محمد عبد الحكم دياب
فجر تصريح منسوب لمسؤول عسكري كبير، تعليقا علي بيع بنك القاهرة، ردود فعل عديدة. والتصريح يقول انتم كده بتبيعوا البلد، واستكمله بعبارة توحي بالغضب.. لم يبق إلا أن تبيعوا الناس!! ولم يقلل دفاع يوسف بطرس غالي عن سياسة البيع والخصخصة، ولا مستوي التوتر، الذي ساد المناقشة، وأوردته مصادر موثوقة، ولا تَدَخل عدد من الوزراء للتهدئة.
لم يقلل من صراحة المسؤول، ولم يؤد إلي تراجعه، أو يخفف من توتر ساد المكان، ووصل إلي مستوي المشادة مع وزير المالية، المعروف بوزير الإفقار والخصخصة. أثار التصريح قلق أوساط عدة، سياسية واقتصادية، داخلية وخارجية. فلم يتعود أحد، من زمن، علي سماع رأي لمسؤول عسكري بهذا الوضوح والحسم. وهل يعني أنه تعبير عن موقف الجيش، أم أنه لا يتعدي جملة عابرة نتجت عن انفعال مؤقت؟ يعكس رأيا شخصيا أكثر مما يكشف عن رأي المؤسسة؟ وقيمته أنه أتي في وقت تجاوزت العائلة وأمانة السياسات، وحكومة رجال الأعمال الخطوط الوطنية والإنسانية، فبددت ثروة المجتمع، واستولت عليها، ونقلت ملكيتها إلي مؤسسات واحتكارات وشركات صهيونية، بكل ما يترتب علي ذلك من خطر علي الأمن الوطني والقومي. وهذا سبيل تتصوره المنظومة الحاكمة بأنه يمكنها من إحكام السيطرة علي مقاليد الحكم والثروة والنفوذ. ومن الصعب الجزم والادعاء بمعرفة النوايا التي وقفت خلف هذا التصريح. والأيام وحدها كفيلة به.
وهذا أعاد طرح قضية المؤسسة العسكرية المصرية ودورها في حالة غياب حسني مبارك عن الحكم، وهو ما أصبح متوقعا، وزاد احتماله مؤخرا، لأسباب عديدة، منها الصراع الدائر داخل العائلة، ومستوي الشيخوخة الذي وصل إليه مبارك الأب. والجهود تركز علي احتواء ردود الفعل الرافضة لتولي مبارك الابن الحكم، وليس هناك غير المنظومة الأمنية، بولعها المطلق بالبطش، وقدرتها الخارقة علي تحدي القانون والقيم الأخلاقية والإنسانية، والتزامها الحرفي بتعليمات العائلة بالتعذيب والقتل والاختطاف وهتك الأعراض، وتأكد أن لها قدرة عالية علي إطلاق قنابل دخان تعطي انطباعات خادعة، وبها أشاعت أن العسكر يحكمون من 55 عاما. وقد يكون في هذا بعض الصحة، فمن الناحية التاريخية فإنهم حكموا من مطلع الخمسينات وحتي 1967، وحسني مبارك واحد من أبنائها، وممن خدموا في صفوفها لأكثر من ربع قرن، وبالقطع فإن تقاليد الضبط والربط التي تحكم تصرفاته وسلوكه قد تكون هي الشيء الوحيد الذي يمارسه ويفهم فيه، ولم يتسع الأفق لأكثر منه، ومن التفتيش وتوقيع العقاب الوحشي علي المخالف وغير المطيع. والمشهد أمامنا يقول بأن العسكر لا يحكمون الآن، والحكم صار، من زمن، من اختصاص منظومة أخري، هي منظومة الفساد. وكانت تضم، في البداية، فنيين (تكنوقراط)، وإداريين (بيروقراط)، وأضحت الآن مكونة من شرطة ورجال مال وأْعمال وسماسرة ومهربين ومرتشين وبلطجية وقتلة، وقام حسني مبارك بتطعيم هذه المنظومة بعسكريين سابقين، تم اختيارهم من بين زملائه ضباط الطيران. فتح أمامهم آفاق العمل التجاري والمالي. في مجالات السلاح والطيران المدني، والصناعات الاستراتيجية، مثل النفط والغاز والمناجم، وصاروا رسله إلي عالم المال والثروة وليس عالم السياسة والعمل الوطني.
