تتوالى الأخبار المقبلة من الصومال، في السنوات الأخيرة، ولا شيء منها يُنبئ بأن تحسناً سوف يطرأ، بلد ممزق يعجز عن ترميم جسده، وبرقيات الأنباء لا تتحدث سوى عن تفجير، اعتداء، تهريب، مساعدات خارجية، جفاف أو مفاوضات لا تنتهي، يكاد هذا البلد يُختصر في صورة عدمية، مساحة شاسعة من الفوضى واللاقانون، لا يرتبط اسمه في ذهن العربي سوى بحرب نعرف متى بدأت، لكن لا نعرف متى تضع أوزارها، نادراً ما نقرأ أدباً من الصومال (إذا استثنينا نورالدين فرح وآخرين قلائل من جيله)، وحين نُصادف كتاباً من مؤلف محلي، سوف نتوقع منه أن يحدثنا عن الضرر الذي حلّ بشخصه أو من عرفه، ننتظر منه حكايات عن طوفان العنف الذي جرف بلده، لا نتوقع منه أن يدوّن صورة أخرى مُخالفة عن الصومال، كما فعل حسن محمود قرني في كتابه «جنوباً: ما وراء السافانا» (دار النسيم، القاهرة)، الذي يبدو من الوهلة الأولى كتاب رحلات، نتهيأ لقراءة سفرياته في شرق افريقيا، لكن المؤلف كلما غادر الصومال عاد إليه، يبتعد عنه كي يتحدث عنه، يطوف في دول الجوار، كي يحكي للقارئ عن الصومال نفسه، لقد قدّم في كتابه نماذج بشرية عن حياة موازية في الصومال، لم تنتبه إليها كاميرات التلفزيونات من قبل.
الصومال أقدم حروب القرن الافريقي وأطولها، والأكثر فقراً، أرض المجاعات والحدود المتحركة، التي تتسع وتضيق، كلما دوّى السلاح بين الأخوة، تلك البلاد التي يتضامن معها الأجنبي من مجرد مرور صور لها في شاشة أو جريدة، هي أيضاً بلاد طرب ومرح، رغم أن لا خريطة ثابتة لها، لا علم يوحد كامل شعبها، فإن الناس لا يستكينون إلى المأساة، لا ينسحبون إلى النحيب، بل يقتسمون بالتقسيط ما تيسر لهم من فرح، والأهم من ذلك أنهم يرقصون كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ويكتب حسن محمود قرني (1986) عن عادات مواطنيه. «يُمارس الشعب رقصة طانتو، حباً بتراثه». تلك الرقصة التي تؤدى في صفين، من ذكور وإناث، والتي يميل إليها الصوماليون كتعبير عن احتجاج، أو مقاومة لما يُعايشونه من أزمات، تكاد تحول الإنسان هناك إلى جندي ـ رغماً عن أنفه ـ في حروب لا تعنيه، ويضيف المؤلف: «تلك الرقصة تُساهم في رفع المعنويات وبث الأمل في قلوبهم»، ورغم كل الذي حصل ويحصل لا يزال الصوماليون يتمايلون بأجسادهم في رقصة «طانتو»، يتبادلون الأدوار بين ذكور وإناث، يمدون أذرعهم إلى بعضهم بعضاً، ويحيون في كل مرة نزعتهم إلى الحب والفرجة.
