سعد القرش في الطريق إلى الدوحة، لحضور مؤتمر ( العرب بين البحر والصحراء)، مرتحلا في السحاب أو فوقه، خيل إلي أنني شخص آخر عاش مئة عام. كأنني لا أعرف هذا الشخص الذي تلبى طلباته، قبل أن يهم بالإشارة، هل هو نفسه الطفل في رحلته الأولى، إلى ‘ سمنود’، أقرب مدينة إلى القرية؟ كان ذلك في نحو الخامسة، محشورا في سيارة غير آدمية، لم يشعر بالبرد، قبل الشروق، إلا بعد الهبوط على الاسفلت، حافي القديم. وقف أبي أمام رجل يفترش الأرض، وطلب لي حذاء من البلاستيك. مددت قدمي اليمنى، وقال الرجل بصبر جميل: ‘ يا ابني، الجزمة مخلوفة’، شعرت بالخزي، وقلت في نفسي: متى يا إلهي أكبر بقدر يجعلني أميز الفردة اليمنى من اليسرى؟ فيما بعد، اكتشفت أن المكان الذي احتله الرجل اسمه ‘ الرصيف’، وأنني سأتخذه معيارا للحكم على رقي المكان والإنسان، الآن وفيما كتبه الرحالة العرب. وحين أتأمل ما لدي من آثارهم، أشعر بالفخر والغيرة والحيرة. فخر بإنجازهم، وغيرة منهم، وحيرة كان يمكن أن تنتهي لو أجابوا عن سؤال يخص فلسفة كتابتهم هذا النوع الأدبي. كتبوا كثيرا، ولم يهتموا بتنظير تركوه لأجيال لاحقة. المقارنة بين ما تركوه وما يمكن أن أكتبه ظالمة، هذا يفسر لي سر تهربي من الكتابة، متعللا بأعذار لا تقنعني، كلما زرت بلدا، قلت لنفسي إن كثيرين سبقوا ورأوا، اندهشوا أو صنعوا الدهشة، لم يتركوا شيئا، حتى أصبح العالم مكشوفا بل منتهكا، فما الذي بقي لنا؟ لا شيء سوى العين البكر، عين آدم حين خرج من الجنة إلى أرض عليه مهمة اكتشافها، الاكتشاف فضيلة تكفر عن خطيئة. العالم رغم السكون الظاهر متجدد، ينتظر من يراه بعين لم تسأم التكرار، ويتواصل مع روح البشر والأماكن. أدب الرحلة فائض محبة، علاقة مراوغة للقبض على معنى هارب، والصدق هو ما يمنح الكتابة معنى. لم أضبط نفسي مضطرا لقول ما لا أريد. أستبق الزمن ناظرا إلى الأمام مئة عام، وأضع نفسي مكان قارئ لم يولد بعد، سيكون قاسيا في حكمه، وأتفادى أن يصفني بالكذب حين يقرأ لي شيئا عن بلد لم أحبه بقدر كاف يحملني إلى الكتابة عنه. زرت بلادا جميلة، أو تبدو كذلك، ولم تلتقط نفسي الإشارة، تلك الذبذبة الخاصة بروح المكان، وتأجلت الكتابة، إلى حين أو إلى الأبد. في السفر أبحث عن مصر التي أحلم بها. من حق أي إنسان أن يرى بلده الأجمل. لا أبالغ إذا قلت إن مصر هي الأبهى. دائما أقول لأصدقائي من غير المصريين إن القاهرة، بصرف النظر عن أي اسم تحمله عبر العصور، خلقها الله على مهل، في هذا المكان، ثم خلق مصر بحدودها التي لم تتغير منذ عام 3100 قبل الميلاد، ثم خلق الدنيا. الآن، حين أعيد قراءة ما سجلته عقب رحلاتي، أكتشف أنني كنت أبحث عن ‘ المدينة’، عن الرصيف، عن الدولة. تخلو القرية من الرصيف، تختلط السيارات والعربات الخشبية والدراجات والمشاة والدواب، تسهل السيطرة على القرية، يمكن تطويقها لخلو تضاريسها من التعقيد، ويسعى الاستعمار أولا لترييف المدينة، وتخريبها بنزع روحها، وتنميط علاقاتها لتصير