وحسني مبارك يعلم أن اختياره نائبا للرئيس، سنة 1975، جاء في ظروف بدأ فيها العمل علي إضعاف المؤسسة العسكرية، بعد أن قرر السادات أن حرب 1973 هي آخر الحروب. كان واحدا من مرشحين أربعة. أقلهم في الدور والرتبة، وفي ذيل قائمة كان علي رأسها المشير أحمد اسماعيل، وزير الدفاع وقائد الجيش في 1973، والفريق كمال حسن علي، رئيس المخابرات العسكرية ووزير الدفاع ورئيس الوزراء فيما بعد، والمشير محمد عبد الغني الجمسي، رئيس عمليات حرب اكتوبر ووزير الدفاع. آخرهم هو حسني مبارك، قائد الطيران. شطب السادات علي الإسمين الأولين بدعوي الظروف الصحية، ثم شطب علي الجمسي بحجة أنه عسكري محترف، ليس له نصيب في السياسة، ووقع الاختيار علي حسني مبارك، لأنه، حسب قول السادات، ينفذ ما يطلب منه ولا يسبب المشاكل. ومن المعروف أن سلاح الطيران هو أقل الأسلحة عددا وتهديدا. ومصدر التهديد غالبا ما يأتي من الأسلحة الأكبر. مثل المشاة والمدرعات. وقد كانا وراء أحداث 1954، والطرف المؤيد لمحمد نجيب وخالد محيي الدين ضد جمال عبد الناصر وقيادة الجيش، في ذلك الوقت، وهذا يخالف تحليلات تقول ان الجيش دائما مع الشرعية، ونسي هؤلاء أنه هو الذي عزل الملك، بالإضافة إلي أن الشرعية في 1954كانت لمجلس قيادة الثورة، ولم تكن لرئيس الجمهورية، والحراك في الجيش ليس آليا، ومؤسسته ليست صماء أو ساكنة، رغم كل ما يحيط به من غموض وصمت، بسبب طبيعته الخاصة. ونتذكر أن السادات لم يكن يثق في القوات المسلحة، ليلة 14 ايار (مايو) 1971، بعد استقالة وزير الحربية وقائد الجيش، الفريق أول محمد فوزي، مع من استقالوا من الوزراء احتجاجا عليه، ولم يجد لديه غير الحرس الجمهوري، فكلف قائده، الفريق الليثي ناصف، اعتقال القادة والمسؤولين في الحكومة والاتحاد الاشتراكي العربي والجيش.. وكان ناصف هو المنفذ الفعلي للانقلاب، بدعم سياسي وإعلامي من قبل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، ويتردد أن سقوط قائد الحرس الجمهوري من شرفته وموته في لندن، يعود إلي رغبة قوي يهمها استمرار الحظر قائما علي أسرار ذلك الانقلاب.
ويغيب عن البعض أن المؤسسة العسكرية تمتعت بالمشروعية الوطنية، إذا جازت التسمية، واستمدتها من مشروعية الثورة، وتطورها وانجازاتها، وهو شيء ليس له وجود الآن. ومشروعية النظام الحالي انقلبت بصدور قرار الانفتاح الاقتصادي سنة 1974، وهو يمثل البيان الأول للثورة المضادة. وعلي أساسه توقفت التنمية، واستبدلت بالاندماج في السوق الرأسمالي، وحلت التبعية محل الاستقلال، وسيطر التوجه الانعزالي، وتم فك الارتباط مع الأمة العربية والقضايا القومية، خاصة قضيتي الوحدة وفلسطين، وجري استدعاء رأس المال ليستعيد سيطرته علي الحكم، بعد ما كان الحكم لصالح الفقراء والطبقة الوسطي ومحدودي الدخل، واقتضت التغطية علي هذه التراجعات والتنازلات نشر زعم يقول بأن العسكر يحكمون من 55 سنة. ولو اقتصر الحديث علي البعد التاريخي والتعرض لسلبيات مورست عندما كان للمؤسسة العسكرية باع طويل في التوجيه والحكم لكان القول منطقيا ومرحبا به، خاصة أن الثورة المصرية كانت التجربة الأولي، التي أتاحت للعسكريين قيادة التغيير وبناء نظام سياسي جديد. ولو كان ذلك كذلك لكان الأمر مفهوما، أما حين يكون الهدف تزييف التاريخ وتشويه وقائعه، فمن السهل علي حكم بوليسي فاشي عائلي أن يدعي ما يدعيه، ويصف نفسه بما ليس له أو فيه. فمن يعمل ويبني، حتي لو أخطأ، ليس كمن يهدم. فمن ذا الذي يساوي بين قامة حسني مبارك وقامة أحمد عرابي، ومحمود سامي البارودي، وعزيز علي (المصري)، والمواوي وأحمد عبد العزيز، ومحمد نجيب وجمال عبد الناصر والضباط الأحرار، وعبد المنعم رياض ومحمد فوزي، وسعد الدين الشاذلي وعبد المنعم واصل وفؤاد غالي، عشرات ومئات، لا يتسع لهم المجال، من أبطال وشرفاء العسكريين، لم يتخلوا أبدا عن شرفهم العسكري أو الشخصي، ولا تاجروا أو تكســـبوا مــن الشرف الوطني والقومي، مهما واجهوا مــن ظروف، في نشوة النصر أو تحت وطأة الهزيمة.
