ما يحصل في العالم الاسلامي: ‘لأغلبن أنا ورسلي’

حجم الخط
9

جزء من حالة الإحباط التي أصابت المسلمين بعد أحداث مصر تمثل في سرعة الانتقال من شكل من أشكال القوة والتمكين مع تحدياتهما الى مرحلة الضعف والاستبدال فما كادت اللقمة تصل الى الحلق ويحس أصحاب المشروع والفكرة الاسلامية ورواد الفضلية والعدل وحقوق الانسان بانفتاح آفاق المستقبل بتحقيق الانتصار السياسي في مصر وقيادتها لركب مشاريع التغيير والتحرر العربية حتى عدنا الى ما قبل المربع الأول والى عهد الملاحقة والسجون والحظر والشيطنة وكأن ما كان بينهما لم يكن سوى استراحة محارب أو أضغاث أحلام!!
وما رأيناه من اخلاص وتجرد وتضحية كان في حسابنا كبشر زاد ومقدمة لانتصار انتهى ذلك كله بقسوة تركت آثارها وآلامها في النفس وأحدثت عند البعض ردة فعل سلبية من القنوط والتساؤل أن الى متى نبقى نبذر ولا ندرك موسم الحصاد؟!
غير أن اليأس ليس فقط خيانة كما يحلو للبعض أن يصف إنه ضعف في الإيمان، ففي هذه القضايا المصيرية وسنن الاستخلاف والابتلاء ليس الأمر معرضا للتوجهات الشخصية وطبيعة النفوس فإما أن تكون متشائما أو متفائلا أو متشائلا تجمع بينهما! إن القضية إما أن تكون مؤمنا أو غير مؤمن بقدر الله المثبت في كتابه وسنة رسوله صل الله عليه وسلم من نصر الاسلام، أما القضية والخيار الشخصي هو أن يختار الانسان أن يكون من جند الاسلام وإنفاذ قدر الله في الأرض أو لا يكون، ولكن المحصلة النهائية والنتيجة الخاتمة لا لبس ولا شك عند المؤمنين فيها فالله كتب في اللوح المحفوظ ‘لأغلبن أنا ورسلي’ ونسب تحقيق الغلبة الى ذاته سبحانه وتعالى بأيدي رسله فهو قرار رباني وليس خيارا أو عملا إنسانيا بحتا وحتى الجهد البشري يكون اصطفاء من الله فليس الجميع مؤهلين ليكونوا رواحل تحمل قدر الله في أرضه والى عباده، فالبعض لا يصلح أن يكون أكثر من متطفل ينتظر الفتات على مائدة أعدها غيره، وبعضهم ليسوا معنيين أصلا أو معادي فاولئك لا بد أن يبتعدوا ويمحصوا ويتغربلوا حتى يستوي سوق الفكرة والمشروع على قوة دون طفيليات تحد من نموه و الله لا يُستعجل لا بحساب الأيام البشري ولا بحساب التضحيات مهما طالت الأولى وكثرت الثانية، بل إن التاريخ علمنا أن المرحلة التي تبلغ فيها القلوب الحناجر أو مرحلة يأس الرسل ‘حتى إذا استيأس الرسل’ هي المرحلة الني يتبعها نزول النصر ‘جاءهم نصرنا’ ولكن العجلة طبيعة بشرية لو نجى منها أحد لنجى الصحابة والرسول بين ظهرانيهم عندما أتوه ليشكوا اليه ما أًصابهم ويستغيثون بدعائه ونصرته فأخبرهم أنهم ليسوا فريدين في ضراوة الابتلاء فالأمم السابقة عانت بشاعة التعذيب ونشرت بالمناشير كما ورد في الحديث ولكن ذلك لم يصدها عن دينها أفيصبر أهل الباطل على باطلهم ويجبن ويتزعزع أهل الحق عن حقهم؟! ثم فتح الأفق أمامهم في تربية نبوية حريصة على بث روح الأمل كعبادة وأخبرهم أن ما يعانونه سينجلي عن أمان وتمكين وليس أي أمان وتمكين، إنه أمان وتمكين يمكن المرأة، وهي الأكثر رقة واستضعافا في المجتمع، أن تسافر وتتاجر دون رفقة ولا معين ولا حام من الرجال لو كان الاسلام يتمكن بمجرد الأماني أو صغير التضحيات لحصل ذلك مع الرسول، ولكن حتى في زمن الرسول قاسى الأمرين من التعذيب وفقد الأهل والتآمر والطرد حتى يعلم البشر أن بلوغ الفتح أمر صعب وخطير وجلل، وهل أكثر من حالة الضعف التي وصل اليها المسلمون في زمن المغول يوم بعث هولاكو لقطر رسالة تيئسية أرادت أن تغلق عليه منافذ الأرض والسماء والدنيا والآخرة وحتى باب الله فقال له ‘اتعظوا بغيركم، وسلّموا إلينا أمركم.. قبل أن ينكشف الغطاء، فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرق لمن اشتكى.. فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد.. فعليكم بالهرب، وعلينا بالطلب.. فأي أرض تأويكم؟ وأي بلاد تحميكم؟ فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من أيدينا مناص فخيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، ورماحنا خوارق، وسهامنا لواحق، وقلوبنا كالجبال، وعديدنا كالرمال. فالحصون لدينا لا تمنع، والجيوش لقتالنا لا تنفع.

د. ديمة طارق طهبوب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية