ما يحدث في مصر!

حجم الخط
0

علي حسن الفوازما يحدث في مصر من دراما واقعية جدا يثير الكثير من الجدل، والكثير من الصدمات وربما الكثير من البهجات، لأن مصر ليست (بلدا)عابرا في الخارطة السياسية وفي يوميات الزمن العربي، اذ ان ثقافتها الغاوية هي التي اورثتنا الوصية القديمة بانها الماكنة التي تطبع لنا كل شيء، ونحن الذين نقرأ كل شيء، مثلما اوهم سياسيوها العتاة الكثيرين وطوال اكثر من نصف قرن بأنها البيت العروبي الكبير، وان من يصاب بضيم قومي، او من تستعدي عليه صروف الزمان، لا بيت له سوى البيت المصراوي الذي ظل يطبخ الدراما بالسياسة، والامن بأغاني ام كلثوم وعبد الحليم حافظ، والاحلام السرية للشيخ امام مع الاحلام المجهضة للمخرج ممدوح شكري صاحب فيلم (زائر الفجر) وللشاعر أمل دنقل الذي ترك عيون زرقاء اليمامة تنظر في فضاء من الفراغ الدائم.

الدراما اليومية المصرية التي طحنت الشارع والعباد، واخرجت (الغلابة) من قمقم التاريخ الرمزي لميثولوجيا الصمت المصرية، ووضعتهم لأول مر ة خارج لعبة (الاستعار ة اللغوية) و (النكتة السوداء) التي كان المصري ماهرا في صناعة مفارقاتها وقفشاتها، هذه الدراما تحولت الى سياسة من نوع آخر، سياسة حادة وغليظة الطباع ومباشرة في التوصيف والابانة، ولا تمكن حمايتها لا بالأمن المركزي ولا حتى بالأغاني الرومانسية، ولا بالأناشيد التي يتصاعد دخانها عادة مع كل الحروب التي عاشتها الجبهات المصرية منذ عام 1965 ولغاية 1973، وحتى القلعة الثقافية المصرية التي كانت حاضنة لرمزية سرية لحماية النظام الاجتماعي لم تستطع هي الاخرى ان تمارس أي لعبة مضادة، ولا ان تقدم قراءة واحدة لظاهرة هذه الدراما التي تلبست لبوسا غريباً، لبوسا سردياً تدوّن لزمن مصري آخر، خارج لعبة التراكم الذي كان المثقفون المصريون يفتخرون به، اذ يستحضرون الذات الفرعونية التي تقاوم الموت الفيزيقي بخلود الارواح والمومياءات، ويصطنعون للغة مجسات واستعارات واوهاماً يقاومون بها كل الاحزان التي يصنعها التاريخ والطغاة والطبيعة واليوميات الطاعنة بالجوع.. فما الذي يحدث الآن؟ وكيف تسرب كل هؤلاء الغلابة الى الشارع الذي كان لا يخصهم؟ وكيف سيمتحن التاريخ المصري الآن؟ وكيف سيبحث المثقفون المصريون عن حلول طارئة وسريعة للوطن الرمزي الذي ينهار امامهم بكل ذاكرته ويومياته وشواهده؟

احسب ان هذه الاسئلة تخص الجميع ايضا، لان مصر تخصنا ايضا، وان ذاكرة مصر الثقافية هي ذاكرتنا ايضا، وان البيت المصراوي ليس بيت الاشباح، لكن من هو الذي سيرى على طريق جدنا الطاغية كلكامش، والذي احسبه يشبه كل الطغاة الذين يتساقطون الان واحدا بعد الاخر، اذ ستحتاج هذه الرؤية الى عدالة والى مسؤولية، لان الذي يخرج الى الشارع المصري هم الغلابة ذاتهم الذين ضحك عليهم فطين عبد الوهاب كثيرا، وبالغ في صراعاتهم وحروبهم الشخصية صلاح ابوسيف، ووظفهم حسن الامام في سياق العابه السينمائية الغارقة في الميلودراما والخطيئة والطهرانية الفلوبيرية.. هؤلاء المصريون مضادون لـ (الهؤلاء) الذين كتب عنهم مجيد طوبيا، لأنهم يخرجون الى الشارع دون شفرات ودون اغطية، ودون تلصصات، يمارسون شغبهم الاحتجاجي، واحيانهم تمردهم التعويضي على تاريخ اورثهم الخوف، ونام طويلا تحت جلودهم.. لذا يضعنا هؤلاء المصريون الحالمون بمرحلة ما بعد(غضب النيل) عند اعتاب تاريخ جديد، تاريخ للقراءة والكتابة ولمعرفة الذاكرة، وربما لإعادة انتاج كل ادواتها، والبحث عن سياق آخر لها، غير السياق الذي ظل معلقا على الحيطان منذ مئات السنين، ومكشوفا للفرجة ولصناعة الكثير من الاوهام.. الليالي المصرية لا تشبه الليالي الاخرى، ربما هي تشبه كثيرا بعض ليالي (اسامة انور عكاشة) تلك الليالي التي تغيّر حركة المرقاب، وتعيد الكثير من المومياءات الى صناديقه المغلقة، وتدعو اله الشمس (امون) الى الهبوط الليلة عند ميدان التحرير ليقول للغلابة اذهبوا الان واشتروا شمسا غير التي كانوا قد اوهموكم بها كثيرا.

ما يحدث في مصر ليس هو ما حدث (في البر الغربي) كما تقول الدراما المصرية ذاتها، انها حدث عمومي في الغربي والشرقي، في القبلي والبحري، وربما هو حدث سيهز ما حوله من الامكنة التي ظلت تقاوم خرابها باصطناع خرابات مفتوحة للاخرين.

ما يحدث هو الصوت العالي، وعلى الجميع الاصغاء، اذ سيخرج لغواية هذا الصوت كل الموتى الذين تركوا اشباحهم في الزوايا والتكايا، واحسب ان هذا الصوت سيلغي لعبة صناعة الاوهام في مصر وفي غيرها، بدءا من اوهام السلطة والامن وانتهاء باوهام الثقافة، واوهام المثقفين الذين يحتاجون الان الى عملية تطهير كامل من الغبار القديم، بما فيه غبار السرديات الكبرى التي تركتنا صغاراً عن متن التاريخ، وذهبت بنا جموعا نصفق لموتنا الذي تجاهر به الحكومات التي اشترت صكوك التاريخ والمقدس وباعتنا قبورا واوهاما وضلالات واصوات عالية.. ما يحدث في مصر دراما انسانية كاملة الامتياز، يمارس ادوارها الغلابة والحالمون، واظن ان هناك البعض من اصحاب الدكاكين الذي يبيعون كل شيء (يعششون) وسط هذه الدراما المفتوحة، والذين سيركبون موجتها، ليصطادوا فيما بعد السمك الطازج، وليؤكدوا القول القديم بان الثورة واقصد الدراما تأكل ابناءها…

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية