رام الله ـ «القدس العربي»: ما زال الموقف الفلسطيني إزاء الممر البحري الأمريكي الذي يتم العمل عليه ما بين قبرص، جنوب شرق أوروبا، وصولًا إلى شواطئ بحر غزة، ضبابيا، فهو أحد تداعيات الحرب على غزة. ولأجل هذا الغرض عقد مركز «رؤية للتنمية السياسية» ندوة بهدف الوقوف على خلفيات وتداعيات قرار بناء الميناء.
تحدث الأكاديمي الفلسطيني والناشط السياسي سامي العريان عن «دوافع بناء الميناء ومستقبل الحكم في القطاع» معتبرا أنه يخرج للنور من أجل التحكم بعملية الإغاثة الإنسانية وأن تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية، وهو عملية يمكن ان تمنح الاحتلال تغييرا في الصورة السلبية التي تكونت عنه بعد قرار محكمة العدل الدولية.
ويرى العريان أن الميناء يحقق «واقع عزل الشمال عن الجنوب، كونه أقرب من مناطق الشمال منه إلى الجنوب، ويسحب الوجود العسكري الأمريكي (على الأقل ألف جندي) إلى المنطقة، وهو أمر يقابله تقليص دور مصر في المسألة الفلسطينية، وهي (مصر) التي تتمنع في بعض الأمور والقضايا الأمنية التي تطلبها إسرائيل».
ويشدد على أن الميناء قد يساعد على توفير مخرج مجاني للمواطنين للخروج من قطاع غزة في ظل ارتفاع أثمان الخروج من معبر رفح (5 آلاف دولار للفرد) وهو ما يشكل اغراء شديد جدا لأهالي غزة ومناطق الشمال التي تعاني من الحصار والتجويع.
نقطة أخرى يشدد عليها الأكاديمي العريان ترتبط بما بعد الحرب، فهو قد يضمن «بقاء عملية الإعمار والمساومة عليها بيد الاحتلال الإسرائيلي، وهو أمر سيمنح الاحتلال التحكم بعملية الإعمار التي سيجعلها تمتد لعشرات السنوات».
ويستدرك العريان مشيرا إلى أن الميناء قد لا يكون شرا مطلقا في غير الظروف الراهنة التي يمر فيها القطاع، ففي واقع يعتبر توزان القوى فيه مختلفا عن الظرف الراهن يمكن ان يكون مفيدا ولصالح المواطنين.
ويشدد على أن «الإغاثات ليست السبب الحقيقي للميناء بل هناك مخططات خطيرة مفروضة على الفلسطينيين وكي يوافقوا عليها نكون أمام طريق طويل من المساومات في كل مناحي حياة الفلسطينيين».
ويختم العريان حديثه مشيرا إلى أنه لا بد للمقاومة من أن توجد، وألا يسمح بالقضاء عليها، وفي حال حدث ذلك فإنه سيترتب عليها تنفيذ الخطة الإسرائيلية بمساعدة كل الأطراف الفلسطينية والعربية والأمريكية.
فهم ضمن السياق العام
الأمر بالنسبة للمحلل السياسي هاني المصري مختلف نسبيا، حيث يرى أنه وكي نفهم مخاطر الميناء على مستقبل القطاع لا بد من تناول وتشريح السياق الوطني الذي يظهر فيه، «فيجب بناء التقييم وفق السياق الذي جاء وظهر به، وأول هذه المؤشرات ترتبط بوجود خلافات أمريكية إسرائيلية، وتحديدا بعد مسرحية الإنزال من الطائرات وهي عمليات وصفت بإنها أكبر إهانة توجهها إسرائيل للولايات المتحدة الأمريكية».
ويرى المصري أن الميناء جاء لتجنب المواجهة الأمريكية والإسرائيلية، وذلك في ظل حجم الاتفاق على الأهداف والمصالح المشتركة، بعد فشل التركيز على الممرات البرية.