الصومال أقدم حروب القرن الافريقي وأطولها، والأكثر فقراً، أرض المجاعات والحدود المتحركة، التي تتسع وتضيق، كلما دوّى السلاح بين الأخوة، تلك البلاد التي يتضامن معها الأجنبي من مجرد مرور صور لها في شاشة أو جريدة، هي أيضاً بلاد طرب ومرح
لا ينحصر الصراع على السلاح، ومعارك كسب المواقع، حيث كل طرف يريد أن يكسب كيلومتراً إضافياً من الصومال، أو شاطئاً يوفر لهم توصيلات البشر أو الرصاص، بل تحول إلى صراع ثقافي، انعكس بالضرورة على اللغة التي يتعامل بها الصوماليون، الذين لم يحددواً فعلاً ما هي لغتهم، بين صومالية وأمهرية وعربية ولغات مستعمرين قدامى، لذلك حين نجد كتاباً مثل «جنوباً: ما وراء السافانا» نتساءل ما هي خلفيات المؤلف؟ وكيف وصل إلى الكتابة بالعربية في بلد تراجعت فيه هذه اللغة؟ ويشرح حسن محمود قرني وضعية اللغة في الصفحات الأولى: «اللغة العربية قد تنزاح من الخريطة اللغوية الصومالية، إذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن من ضعف ووهن، وعدم وجود جهة رسمية تهتم بها في ظل الدول والشعوب المتدفقة على الصومال، لنشر لغتها وثقافتها وأيديولوجيتها ومذاهبها الدينية». داوم حسن محمود قرني على تعلم العربية في بلده الأصلي، حيث لم يكن يعثر بسهولة على كتب ولا مطبوعات للمطالعة، ويحكي في رحلته إلى الخرطوم عن دهشته وفرحته بالعثور على جريدة بالعربية في المطار: «تأثيرات النشوة سرت في داخلي بطريقة ديناميكية سريعة. إلهي ما هذا الشعور المتدفق في عروقي وشراييني! إنها الصلة المتينة بيني وبين هذه اللغة التي أحببتها منذ الصغر، رغم أنها انحصرت في زوايا المساجد وصهوة المنابر في المناسبات الخاصة، كخطب الجمعة والأعياد في بلدي».
كلما سافر حسن محمود قرني إلى بلد ما، بحث عن الجزء الصومالي منه، بحث عن مواطنين له، وفي كل مرة كانت الخيبة واحدة، وهو يراهم يتناحرون في آرائهم السياسية، وينقسمون إلى غيتوهات، لم يحررهم السفر من قبليتهم ومن انحيازهم الضيق، ينوي الاقتراب منهم وينتهي به الأمر لأن يفر منهم، ومع التقدم في رحلاته يكتشف أن دول الجوار لا تختلف كثيراً عن حال بلده، رغم أنها لا تعيش حرباً بالسلاح فإنها تخفي حروباً صامتة أخرى، كما شاهده وكتب عنه في نيروبي «ذات الهندسة الإنكليزية الواضحة تخنقها الزحمة في النهار، ويهاجمها البرد في الليل، في ظل الطبقية الفاضحة في كينيا، يرى المرء وراء الطرق السريعة والحياة الغربية الواضحة والبهرجة الحضارية الصارخة، أنينا يتعالى ومعاناة تنهش مخالب أجساد البسطاء والمشردين الذين يملأون الطرقات في النهار، وينامون على الأرصفة، وطيور المجاعة تزقزق في بطونهم الخاوية»، نيروبي مدينة المتناقضات ـ كما وصفها الكاتب ـ لا تتجمل سوى لمن ينظر إليها من بعيد.
نقرأ «جنوباً: ما وراء السافانا» وننتبه إلى أن المأساة قد وزعت على القرن الافريقي درجات، أسوأها في الصومال وأقلها في أوغندا، التي شهد فيها الكاتب واحدا من أفظع المواقف، حيث لا يعبر صومالي الحدود بدون أن يدفع (بقشيشا)، ويحكي ما وقع له مع شرطي الحدود «رجل خمسيني كث الشارب، فارع الطول، فاحم اللون، أجعد الشعر، أفطس الأنف، يتعامل مع الصوماليين باستعلاء وانتهازية كبيرة، وبعد مناقشات طويلة ورد وجذب دفعت له أموالاً غير شرعية، وهكذا فعل صوماليــون بمختلف جنسياتهم وجوازاتهم».
بعدما أتم طوافه في السودان، إثيوبيا، كينيا وأوغندا، عاد حسن محمود قرني إلى مسقط رأسه، على الساحل الجنوبي من الصومال، تذكر سنوات الطفولة وما رافقها من حرب، لم يكن حينها يراوده من أحلام سوى اللعب والتجوال، ترديد الحكايات والأساطير، والآن بعد كل الذي جرى ويجري يقر ألا شيء ينوب عن ذاكرة تأبي أن تنسى، ويداوي المأساة التي يشهدها كل يوم، بالنظر في وجوه من يعرفهم الضاحكة.
٭ كاتب من الجزائر