليون فرد.، ما يعني أن نسبة البطالة في فلسطين هي 47.2%، وفق التعريف الموسع والمباشر للبطالة.

مبادرات التحقق دخلت على الخط

وتساءلت منصة “كاشف” الفلسطينية المتخصصة بالتحقق من الأخبار وتصريحات المسؤولين: “هل انخفضت نسبة البطالة في فلسطين وفقاً لتصريح رئيس الوزراء الدكتور محمد اشتيه؟”.
وجاء في نشرة تحقق مرصد كاشف من دقة المعلومات التي تحدث عنها الدكتور اشتية، بالرجوع إلى تقارير دولية ومحلية ووجد أن تصريحاته غير دقيقة للأسباب التالية:
أولاً: ارتفعت نسبة البطالة في فلسطين بسبب جائحة كورونا وفقاً لجهاز الإحصاء المركزي، حيث وصل معدل البطالة في عام 2019 إلى 25.3%. وفي عام 2020، ارتفع إلى 25.9%. أما معدلات البطالة في الربع الأول والثاني والثالث من عام 2021 على التوالي فقد كانت: 28، 26، 27%.
ثانيا: احتلت فلسطين المرتبة السادسة على مستوى العالم والأولى على مستوى آسيا في قائمة الدول الأكثر بطالة حول العالم، بنسبة ٢٦.٤% وفقا لموقع “Trading Economics، في آخر تحديث له بتاريخ 27/12/2021.
ثالثا: أما في الضفة الغربية فقط، فقد قلّت بالفعل نسبة البطالة في عام 2021 من 17% خلال الربع الأول والثاني، إلى 15% خلال الربع الثالث، وذلك وفقاً لجهاز الإحصاء المركزي أيضاً. ولكن عزا التقرير هذا الانخفاض إلى ارتفاع عدد العاملين في “المستعمرات الإسرائيلية”. حيث بلغ عدد العاملين في المستعمرات الإسرائيلية في الربع الثاني 19 ألف عامل، وفي الربع الثالث 22 ألف عامل، بزيادة قدرها 3000 عامل. والنتيجة أن الانخفاض كان بسبب ارتفاع عدد العمال في “المستعمرات الإسرائيلية” وليس بسبب زيادة القدرة الإنتاجية المحلية.
ورغم الفروق في تحليل مبادرة “كاشف” والمعلومات الإحصائية التي قدمها الصحفي الاقتصادي محمد عبد الله فإن الثابت بالنسبة إلى المعلومات المقدمة هو أن نسبة البطالة لم تتراجع بل في الحقيقة أن البطالة تتزايد لكن يتم إخفاء هذه النسبة عبر تجاهل الأعداد التي تذهب للعمل في فلسطين المحتلة عام 1948.
وغلبت السخرية على تعليقات النشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي ولا سيما وأن رئيس الوزراء ربط بين رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة الطلب على العمالة الفلسطينية وتراجع نسبة البطالة في العلم أن الحد الأدنى للأجور الجديد الذي يفترض أن يتم تفعليه عام 2022 لا يرقى لخط الفقر في فلسطين وهو لأسرة مكونة من خمسة أفراد هو 2470 شيقل إسرائيلي.
الإعلامي إيهاب الجريري قال إنه من المؤسف أن يستهين رئيس الوزراء بقدرة الناس على التحليل والفهم والمقارنات، ومن المحبط أن نوظف الأرقام في سياقات غير صحيحة… وعلى اعتبار أن كل صوت يعترض على حالة الاستهتار التي تتعامل بها الحكومة مع الملفات الأكثر أهمية عند الناس كالحريات العامة والصحة والعمل والفساد يصبح جزءاً من مؤامرة يتم إخراجها من جوارير أجهزة الأمن، فإنه من الطبيعي القول “إننا نعيش في مؤامرة مستمرة ضد الناس وعقولهم في ظل هذه الحكومة”.
وأضاف: “السر الذي لم يعرفه بعد رئيس الوزراء وراء نقص الأيدي العاملة في مجالات المطاعم والإنشاء والزراعة مردة إلى أن عدد العاملين في “إسرائيل” وصل إلى حوالي 146 ألف عامل في الربع الثاني 2021، حيث كان الارتفاع الأكبر في عدد العاملين في نشاط البناء والتشييد بحوالي 11 ألف عامل يليه نشاط التجارة والمطاعم والفنادق بحوالي 3 آلاف.
وكانت دولة الاحتلال أصدرت 8000 “تصريح جديد للعمل” في الداخل، منحت مع نهاية العام الجاري 16 ألف تصريح عمل جديد.
نمو 7%
وكان الجهاز المركزي للإحصاء قد صرح اليوم الثلاثاء، أن الاقتصاد الفلسطيني سجل نموا بنسبة 7% في الربع الثالث من العام الجاري، على أساس سنوي.
وفق الإحصاء، تشير التقديرات الأولية بالأسعار الثابتة إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثالث من عام 2021 بنسبة 7%، بالمقارنة مع الربع المناظر 2020، والتي تستثني أثر الموسمية، علماً أن سنة الأساس 2015.
وبلغت قيمة الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثالث من العام 2021 بالأسعار الثابتة في الضفة الغربية 3.111 مليار دولار، وفي قطاع غزة 628 مليون دولار.
على أساس فصلي، قال “الإحصاء” إن الناتج المحلي الإجمالي سجل ارتفاعا طفيفا بنسبة 0.1 بالمئة في الربع الثالث من العام الحالي، مقارنة بالربع الثاني من نفس العام.
وسجلت أعلى زيادة في قطاعات: المعلومات والاتصالات، والتعدين، والصناعة التحويلية، والمياه والكهرباء، بنسبة 8%، تلاها نشاط النقل والتخزين بنسبة 7%، ثم نشاط الخدمات بنسبة 6%، ثم نشاط الإنشاءات بنسبة 4%، ثم أنشطة المالية والتأمين والإدارة العامة والدفاع بنسبة 3%، وأخيرا نشاط تجارة الجملة والتجزئة وإصلاح المركبات والدراجات النارية بنسبة 1%.
وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في فلسطين بالأسعار الثابتة 756 دولار خلال الربع الثالث من العام 2021، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 4% على أساس سنوي.
بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية بالأسعار الثابتة 1097 دولار خلال الربع الثالث من عام 2021، بارتفاع 4%، و297 دولارا في قطاع غزة، على أساس سنوي.
وتراجع الاقتصاد الفلسطيني بنسبة 11.5% العام الماضي، في أسوأ انكماش منذ عام 2002، تحت ضغط جائحة “كورونا”، واحتجاز إسرائيل للمقاصة الفلسطينية لمدة 13 شهرا في عامي 2019 و2020.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية