تعز-“القدس العربي”: تواجه المباحثات اليمنية التي انطلقت الخميس الماضي في مدينة ريمبو في السويد العديد من القضايا الشائكة والمعوقات الكبيرة التي يصعب التكهن بكيفية تجاوزها أو الخروج بأي نتائج ايجابية لحل الأزمة اليمنية، أو على الأقل بدء الخطوات الأولى في طريق الحل الشامل على المدى البعيد، وان كان البعض يتفاءل بأن لكل حرب نهاية، وجلوس إلى طاولة مفاوضات.
وذكرت العديد من المصادر في الوفدين الحكومي والانقلابي الحوثي ان هذه المباحثات التي ترعاها الأمم المتحدة، ليست بالعملية السهلة، وما زالت في مرحلة قبل نقطة البداية، حيث ما زالت محصور في مرحلة بناء الثقة، والتي قد تأخذ وقتا طويلا، وتتطلب تقديم الكثير من الخطوات العملية في هذا الإطار لتصفية الأجواء التفاوضية تمهيدا لتدشين المرحلة اللاحقة، كالمسارات العسكرية والسياسية والأمنية وغيرها.
الانطلاقة للمباحثات اليمنية بدت وكأنها غير متوازنة بين الوفدين الحكومي والانقلابي الحوثي، من حيث الاختلال في عدد المشاركين في الوفدين، حيث رفع الحوثيون عدد وفدهم التفاوضي إلى 42 شخصا، بينما المقرر 17 فقط، على عكس الوفد الحكومي الذي لم تسمح له الأمم المتحدة اصطحاب أكثر من 17 شخصا، وهو ما أثار علامات استفهام كبيرة، واستياء لدى الطرف الحكومي، الذي وصل إلى السويد عبر شركة طيرات تجارية، بينما وصل الوفد الحوثي عبر طائرة كويتية خاصة برفقة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث، وهو ما اعتبره الوفد الحكومي محاباة للحوثيين وانحيازا لهم من بداية المباحثات والتي يخشون أن تكون وسيلة لتمرير اتفاقات بضغوط دولية تشرعن للانقلاب الحوثي ولا تسهم في عملية الحل للأزمة وإحلال السلام في اليمن.
وعلى الرغم من هذا الاختلال الذي واكب الولادة العسيرة للجولة الراهنة من المباحثات اليمنية، فقد انطلقت هذه الجولة بعد انقطاع دام نحو سنتين عن الجولة الأخيرة من المباحثات اليمنية التي انعقدت في الكويت والتي وصلت إلى طريق مسدود بعد شهور طويلة من المباحثات الصعبة حينذاك، إذ رفض الانقلابيون الحوثيون التوقيع على مشروع لاتفاق اقترحه المبعوث السابق للأمم المتحدة إلى اليمن اسماعيل ولد الشيخ أحمد.
وبعد ثلاثة أيام من انطلاق هذه المباحثات لا تزال لم تبارح مكانها، حيث ما زال الوسيط الأممي يعقد جلسات منفردة لوفدي المباحثات الحكومي والانقلابي لمناقشة الخطوات الأولى التي يجب البدء بها لعملية بناء الثقة، ولم يجتمع وفدا المباحثات اليمنية إلا في الجلسة الافتتاحية صباح الخميس المنصرم.
ولا تزال الجلسات الراهنة للمباحثات أشبه بندوات لكل طرف تفاوضي بشكل منفرد، واجتماعات مغلقة مع مبعوث الأمم المتحدة وفريقه الأممي الذي يحاول تأطير الأفكار والآراء للحلول الممكنة من كل طرف ونقلها للطرف الآخر، على أمل مناقشتها والتوصل إلى حلول وسط بشأنها أثناء المفاوضات التي لن تكون من نصيب هذه الجولة من المباحثات، التي خصصت لبناء الثقة، وذلك عبر البدء بالملف الإنساني والاقتصادي، التي ستكون أساسا للتفاوض لاحقا حول الملف السياسي والعسكري، ومرحلة ما بعد الحرب.
وعلمت “القدس العربي” من مصادر في الوفدين الحكومي والحوثي إلى مباحثات السويد أنه لم يتم التوصل إلى أي رؤية بشأن المسار السياسي والعسكري خلال الأيام التي مضت من المباحثات اليمنية الراهنة وأن النقاشات ما زالت متعثرة عند نقطة البداية، بسبب تضارب الأفكار وتباين المقترحات بشأنها من قبل الطرفين المتباحثين، وما يشمل ذلك من تعقيدات لا يستهان بها، بعضها منطقية معقولة وبعضها الآخر ابتزازية لرفع السقف التفاوضي في الجولات المقبلة.
واوضحت أن الجلسات المغلقة للوفدين بشكل منفرد التي تمت خلال الأيام الماضية طرحت أفكارا بشأن حل الملف الإنساني، والذي يتضمن قضايا مشتركة كإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين لدى الطرفين والقضية الاقتصادية، بالإضافة إلى مطالب كل طرف كشرط أساسي لمرحلة بناء الثقة.
وأشارت إلى أن مطالب الانقلابيين الحوثيين تتمحور حول رفع الحضر عن الطيران المدني من وإلى مطار صنعاء الدولي الذي يقع تحت سيطرتهم، وكذا وقف العمليات العسكرية الحكومية نحو استعادة مدينة الحديدة من قبضة الحوثيين ووقف محاولة السيطرة على ميناء الحديدة البحري ووقف الغارات الجوية لقوات التحالف العربي بقيادة السعودية على المواقع العسكرية الحوثية، في حين تتمحور مطالب الوفد الحكومي بضرورة رفع الحصار الحوثي عن مدينة تعز، وإطلاق الحوثيين لكافة المعتقلين منذ بداية الحرب وحتى اليوم بالإضافة إلى مطالب بضرورة قيام الحوثيين بتسليم خريطة الألغام الأرضية التي زرعها مسلحوهم في كل المناطق التي وصلوا إليها.
واستخدمت الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها والدول الغربية الداعمة لمباحثات السلام في اليمن الملف الإنساني وسيلة لممارسة الضغط على الطرفين الحكومي والانقلابي للجلوس إلى طاولة المباحثات هذه، لتهميد الطريق أمام المفاوضات المقبلة بشأن احلال السلام في اليمن، وذلك بعد أن وصلت القضية الإنسانية بسبب الحرب الراهنة إلى مستوى خطير يهدد حياة وسلامة أكثر من 70 في المئة من سكان اليمن، سواء عبر المخاطر المباشرة بسبب المواجهات المسلحة أو عبر الأزمة الاقتصادية والانهيار الكبير لسعر العملة المحلية الريال وانعدام السيولة النقدية لدى السكان بسبب انقطاع رواتب موظفي القطاع العام منذ أكثر من عامين.
وتتخلل القضية الإنسانية تعقيدات كبيرة بين طرفي المباحثات، نظرا لخروج العديد من تفاصيل هذه القضية عن سيطرة كل طرف منها والتي تصل حد استحالة تنفيذ العديد من المطالب بهذا الخصوص، حيث يشترط كل طرف ضرورة استجابة الآخر لكافة مطالبه بشأن الملف الإنساني كشرط لقيامه بالمعاملة بالمثل.
وكانت قضية إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين من أكثر القضايا المطروحة للنقاش في الملف الإنساني تعقيدا، رغم أنها كانت تبدو أكثر وضوحا وسهولة في التنفيذ، حيث واكبت ذلك اختلافات جوهرية عميقة بهذا الخصوص، ابتداء من كشوفات أسماء المعتقلين وانتهاء بتوصيف المعتقلين والأسرى، حيث قدمت الحكومة كشوفات طويلة لأسماء المختطفين والأسرى لدى الانقلابيين الحوثيين، يقدرون بالآلاف، بينما قدم الانقلابيون الحوثيون أسماء أسرى حرب، الكثير منهم مفقودون أو توفوا في جبهات القتال خلال الثلاث سنوات والنصف الماضية.
وزاد من تعقيدات ملف الأسرى والمعتقلين أن الأسماء في كشوفات الحكومة هم معتقلون سياسيون من القيادات السياسية والعسكرية ومن النشطاء والصحافيين ومن المواطنين العاديين، الذين قامت الميليشيا الحوثية باختطافهم من منازلهم أو من مقار عملهم أو من الشوارع، بتهم مناصرتهم للحكومة الشرعية بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي، وفي مقدمة الأسرى من القيادات العسكرية وهم زير الدفاع السابق محمود الصبيحي وشقيق الرئيس هادي العميد ناصر منصور هادي، والعميد فيصل رجب بالإضافة إلى السياسي اليمني البارز والقيادي في حزب الإصلاح محمد محمد قحطان.
في حين أن كشوفات الأسماء التي طرحتها جماعة الحوثي جميعهم أسرى حرب، تم اسرهم في جبهات المواجهات المسلحة مع القوات الحكومية خلال السنوات الماضية، بعضهم في مواقع قيادية، وبالتالي يرى الطرف الحكومي أنه لا مجال للمقارنة بين معتقل عادي من السياسيين والمواطنين لدى الحوثيين وبين أسير حرب كان يقاتل في جبهات القتال وبعضهم قيادات.
وكان الطرفان الحكومي والانقلابي وقعا قبل بدء مشاورات السويد بيومين على اتفاق لإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين كخطوة عملية لبناء الثقة، على قاعدة (إطلاق الكل من الكل)، على أن يتم خلال المباحثات الراهنة مناقشة السقف الزمني لتنفيذ ذلك والآليات العملية لتيسير عملية إطلاقهم والذي سيقوم الصليب الأحمر الدولي بدور الوسيط بين الطرفين لعملية تسليم الأسرى والمعتقلين أثناء عملية إطلاق سراحهم.
وذكر مصدر حكومي لـ”القدس العربي” في الوفد المفاوض أن أكبر مشكلة في كشف الأسرى الحوثيين تضمنه لأسماء قتلى منهم قضوا في جبهات القتال ولا يمكن العثور عليهم، في حين يصر الحوثيون على ضرورة تسليمهم كأسرى مقابل استجابتهم لإطلاق سراح المعتقلين والأسرى الذين تضمنتهم كشوفات الطرف الحكومي، وهو ما يجعل القضية شائكة وكثيرة التعقيد، إذا لم توجد نوايا صادقة لإيجاد الحلول لهذه القضية الإنسانية التي تؤرق الكثير من الأسر اليمنية التي يقبع أبناؤها وراء القبضان في ظروف غاية في التعقيد منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف وخاصة لدى الانقلابيين الحوثيين، الذين ضجّت بهم التقارير الحقوقية للمنظمات المحلية والدولية.
وما زال الطريق مسدودا أمام المسار السياسي والعسكري في هذه المباحثات، حيث لم يتم الاتفاق على أي خطوط عريضة لهذه المسارات، واكتفى الوسيط الأممي بتشكيل لجان للقضايا الإنسانية كلجنة التهدئة، ولجنة المعتقلين، واللجنة الاقتصادية، على أن يتم الشروع في مناقشة هذه القضايا والبدء بالتنفيذ العملي لها كخطوات تمهيدية لتسوية الملعب التفاوضي وتمهيد الطريق أمام المفاوضات المستقبلية حول القضايا السياسية والعسكرية وغيرها.
وعلى الرغم من استبعاد مناقشة المسارات السياسية والعسكرية في هذه المباحثات إلا أن الطرفين بدءا بتسريب بعض أطروحاتهم ومطالبهم التي تندرج في الإطار السياسي أو العسكري، حيث طرح الوفد الانقلابي الحوثي مقترحا لمرحلة انتقالية مدتها سنتين تشكل فيها حكومة مشتركة من الطرفين، كمرحلة تمهيدية لدمج الازدواج الحكومي الراهن، غير ان الوفد الحكومي رفض هذا المقترح برمته بمبرر أنه يشرعن للانقلاب الحوثي وينسف مشروعية الحكومة الشرعية.
في حين اقترح الوفد الحكومي رفع الحضر عن الملاحة الجوية في مطار صنعاء الدولي وتفتيش كافة الرحلات في مطار عدن أو سيئون، غير أن الوفد الحوثي رفض هذا المقترح برمته واعتبره رفع حضر ناقصا، بمبرر أن مطاري عدن وسيئون يخضان لسيطرة قوات (العدوان) الإماراتية، أكثر من سيطرة القوات الحكومية اليمنية عليها. كما طالب الوفد الحكومي بضرورة فتح الحوثيين لطريق عدن تعز كشرط أساسي لرفع الحصار عن مدينة تعز المستمر منذ صيف 2015.
وعلى الرغم من الكم الهائل من الاختلافات بين الوفدين المتفاوضين في السويد لإحلال السلام في اليمن، إلا أن العديد من المراقبين يرون أن هناك العديد من الجوانب الايجابية التي يمكن أن تعطي مؤشرا قويا على احتمالية خروج هذه الجولة من المباحثات بخطوات جريئة وعملية لإحداث خرق في الأزمة اليمنية، في حال نجحت بالخروج بقرارات ناجعة بشأن القضايا الإنسانية قابلة للتنفيذ والتزم الطرفان بتنفيذها على أرض الواقع.