قرية. في القرية، تحدد الأفق والخيال أعراف العشائر، وفي المدينة تمتد الأحلام باتساع الأخيلة، والرغبة في المشاركة، في دولة دينها دستور يصنعه المواطنون. تبدو العاصمة الجزائرية جنة رعوية، غابة تضم هضابا وأودية وسهولا وأشجارا، ثم نبتت فيها مدينة صنعها الله على عينه، ثم قال لها: ‘ كوني’، فكانت لوحة تلخص التاريخ، ضد فكرة الاستقامة والبعد الأحادي. شيء من التعقيد يمنحها غموضا، يجعلها أقرب إلى فكرة العناد والاستعصاء، فما الذي أوقعها تحت الاحتلال أكثر من 130 عاما؟ كيف ينام مستعمر قرير العين في مثل هذه الجغرافيا؟ كتاب ( الأولمب الإفريقي: الجزائر بعيون عربية 1900- 2005) يقدم إجابة كتبها الزعيم المصري محمد فريد (1868-1919)، وقد زار الجزائر عام 1901، وسجل عنصرية المستعمر الفرنسي في تغيير معالم المدينة، فما يباح للفرنسيين أو المتفرنسين، ممنوع على الجزائريين ‘ فلا يجوز لهم أن يؤلفوا أي جمعية ولو لفتح المدارس ونشر التعليم… أما ما اتفق على تسميته بالتعليم العصري، فلا وجود له بالنسبة للمسلمين بالمرة’، كما حولوا بعض المساجد إلى كنائس، واستبدلوا بأسماء المدن ‘ أسماء إفرنجية محضة’، ومنعوا الجزائريين من أن يختلطوا بمسلمين أجانب، وبخاصة الأتراك والمصريين.. فالمصري ‘ تخشى مخالطته للجزائريين لما تعوده في بلاده على حرية التكلم والكتابة والانتقاد العلني. ولذلك فكل مسلم يطأ البلاد الجزائرية مراقب أشد المراقبة بكيفية غير محسوسة’. المدينة التي أبحث عنها بنت الزمن، تحمل من كل عصر رائحته وبقايا لونه وآثار أرواح أهله، تمتد جذورها في الأرض، ثابتة يصعب على الريح أن تذروها، لا يكفي التنظيم وحسن التنسيق، وجمال السطح الفاقع في فقره، لا بد من شيء آخر، لعله العمق، لعلها الروح. في كتابه عن أسمهان، يسجل محمد التابعي أنه ذهب إلى تل أبيب عام 1941، قائلا: ‘ والأثر الذي تركته هذه المدينة أنها أشبه بالمدن التي تشيدها ستوديوهات السينما في هوليوود ليلتقطوا فيها حوادث فيلم سينمائي معين فإذا ما انتهوا من التقاط المناظر.. هدموا المدينة وما فيها! أي أنها مدينة ولكنها لا توحي إلى النفس بشعور الثبات والاستقرار’. أتحدث عن القاهرة، أحاول متمنيا أن أقبض على بقايا ‘ المدينة’، وهي تتسرب أمام الأعين، تنجرف من دون رحمة إلى ترييف عمراني، وترييف نفسي أكثر خطرا، لأنه يحتمي بالدين، في نفاق جماعي لم تشهد له مصر مثيلا، تتجاور مظاهر التدين الشكلي مع كل أنواع الجرائم، تتعانق إقامة الصلوات الخمس من مكبرات الصوت في مساجد وزوايا مع أغان قبيحة تنطلق من سيارات لا تكف عن ضخ نفيرها. التزييف والترييف في سباق محموم، تتصالح فيه الرشوة والفساد مع الحرص على إقامة الصلوات في أماكن العمل. يسهل أن ترى أكوام القمامة في الشوارع بجوار مساجد تقام فيها دروس الوعظ يوميا لحث الناس على الإيمان بدين هم مؤمنون به. أبحث عن مدينة حقيقية، فضاؤها يؤهل الناس للتسامح. القرية تعود سكانها على نمط يكاد يكون وحيدا، لا يقبلون الغريب، ويرتابون في القادم، ولا تتلاقح أفكارهم إلا قليلا، والأفق محدود لا يتسع للجديد، ولا يرحب به. كانت رحلة الشيخ مصطفى عبد الرازق الأوروبية فرصة ليطلعنا على أن ‘ الرقص مهما يكن من شأنه فهو من متاع المدينة، ونحن لا نزال نلمس من المدينة ما يسد الرمق… لا تخلو الأمم من الرقص إلا فترات في عهود الانقلابات الخطيرة، أو الفتن العاصفة’. هكذا كتب الشيخ الذي يصف أم كلثوم، عام 1925، بأميرة الغناء في وادي النيل، وأنها ‘ نعمة من نعم الدنيا’، ويرى أنه ‘ من الغريب أن بعض سيداتنا يسدلن النقاب على وجوه أذن الله أن تكشف’. ترييف الناس بلغ حدا يدفع بعض خطباء الفضائيات إلى تكفير غير المسلمين، وإلصاق الصفات الكريهة بالأوروبيين، وتقديم العزاء للمسلم المضطر للبقاء هناك ‘ في ديار الكفر’، ولكن وزير الأوقاف المصري، شيخ الأزهر عبد الرازق يطلعنا ـ في كتاب ( مذكرات مسافر.. رحلة شيخ الأزهر إلى أوروبة 1909-1914) ـ على وجه سمح لعالم أكسبته الرحلة تحضرا حتى أنه يعلن أنه يحب باريس ‘ حبا جما… باريس موجود حي، تنبعث الحياة من أرضه وسمائه، وصبحه ومسائه، ورجاله ونسائه. باريس عظيمة بكل ما تحتمله هذه العبارة من معاني الحياة والإجلال والجمال والذوق والانسجام والخلود… باريس عاصمة الدنيا، ولو أن للآخرة عاصمة لكانت باريس!’. وجه آخر للمدينة يقدمه شيخ الأزهر في أسى، فمرضى باريس متفائلون ‘ومع كل واحد من أولئك المرضى مبصقة، يودعها في خفاء ما يفيض به صدره فلست تلمحهم حين يبصقون. ولست ترى في سبيل أثرا لبصاق. أما قومنا عفا الله عنهم ـ مرضى وأصحاء ـ فيبصقون في كل مكان، ترى آثار لعابهم ونفثات صدورهم وخياشيمهم في المنتزهات والطرقات، والمنازل وأماكن العمل، وفي عيادات الأطباء أيضا’. في عيادة طبيب، سعلت مريضة وبصقت على الأرض. يصف الشيخ سلوكها بأنه إخلال ‘ بأبسط قواعد الصحة والأدب’، وأزعجه أن يقول زوج المريضة، مسوغا سلوكها: ليس على المريض حرج. ويعلق الشيخ قائلا: ‘ أعلم يقينا أن الله لا يريد أن يقول إنه لا لوم على المريض أن يلوث ببصاقه حجرة طبيب، ومعاذ الله أن يكون الدين الذي جعل الطهارة من الإيمان مسوغا للناس أن ينشروا في الأرض أقذارهم وجراثيم أمراضهم’. من حقي أن أشعر بالأسى والحزن على مدينة تتفتت. ماذا يقول ابن خلدون لو رآها الآن؟ لم يقف طويلا أمام الإسكندرية، وقد أقام بها شهرا بعد رحيله إليها من تونس، ولكنه رأى القاهرة ‘ حضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام… بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء… سألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس، وكبير العلماء بالمغرب، أبا عبد الله المقري فقلت له: كيف هذه القاهرة؟ فقال: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام’. وينقل ابن خلدون قول قاضي العسكر بفاس للسلطان في مجلسه: ‘إن الذي يتخيله الإنسان، فإنما يراه دون الصورة التي يتخيلها، اتساع الخيال عن كل محسوس، إلا القاهرة، فإنها أوسع من كل ما يتخيله فيها’ وأعجب وصفه السلطان. من حقي أن أشعر بالأسى والحزن على مدينة تتفتت، أخجل من المؤرخ الفلسطيني نقولا زيادة (1907-2006)، أشعر أنني أخون ثقته. في سيرته، وتحت عنوان ( هذه هي المدينة) يقول إنه في القاهرة، منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، رأى ‘ مدينة لأول مرة. القدس ودمشق وحلب وبيروت بدت لي قرى كبيرة جدا بالنسبة إلى هذه المدينة… في القاهرة عرفت معنى المتحف. باختصار بهرتني القاهرة المدينة، وبهرتني القاهرة الجميلة بشوارعها العريضة بقصورها الفخمة بدار الأوبرا’. وبعد أن أصر على تسلق الهرم، يقول: ‘وقفت على قمة هرم الجيزة الأكبر، وألقيت بنظرة إلى ما انبسط أمامي فرأيت دنيا تآمرت الطبيعة والإنسان على إقامتها وتزويقها وزخرفتها، فقد حباها الله بماء النيل الذي يحيي الأرض، ويبعث فيها الروح والريحان. ورأيت يومها أمامي على شيء من البعد جبل المقطم الذي تسلقته إلى القمة أيضا بعد بضعة أيام. بين المقطم والأهرام نشر التاريخ أمجاده’ ( حول العالم في 76 عاما: رحلات مثقف شامي في آسيا وأوروبا والشمال الإفريقي 1916-1992). لا أشغل نفسي كثيرا بتأمل غرائب الأماكن، ولا تبهرني البنايات الفخمة، إلا بقدر ما تحمل من ملامح لمن شيدوها، كأنني أراقبهم، أردد غناءهم، وأحنو عليهم فأحتمل بعض شقائهم، وأمسح عرقا يتصبب منهم، ويتشكل حجارة لها رائحة البشر. أتأمل ذلك الطفل الذي كنته، وهو يقبض على عصا يقود بها الحمار، وتتيبس يده من شدة البرد، وينفخ فيها ليدفئها، لكي يتمكن من القبض على الشقرف ( المنجل)، ويؤخره شغل الغيط عن حضور طابور المدرسة، وكيف تعلم مصادفة، من دون أن يبالي به أحد، رغم حرص أمه، التي لا تقرأ، على أن يستمر في الدراسة. أتذكره في بداية المرحلة الثانوية، وكان الحضور إلى معرض القاهرة للكتاب حلما يتحقق بجنيه واحد، وتأجل الحلم. أتأمل ذلك الطفل، وأنظر ورائي وأتنهد بعمق، كأنني عشت مئة عام، ولا أصدق أن طفلا عاش حياة كالدراما، سيكون له عبر القارات أصدقاء من الأماكن والبشر. وحين أصبحت الرحلة ممكنة، اكتشفت أنني أزهد السفر، ولست مولعا به. قبيل كل سفر أتمنى إلغاءه، أشعر بالانقباض، ليس رهبة من الموت، لكنه إحساس غامض لا أعرف له تفسيرا. قبل ثلاثة أيام من سفري إلى الهند للمرة الثانية (2008)، اشتريت لأولادي سيارة. ظللت أستبعد فكرة اقتناء سيارة أو قيادتها، لشغفي بالنظر إلى ما حولي وأنا راكب بحرية لا تتاح لسائق. فاجأت أولادي بالسيارة، يقودها أخي أيوب. لم أخبرهم ـ حتى بعد رجوعي من نيودلهي ـ أنني كنت أشعر، قبل السفر، بملاك الموت ينتظرني في بلاد غاندي، وأردت إعفاءهم من عناء شوارع القاهرة. في تلك المرة، أخطأني الملاك. ‘ روائي من مصر[email protected] ‘ من شهادة في المؤتمر الدولي لأدب الرحالة العرب والمسلمين (6 – 9 كانون الاول / ديسمبر 2010)، بالتعاون بين المركز العربي للأدب الجغرافي ( ارتياد الآفاق) والحي الثقافي ( كتارا) بالدوحة.