ما وراء الرواية في «صبريانا» للتونسية فضيلة مسعي

تريد هذه المقالة أن تنظر في طبيعة المادة المسرودة في رواية «صبريانا» للتونسيّة فضيلة مسعي، التي صدرت عام 2018 عن دار غراب للنشر والتوزيع في مصر بوصفها رواية (الميتافكشن)، التي جمعت نصوصا ماورائية من فضاءات مختلفة وأدخلتها في متنها، وهي تعيش أجواء الاحتلال الأمريكي لبغداد والعراق عام 2003، والميتافكشن، حسب الناقدة باتريشيا وُوه: الكتابة التخييليّة التي تلفت الانتباه بطريقة واعية بذاتها، وانتظاميّة لوضعيّتها بوصفها نتاجا مصنوعا، يطرح الأسئلة حول العلاقة بين المتخيّل والواقع، من خلال استدعاء سرديّات أخرى قد تكون قصصا، أو حكايات، أو صورا، أو كتبا، أو روايات تأخذ مكانها داخل الإطار الأوسع للرواية نفسها، وهذا ما وجدته في سرد «صبريانا» الذي حضر فيها سرد (راوية الخزرجي) في روايتها غير المسماة المجلوبة من خارج متن صبريانا، وهي تنفتح على عوالم سرد متعدّد آخر لتشير إلى حضور رواية داخل الرواية نفسها.

بناء وسردا

تفتتح راوية الخزرجي السرد بمفتاح شهرزاد المغاير، لتجعل الباب مفتوحا للساردة صبريانا، وهي تهيمن على مقدرات الرواية بناء وسردا، فتقدّم شخصيّات تنتمي بشكل واضح إلى الحياة البغدادية، وقصصا مختلفة، وروايات أخرى، وجملة أشعار، وسِير أشخاص، وعوالم غرائبية، وانتماء صريحا للأرض، واقتحاما لعوالم تخيليّة، يعْبرُ من خلالها النصّ فجوات الواقع والمعرفة إلى فضاءات أخرى تجمع بين ما هو تخيليّ، وما هو واقعيّ من خلال إلحاق سرد بسرد آخر، وحضور حكي يحاول أن يشرك المتلقي في تلقي الرواية، والتفاعل مع أنساقها المضمرة ضمن مسار متداخل مع النصوص الداخلة في بنائها وهي تقدّم نصّا لاحقا على نصّ سابق، كي تؤكّد سردها المقدّم في إطار فاعل جديد يشي بوعي التحديث السردي في الرواية الجامعة.
يُفهم من قراءة الرواية أنّ (صبريانا) الحفيدة كانت تعمل مضيّفة في الخطوط الجويّة العراقيّة، قبل الاحتلال الأمريكي للعراق، والدها مُحام هاجر مع أبنائه إلى الدنمارك من دون زوجته التي أصيبت في تفجير شارع المتنبي ليبتر أحد ساقيها، وهي تعيش مجتمع السرد شبه مجنونة مع أحلامها.
أنجبت صبريانا من ناظم صديق الطفولة الذي مات في حادثة سقوط طائرة (أويس) من دون زواج، وتلك حكاية ستسردها الرواية في ما بعد، وصبريانا مثقّفة، ولها رواية بعنوان (طوق الياسمين) ستصدر في ما بعد، وقد جعلها السرد جزءا من رواية (الخزرجي) التي تعرف الكثير عنها، هنا نحن إزاء رواية داخل رواية أخرى؛ روايتان في إطار سردي واحد، لكنّ الغلبة ستكون لسرديّة صبريانا الحفيدة، وهي تفتح مغاليق السرد على عدّة منعرجات، فتهمّ في كتابة روايتها الجديدة (امرأة تعشق جثّة) التي مؤداها أن امرأة عشقت جثة، وأنجبت منها بعد موت صاحبها، طفلا، وقد تسربت سرديتها إلى متن رواية «صبريانا» التي نحن بصدد الكتابة عنها، دون أن تدري منفتحة على عوالم ما وراء الرواية الغنيّ بالسرد والدهشة والتأمل.
يتبيّن للمتلقي من خلال قراءة الرواية، أن صبريانا القادمة من حلم (راوية الخزرجي) هي في حقيقة الأمر صبريانا الجدّة، التي رسمها رسام فرنسي في القرن التاسع عشر، ترى كيف تمّ ذلك؟ تسكت الرواية عن التفصيل، وهذا ما لم تدركه صبريانا الحفيدة إلا في ما بعد، وبهذا التشكيل السردي يفتح السرد مغاليق أخرى تعبر القرون في رواية متحركّة نامية، يمكن زيادة سردها بوساطة صبريانا الحفيدة وهي تسرد قصّتها عن ناظم، وولادة طفلها (أويس) ليكون السرد جامعا لأكثر من رواية وإن اختلف الزمان. تستعير الرواية من خارج متنها لوحة شهيرة من لوحات المعرض الوطني للفنون في واشنطن؛ أعني لوحة (القارئة) للفنان الرسام الفرنسي جان أونريه فراغونار، وهو من أشهر رسامي فرنسا في القرن الثامن عشر كانت بيد امرأة فرنسيّة: أمريكيّة اسمها(جانيت) مطبوعة بعدّة نسخ، وكانت تلك الفرنسيّة تهديها لزوار اللوفر عربون محبّة وتعارف، واعتزازا بتراث بلادها الجميل، منهم صبريانا الحفيدة، وها هي تصبح – اللوحة المنسوخة – ملكا لها، وهي في زيارة خارج عملها اليوميّ في باريس، قبلتها بود، وقد فاجأتها المفارقة: كيف للوحة فرنسيّة تكون في متحف وطني أمريكي؟ كان ذلك السؤال قد ضايق الفرنسيّة أيضا؛ تلك التي تحدّثَت صراحة عن وجود الآثار الأوروبية والآسيوية والعربية في المتاحف الأمريكية، وعندي أن التضايق هنا أحال على نسق مضمر مؤداه أنّ عمليات القرصنة، والتجارة، والنهب كانت وراء ذلك الفعل الشنيع الذي رفضته الفرنسية، ثمّ صبريانا، فالآثار والمقتنيات، والمخطوطات تراث وطني للبلدان التي وجدت فيها، وليست أيقونات للنهب، والعرض التجاري، وهذا ما فعلته فرنسا أيضا، وهي تهيمن على آثار مصر والجزائر، وغيرهما. تناهى إلى سمع صبريانا صوت رخيم أثناء انتظار الإقلاع، وسط شخير قسم من المسافرين تأكد لها أنّه صوت القارئة في اللوحة، وهي تقرأ بصوت واضح كتابا بيدها، حتى قدّر لتلك اللوحة في ما بعد أن تكون جزءا من بيتها، تكلّمها أنّى شاءت، وهي تحيل على وجود كتاب يقرأ، ويبدو لي أن إعجاب صبريانا باللوحة هو الذي دفعها لأن تجعلها صورة لغلاف رواية الخزرجي التي تحمل اسمها: صبريانا، وهذا حضور آخر للّوحة التي صار وجودها في السرد سردا مضافا.
وكان للّوحة أن أرسلت رسالة إلى صبريانا بتوقيع زوجها ناظم، يعلن فيها عن سوء الفراق الذي حدث بينهما بسبب موته الذي فرّط في حبّات اللؤلؤ التي تحيل على حياتهما الهانئة التي عاشاها معا، ولم يعد بمقدوره جمعها، فالموت هو الحقيقة الوحيدة التي يصدقها الجميع، وعند الزوج ناظم أنّ صبريانا هي الوحيدة القادرة على إعادة بناء تكوينه النفسي بعد أن غادر الحياة.

شكّل حضور اللوحة الناطقة في متن الرواية تجريبا جديدا قَبِلَت به الرواية بوصفه شكلا من أشكال الغرابة التي يحبّذها المتلقي المعاصر، بوصفها نمطا من التحديث الأسلوبي الخاص بالرواية الحديثة، فضلا عن أنّ ذلك الحضور تمثيل للذات المبدعة على صفحات إبداعها وهو يحتكم إلى إجراء غير مألوف خلقته تحولات الوعي بالكتابة السرديّة الحديثة وهي تعيش تحولا ما بعد الحداثة بوساطة الماورائيّات. وتحضر الكتب من فضاء ما وراء فضاء الرواية، لتكون سردا مضافا إلى سردها من خلال كتاب يوري لوتمان (بنية النصّ الفنيّ) الذي صار حاضرا في متن الرواية أثناء تصفّح الساردة امرأة اللوحة في كتابها النادر، الذي يحيل بدوره على سرد آخر ليؤكّد استحالة زيارة الأحياء للأموات، والعكس صحيح عنده، لكنّ الساردة كانت تهجس الضدّ من الكلام السابق ففي نصّها ليس هناك شيء محال وبعيد عن المنال أمام الروح والجسد، والسرد في الرواية مطمئن، بأنّ الروح تتواصل مع الروح الأخرى بتماه يحيل على التحام الجسد مع الجسد الآخر برغبة حميمة من حبّ قديم له سيمياؤه الخاص.
ينفتح نصّ الرواية على غرائبيّات أخرى تتجاوز محكيّ اللوحة الناطقة إلى سرديّة ولادة صبريانا طفلها (أويس) من (زوجها) ناظم بعد تسع سنوات من موته! كان ذلك قد وقع عن طريق تلقيح بويضة مخصّبة لصبريانا أودعتها في بنك جينيّ مخافة أن يتأخر زواجها، ويتقدّم بها العمر، وتُحرم من الإنجاب ببويضة كان ناظم قد أودعها أيضا، بموجب وصيّة سردتها الرواية، وفيها رجاء أن يولد الطفل ويكبر في ظلّ عراق مستقل بلا قتل ولا دم، وكانت النتيجة أنّ الأب مات من قرابة عقد من السنين، والطفل لم يكمل السنة الأولى من عمره!
وتحضر حكايات مختلفة أخرى في نصّ الرواية مؤكّدة تداخلها مع سرد الرواية، منها حكاية الساردة صبريانا الحفيدة وهي تقصّ سرديّة (جراب سبحان) الذي ظلّ يجوب العراق على ظهر حمار أسود، وهو ينتطق حزاما من الحلفاء مردّدا (عمي جراب سبحان)، كان مثار عطف الجميع، وهو كما تقول الساردة من أصول سنغاليّة عاش في ميسان، ثمّ انتقل إلى الموصل اسمه الحقيقي (سعد الخياط) وقد ذهبت عائلته ضحية فتنة كبرى في الموصل منذ زمن بعيد، بسبب عقر ناقة رجل يهودي، من يومها صار جوّالا في المدن لا يتفوّه الا بعبارته الموجزة الداعية إلى السلام بعد أن رأى الموت يعصف بأبناء المدينة الواحدة، هذه الحكاية المستعارة من سرد الحياة الداخلة في سرد الرواية، تريد التأكيد على لحمة العراقيين في ما بينهم، وأثر الآخر في شقّ وجودها، فهي الأخرى حكاية ماورائيّة وظيفتها الإحالة على سرد آخر تدلّ عليه يكون وجوده ضروريّا لفهم النصّ الكليّ للرواية.