وحسب المصري فإن الميناء جزء من سياق الحرب، وما يجب التركيز عليه هو علاقة رغبة الاحتلال بسياسة التهجير بالميناء، إلى جانب أنه محاولة لتحقيق الأهداف الإسرائيلية ومنها تقليص سلطة حماس عبر استهداف قدراتها ومحاولة منعها من الاستمرار بالعمل وتقديم الخدمات المدينة والشرطية.
ويتابع المصري، أن هناك مجموعة من الاستنتاجات يمكن الوقوف عليها من خلال مشروع الميناء أحدها مؤشر أن «الحرب مطولة». وهو أمر يترافق بتراجع الضغوط على نتنياهو، حيث يستمر في تصريحات الاستمرار بالحرب.
الجانب الثالث بالنسبة للمصري يرتبط بالوضع الوطني الفلسطيني، فالصورة ما زالت على حالها، فـ»رغم كل ما جرى منذ ستة أشهر إلا أن الاستجابة الفلسطينية ما زالت متعاكسة مع الخطر الداهم، وهو أمر تعاظم بعد اجتماع موسكو الذي جاء شكليا، ويعكس مواقف عامة وبهدف الخروج بصورة فلسطينية موحدة».
ويرى أن الحالة الفلسطينية ليست على مستوى الخطر، فيما الواقع يشير إلى أنها حالة بالاتجاه المعاكس في ظل الضغوط على السلطة نحو مطالب زيادة العلاقة بين المنظومة الأمنية والاحتلال، فالانقسام الفلسطيني هو الدجاجة التي تبيض ذهبا للإسرائيليين. وهو ما يعزز المخاطر على الفلسطينيين.
أما المحور الرابع في حديث المصري فتركز على الواقع العربي، حيث وصف الاستجابة العربية إزاء ما يجري في غزة بإنها «سيئة» وأقرب إلى «استثمار العدوان الإسرائيلي لما بعد الحرب».
وختم المصري مشددا على أن ما يحدث في غزة هو إعادة احتلال عملي لكنه «غير مسمى» فكل ما يعلن يدلل على أن الاحتلال يستكمل عملية احتلاله في تعميم لنموذج الضفة الغربية على قطاع غزة، مع تكريس سلطة أكثر استجابة للشروط والأهداف الإسرائيلية، وذلك عبر التعامل مع الفلسطينيين بالقطاعي أو الفردي أكثر من كونه تعامل مع مؤسسات وكيان سياسي.
أسئلة ما بعد الميناء
وتحدث في الندوة المحامي والناشط الحقوقي صلاح عبد العاطي حول «الميناء والتحكم بعملية الإغاثة» مشيرا إلى أن المواطنين في غزة يؤيدون أي مصدر للمساعدات، حتى لو كان من «المافيا» لكن الميناء يجعلنا نقول المثل الشعبي «الحداية لا ترمي كتاكيت».
وتابع: «من حقنا كفلسطينيين ان يكون لنا ميناء ومطار، وسيطرة على كامل المعابر على غزة، كما أن المقاومة طرحت الممر المائي سابقا».
وأكمل عبد العاطي أن سكان غزة لا يجب ان يتركوا وحدهم، فيما سياسة الاحتلال منعت وصول المساعدات وهو ما يجعل هدف التهجير قائما في شمال القطاع، وهو ما حدث قبل أيام من خلال اقتحام مستشفى الشفاء، إلى جانب ارتكاب 12 مجزرة جديدة بحق الغزيين.
ويرى أن التخوف الرئيسي هو أن يستخدم الميناء بالتهجير. وبالتالي يكون السؤال المركزي هو: «كيف يمكن منع التهجير عبر تأمين الناس وتعزيز صمودهم؟».
ويشدد أن السؤال المهم بعد ان يبنى الميناء ويرسل المطبخ الدولي لأول شحنة مساعدات التي تصل الشاطئ، فنكون أمام معضلة: ماذا بعد ذلك؟ من المسؤول؟ حيث فشلت إسرائيل في توظيف العشائر والعائلات في ظل اجماع على عدم التعامل مع الاحتلال. فمن يوزع المساعدات في ظل رفض إسرائيل لعمل المنظمات الدولية في شمال القطاع، وهو ما يعني الإصرار على الفوضى وضرب كل البنى الاجتماعية ولجان الحماية الشعبية.
