من يعتقد ان مجلس الامن هو اداة ناجعة لمنع قتل الشعب السوري خاب ظنه مثلما حصل في الماضي وكما سيحصل مستقبلاشلومو افينريمع كل الانتقاد والاشمئزاز من الفيتو الروسي والصيني في مجلس الامن، على مشروع القرار في الموضوع السوري، في نهاية الاسبوع الذي قتل فيه حسب تقارير المعارضة نحو 300 مواطن في مدينة حمص، ينبغي القول ان روسيا والصين أكدتا فقط السبب الذي لاجله احتفظت القوى العظمى الخمسة لنفسها الحق في منع قرارات تبدو لها تمس بمصالحها. من نواٍح كثيرة، فان الامم المتحدة هي كائن غريب: من جهة لكل الدول الصغيرة يوجد ذات الصوت في الجمعية العمومية مثلما للقوى العظمى الامريكية والصينية؛ ولكن عندما يتعلق الامر بقرارات عملية، فقد حرصت القوى العظمى الخمس على حماية نفسها عند تشكيل المنظمة في 1945، وضمنت أن يبقى حق الفيتو في أيديها. التوتر بين الديمقراطية المتساوية ـ المتطرفة في الجمعية العمومية واستخدام القوة في مجلس الامن هو تعبير عن الفجوة بين المثالية القابعة في اساس الامم المتحدة وبين الواقع: هنا يكمن أيضا ضعف المنظمة في يوم الامر. للفيتو الروسي والصيني في الشأن السوري توجد عدة اسباب، بعضها تشارك فيها القوتان العظميان وواحد على الاقل خاص بروسيا. روسيا والصين متمسكتان بشكل ثابت بالموقف الاعظم التقليدي، بموجبه الامم المتحدة هي منظمة طوعية لدول سيادية، ولهذا فليس لها صلاحية التدخل في الشؤون الداخلية لاعضائها. مبادرات الامم المتحدة والمنظمات الملحقة بها، والتي قادت في العقود الاخيرة خطوات حديثة في القانون الدولي وقيدت غير قليل من مفهوم السيادة التقليدي، اصطدمت فورا بالمعارضة من جانب روسيا والصين؛ ولم تنجح الدولتان دوما في منع هذه الخطوات على مستوى التشريع الدولي ولكنهما حرصتا على الا تتخذ الامم المتحدة، في قرارات تفصيلية، خطوات فيها مس فظ بمفهوم السيادة التاريخي. ولما كانت روسيا والصين امتنعتا في التصويت في شأن التدخل في ليبيا ـ والذي فسر لاحقا بشكل واسع جدا من جانب الغرب ـ فانهما تحذران الان باضعاف من الانجرار الى وضع مشابه في الموضوع السوري. ليس هذا موقفا نظريا بشأن مفهوم العلاقات الدولية. فمعارضة مشروع القرار في موضوع القمع العنيف في سوريا ترتبط بحقيقة أن روسيا والصين، رغم الاختلاف بين نظاميهما، هما دولتان ذات حكم مطلق لهما مشاكل غير قليلة مع أقليات قومية وعرقية. روسيا أدارت، ولا تزال تدير، حرب ابادة وحشية ضد محاولات الشيشان نيل الاستقلال. الوحشية التي قمعت بها الثورة الشيشانية فاقت باضعاف وحشية نظام الاسد. فالعاصمة الشيشانية غروزني دمرت تماما تقريبا في الهجوم الروسي وعدد الضحايا المدنيين كان بعشرات الالاف. فلاديمير بوتين اشترى ايضا عالمه في الرأي العام الروسي في أنه منع استقلال الشيشان، ومنع أثر الدومينو في الفسيفساء العرقي الذي يتشكل منه القوقاز. والصين تواصل قمع التبت والاوغريين ـ مجموعتان عرقيتان لكل واحدة منهما قاعدة اقليمية ملموسة. من هذه الناحية، فانه سواء روسيا أم الصين تدافعان عن وحدتيهما الاقليميتين من الامكانية، الملموسة جدا، للانفصال