من الطبيعي أن يتطلع كثيرون إلي القوات المسلحة لتكون معهم لا عليهم، في ظروف غياب وضعف قوي وأدوات التغيير، وفي زمن يزيف فيه الوعي، بالادعاء بأن الحل هو في الاندماج في المشروع الغربي، في عملية تلفيقية، لا تحل ولا تربط، يقوم بها فريق من المثقفين والسياسيين. مع علمهم أنه مشروع مصهين من شعر رأسه إلي اخمص قدمه، والمنادون به موزعون بين ساذج ومخدوع. ونموذج الليبراليين الجدد، في مصر، أعضاء لجنة السياسات والوزراء من رجال الأعمال والسماسرة.. تتشوه علي أيديهم المثل العليا والقضايا الكبري. فباسم الديمقراطية ترتكب أبشع الجرائم وأكبر الحماقات، وهل مثل هؤلاء يمكن أن يكونوا امتدادا لنظام يوليو، الذي كان معاديا، بطبيعته، للصهيونية والعنصرية والاستيطان والاستعمار، ومحاربا عنيدا للاقطاع واستغلال رأس المال، ومنحازا بإصرار للفقراء، غير معاد للشعب وغير موال لأعدائه.
تشويه المؤسسات الوطنية، بما فيها المؤسسة العسكرية، يرمي إلي غلق أبواب التغيير، وسد منافذ الحرية والديمقراطية، والحيلولة دون التغيير السلمي، فيضطر الناس إلي التسليم والاستسلام لواقعهم المر، فتتهيأ الظروف لنقل السلطة، رسميا، من الأب إلي الأبن. لكن نشعر أنه من الصعب أن يتحقق ذلك بغير انقلاب بوليسي، قد يأتي مصاحبا أو تاليا لمؤتمر الحزب الحاكم في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم. واتخاذ وجود الإخوان المسلمين في مجلس الشعب، وحجة التخلص من الحرس القديم مبررا لاستخدام قانون الطوارئ في تنفيذه، لأن الاحتمال الأضعف هو أن تنتقل السلطة إلي جمال مبارك عن طريق الجيش، فقوات الأمن والشرطة أقوي ولها الهيمنة، وتنتظر ساعة الصفر. وما حدث من تعذيب وانتهاك للأعراض، وقتل بيد الشرطة، ليس إلا تدريبا علي أسلوب المعركة القادمة مع الشعب، إذا لم يرضخ، وفي مواجهة الجيش، إذا لم يقبل أو يذعن، وضد المثقفين والسياسيين والمحتجين، الذين سيجدون الأمن من أمامهم وفرق التعذيب والموت من خلفهم.
قد يكون ما ورد علي لسان المسؤول العسكري نوعا من إبراء الذمة، أو يكون رسالة طمأنة بأن الجيش عند حسن الظن به، والتأكيد علي أن الكرة في ملعب الشعب، وإذا ما خرج وطلب العون فسوف يجد من يلبي في لحظة قادمة، تبدو من أصعب اللحظات وأكثرها حراجة في تاريخ مصر والمنطقة.