ويرى أن أحد السيناريوهات التي يمكن أن تنجح هو ان تعمل وكالة الأونروا في هذا المجال إلى جانب مؤسسة الدفاع المدني والبلديات.
الإعمار الاستعماري أو الوطني؟
وقدم الكاتب والأكاديمي الفلسطيني خالد الحروب مداخلة بعنوان «الميناء وخطط تهجير الفلسطينيين من غزة» خص فيها منظور مقارنة بين الإعمار الاستعماري للقطاع والإعمار الوطني. معتبرا أن الإعمار الاستعماري هو البناء وفق المنظومة الاستعمارية والسياسات الاستعمارية بما يضمن استمرار السيطرة وفق الرؤية الإسرائيلية.
«نحن نقف على الهامش فيما البناء يبنى. رؤية الإعمار الوطني وفق المصلحة الوطنية الفلسطينية».
وشدد على أن الفلسطينيين يقفون على «مفترق طرق حساس جدا» فيما عليهم واجب «الانتباه للتفريق الضروري والحاسم والخطير بين مفهومين للإعمار، هناك علاقة رياضية عكسية بين الإعمار والتهجير. فإذا تسارع الإعمار تباطئ مشروع التهجير، والعكس صحيح أيضا، وهو ما يجعل من الوجهة الاستعمارية العمل على إبطاء الإعمار، وهو أمر صرح به مسؤولون إسرائيليون حيث أكدوا على أنهم سيراقبون الإعمار وسيجعلونه مثل القطارة، وهو ما يعني زيادة حياة البؤس وبالتالي الهجرة».
وينظر الحروب إلى الميناء بإنه جزء من مجهود الحرب، بالتالي فهو مفتوح على الاحتمالات، قد يبقى ويستمر وقد يتفكك وينقل لمكان آخر إذا لم يكن في صالح الاحتلال، قد يكون جزءا من تقسيم الشمال والجنوب. وقد يكون جزءا من تسريع الإغاثة في الشمال إلى نقطة يصبح مغريا والعودة إلى الشمال لتفريغ رفح في الجنوب من المرحلين وبالتالي الهجوم عليها.
وأضاف في مسألة الإعمار أن كل محاولات الإعمار تاريخيا تمت وفق رؤى وفلسفة عميقة جدا، وإذا تدخل الاستعمار فيها فإنه سيواصل عملية استعماره بطريقة ناعمة وغير مباشرة.
وطالب بضرورة الانتباه ومحاولة الوعي بأهمية تشكيل هيئات رقابية على كل عمليات الإعمار بحيث تكون وفق الرؤية الفلسطينية وبما يخدم بناء مجتمع متكامل.
ويرى الحروب أن مشروع الإعمار الاستعماري ينطلق من فلسفة تحقيق أهداف الحرب الخمسة وهي: إنهاء المقاومة وتهجير أكبر عدد من السكان، والإبقاء على فصل غزة عن الضفة الغربية، وتدمير واضعاف أي كيانية وطنية فلسطينية حتى لو كانت هشة، عبر ادخال المزيد من الهشاشة عليها، وتفتيت الكتلة السكانية الغزاوية التي تندرج في سياق تفتيت الفلسطيني بشكل عام.
وختم أن الاحتلال يسعى لإعادة هندسة مستقبلات غزة عبر تحديده نمط الإعمار المقبل، و»نحن أمام سيرورة طويلة ستطال إعمار كل القطاعات، وما علينا فعله هو أن ننطلق من الأهداف الخمسة ومحاولة مقاومتها ورفضها».
وختم الحروب بسؤال: ماذا يمكن أن نفعل أمام خطط التهجير من خلال الميناء؟ حيث طالب بضرورة إقامة مسار إسناد شعبي عربي يقوم على مبدأ الدعم القطاعي من: أطباء، مهندسين، معلمين، مزارعين…ألخ من أجل مكافحة التهجير.
فالدعم والتمويل بحسب الحروب، الذي يرفع شعار «مولني كي أبقى» قد يضمن للفلسطينيين البقاء ريثما يستكمل مسار الإعمار الطويل.