بسبب حق تقرير المصير لاقليات قومية. ولهذا فانهما تخشيان من المنحدر السلس الذي بدايته في التدخل في شؤون سوريا ونهايته هو يحفظنا. والدليل هو أنه حتى الان لم تعن الاسرة الدولية في الموضوع الشيشاني وباستثناء بضعة تصريحات مجردة لم تتناول أيضا الموضوع التبتي. في الحالتين اعتبرت هاتان المسألتان مواضيع داخلية للدولتين ذات الشأن تماما مثلما لم يتدخل الغرب ابدا في القمع الوحشي لاكراد على ايدي الحكومات التركية، في الماضي وفي الحاضر. فضلا عن ذلك، واضح أن لروسيا مصلحة واضحة في سوريا: لا ريب أنها لا تشعر بارتياح من موقفها الجديد كمساعدة لنظام الاسد الدموي. وهذا هو السبب لزيارة وزير الخارجية سرجيه لافروف العاجلة الى دمشق. وقد استهدفت الزيارة خلق الانطباع على الاقل بمحاولة روسية لكبح جماح الاسد. ومنذ صعود بوتين الى الحكم، تحاول روسيا ان تستعيد بعضا من المكانة التي كانت لها في الشرق الاوسط في العهد السوفييتي. سوريا الاسد بقيت معقلها الوحيد في المنطقة، تضمن شيئا ما مشابه لقاعدة بحرية للاسطول الروسي في اللاذقية. من هذه الناحية، فان السياسة الخارجية الروسية هي استمرار مباشر للسياسة السوفييتية. ولكن يغيب عنها البعد الايديولوجي الذي سمح للاتحاد السوفييتي بان يعرض نفسه كجهة تحرير مناهضة للامبريالية. اما ما تبقى فهو بعد القوة العظمى ذات نزعة القوى. ما حصل في مجلس الامن يمثل مرة اخرى فشل الامم المتحدة. من يعتقد أن المنظمة هي اداة ناجعة لضمان حقوق الانسان ومنع قتل الشعب خاب ظنه مرة اخرى ـ مثلما حصل في الماضي وسيحصل بلا ريب في المستقبل ايضا. ومع ذلك فان خيبة الامل من نزعة القوة لدى روسيا والصين ـ والتي كان الغرب مستعدا لان يتوافق معهما في صيغة مشروع القرار ـ كفيل بان يخلق تحالفا بين الدول الغربية والجامعة العربية، يحث خطوات اكثر حدة من تلك التي كانت ستتاح في اطار الامم المتحدة، حيث ينبغي مراعاة الموقف الروسي والصيني. تلميحات أولية بذلك يمكن أن نجدها في تصريحات الرئيس نيكولا ساركوزي وكذا في الرد الحاد من الرئيس براك اوباما ومن وزير الخارجية هيلاري كلينتون. فقد سبق لمثل هذا الامر أن حصل: شلل الامم المتحدة في اثناء انحلال يوغسلافيا دفع اخيرا بالولايات المتحدة والناتو الى عمل عسكري ضد الصرب، لمنع أعمال ذبح في البوسنة وبعد ذلك في كوسوفو. من غير المستبعد ان يحصل شيء مشابه في الحالة السورية ايضا. لشدة المفارقة، الدولة الاساس في تحقيق القدرة على المساعدة العملية للثوار في سوريا هي تركيا، التي انتقلت من التأييد للاسد الى التنكر الشديد له. السنة الاخيرة كانت مفعمة بالمفاجآت في منطقتنا ومرغوب الا نتفاجأ بالتطورات في المستقبل ايضا. الازمة السورية أدت الى توتر بين الولايات المتحدة وروسيا في فترة يخيل ان القوتين العظميين تحاولان اغلاق الفجوات التي نشأت بينهما في عهد الرئيس جورج بوش. حقيقة أن الدول العربية والولايات المتحدة توجد الان في ذات المعسكر لاول مرة منذ عشرات السنين ـ تدل على أن للتحولات في العالم العربي معنى عموم عالمي وليس فقط اقليميا.
هآرتس 10/2/2012