من تلك الحكايات أيضا حكاية صبريانا الحفيدة نفسها، التي كان جدّها من أب تونسي، قدم إلى العراق وهو يافع مع صرّة من تراب بلاده تذكّره دائما ببهاء تونس ليتزوّج من عراقيّة، وقد أحبّه العراقيون كما أحبّوا غيره ممن جاءهم طالبا العيش جوارهم، من يومها أصبحت العائلة عراقيّة الوجه واللسان، وإن اعتزت بجذرها الأول الذي يتراءى في البعد معنيّا بوجود العراق.
وفي الرواية حكاية أخرى؛ هي حكاية المجنّد الأمريكي (بريتشارد) الذي حولت الرواية اسمه إلى (رشاد) وملخّصها؛ أن وزارة الدفاع الأمريكية لقّحت بويضة أخرى لصبريانا العراقيّة بحيوانات منويّة لحريف تبيّن في ما بعد، حسب ما كشف بريتشارد لصبريانا أنّ البويضة لقّحت من حيوانات منويّة كانت مودعة في البنك الأمريكي نفسه، ثم قدّر لتلك البويضة أن ترى الحياة في أمريكا ليكون (بريتشارد) الذي التقى صبريانا الحفيدة، وهي في المعتقل الأمريكي في بغداد، لتكمل الرواية التفاصيل حين جعلته مجنّدا أمريكيّا مشاركا في غزو العراق وهو في الأصل أخ في التلقيح البنكيّ للحفيدة من أب كويتي وأم عراقيّة: تونسيّة اسمها صبريانا عبد الله، اكتشفت في ما بعد أن لها ولدا مجندا أمريكيا يقتل العراقيين، وليس في هذه الحكاية عجب، فهناك والكلام للساردة رواية تونسية اسمها «معسكر الحب» تتحدّث عن قصّة مشابهة لقصّة بريتشارد، وهي في الحقيقة رواية المؤلّفة الحقيقيّة للمتن كلّه أعني: فضيلة مسعي التي من خلال تلك الرواية صنعت لنا معسكرا للمحبّة التي تجمع الجميع، وبحضورها الرمزي في الرواية تكون الروائيّة، حسب باتريشيا وُوه، قد تمسّكت بهويتها الواقعيّة بوصفها مبدعة للنص، فما أن تدخله حتى تصبح حقيقتها موضع شكّ عند المتلقي، ليكتشف في ما بعد أنّ لغة النص تتّجه نحو إنتاجها الخاص ليصبح المتلقي نفسه على دراية مفارقة، تشير إلى أنّ الروائيّة تتموضع في المتن ذاته الذي تؤكد فيه هويتها الخارجيّة.
وثمة حكاية أخرى منقولة من وسائل الإعلام مؤدّاها أنّ صحيفة جورج تايمز نشرت خبر مهاجر عربيّ، عمل أستاذا جامعيا بثقافة مشهودة، زوج لطبيبة شهيرة هاجرا مع ابنتهما الوحيدة إلى السويد، كانت ابنة مدلّلة تشكو الفراغ والوحدة في ظلّ عمل والديها، وقدّر للوالد أن يشتري لها كومبيوترا جعلها تتواصل مع العالم كلّه، لكن سوء حظ (سيلين) وهذا اسمها ساقها للتعرف على صديق قادها يوما إلى شقّة معزولة اقتحمها وهي في الحمام، حسب وصيته فكانت المفاجأة أن والدها الجامعي هو عاشقها المدنّف، وقد غسل عارها خنقا وتقطيعا للجسد بشيفرة الحلاقة من دون أن يغسل عاره هو، والحكاية صرخة عابرة تريد التذكير بسلاح جديد دخل البيوت كلها له حدّان مختلفان، فضلا عن التدليل على ثيمة الأهواء التي لا تعرف عمرا لمكتسبها.

الرفض العراقي للاحتلال الأمريكي

من الحكايات الأخرى التي دخلت متن الرواية حكاية منتظر العراقيّ الذي ضرب بحذائه وجه الرئيس الأمريكي بوش الابن أثناء انعقاد مؤتمر صحافي في بغداد في 14 ديسمبر/كانون الأول 2008 أي بعد الاحتلال، فأصاب أحدهما علم الولايات المتحدة خلف الرئيس الأمريكي بعد أن تفادى الرئيس الحذاء الآخر بسرعة فائقة، والحكاية منسوخة من الواقع أرادت من خلالها المؤلّفة الإشارة الدالة إلى الرفض العراقي للاحتلال الأمريكي، وإن كان مفردا لكنّه في النتيجة عبّر عن شعور الآخرين الرافض للتخريب الأمريكي للعراق، الذي فضحته الرواية، وفكّكت مزاعمه التي كان همّها إسقاط البلاد في الوحل القذر باللعب على خطاب الطائفيّة والعرقيّة لبلاد كانت الأبعد عنهما قرونا طويلة.
إن حضور أكثر من رواية داخل الرواية الموسومة بـ»صبريانا»، فضلا عن آيات من القرآن الكريم، والشعر، والكتاب، واللوحة الناطقة والحكايات السابقة من شأنه أن يدلّ على الربط بين النصّ المدوّن الخاص بالرواية ونصوص أخرى حضرت في المتن بوصفها صيغا (ما ورائية) أتت من حقول معرفية، أو ثقافية قريبة، أو بعيدة من فضاء الرواية من دون أن تعمد (المؤلفة الحقيقية) إلى التنويه بأهميّتها، واستراتيجية تفوّهاتها، وهي في الحقيقة نصوص تنتمي إلى سرديات ما بعد الحداثة لها وظيفة الإعلان عن مغادرة أنماط السرد التقليدي واستبداله بأنماط تعنى بلغة السرد القابض على إشكالات الحياة، ولاسيما تلك التي يتراءى التناقض من بين أنساقها، والسخرية، وفضاءات الألم، والأمل، والربط غير المحكم بين المسرودات لتكون النتائج عرضة للتأويل، واقتراح توصيفات مختلفة تليق وحال المتلقي المعاصر.

 ناقد وأكاديمي من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية