أرسين تتار
إسطنبول– “القدس العربي”: انطلقت في العاصمة السويسرية جنيف، الثلاثاء، أولى جلسات المفاوضات القبرصية في جلسة مفاوضات غير رسمية تستضيفها الأمم المتحدة بمشاركة طرفي النزاع والدول الضامنة في أول عودة جزئية للمباحثات منذ توقفها قبل سنوات، وسط مساع لإعادة توحيد الجزيرة يجمع مراقبون على أنها تبقى “شكلية” أمام واقع الدولتين الذي ترسخ في السنوات الأخيرة ومع وصول الصراع في شرق المتوسط إلى مستويات خطيرة غير مسبوقة.
ويشارك في هذه الجولة التي من المقرر أن تستمر لثلاثة أيام مجموعة خمسة زائد واحد والتي تضم بها الدول الضامنة الثلاث (اليونان وتركيا وبريطانيا) وشطري جزيرة قبرص الجنوبي والشمالي (اليوناني والتركي)، إضافة إلى الأمم المتحدة التي ترعى المباحثات وتركز فيها على استئناف جلسات المفاوضات من أجل التوصل إلى حل على إقامة حكم فدرالي بالجزيرة، وهي المساعي التي فشلت على مدار الـ40 عاماً الماضية.
لكن الجديد هذه المرة، أن تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية تدخلان هذه الجولة بخيار واحد يؤكد على الرفض القطعي “لإضاعة مزيد من الوقت في البحث بالحل الفدرالي” وضرورة بحث حل الدولتين الذي بات راسخاً في الجزيرة أكثر من أي وقت مضى. في حين أكدت اليونان وقبرص الجنوبية أنهما ما زالتا تتمسكان بـ”الفدرالية” لحل الأزمة.
وعقب 46 عاماً على تقسيم جزيرة قبرص، شهدت فشل عشرات المحاولات والمبادرات الثنائية والإقليمية والأممية لحل الأزمة وإعادة توحيد الجزيرة، وفي ظل تصاعد الخلافات حول الموارد في شرق البحر المتوسط، وإطالة أمد الأزمة وصعود القيادات القومية في شقي الجزيرة، يبدو أن حل الدولة الواحدة بات من الماضي وشبه مستحيل وذلك على حساب تصاعد الدعوات لحل الدولتين الذي باتت تركيا وقبرص الشمالية تتمنياه بشكل علني ومتشدد، وصولاً لاعتباره “الخيار الوحيد المطروح حالياً”.
تركيا وقبرص الشمالية: الفدرالية أصبحت من الماضي
ويعتبر وصول أرسين تتار إلى الرئاسة في قبرص الشمالية -التركية- نهاية العام الماضي أحد أبرز نقاط التحول في خريطة الصراع في السنوات الأخيرة، حيث يعتبر تتار من الشخصيات القومية المقربة من تركيا بشكل عام والرئيس رجب طيب أردوغان بشكل خاص، ويدعم الوجود التركي بقوة إلى جانب إيمانه المطلق بضرورة حل الصراع على أساس حل الدولتين بعدما اعتبر أن حل الدولة الواحدة لم يعد ممكناً على الإطلاق، وذلك على عكس الرئيس اليساري السابق مصطفى أقنجي الذي كان يؤمن بحل الدولة الواحدة وإمكانية توحيد الجزيرة.
والإثنين، أي قبيل يوم واحد من انطلاق مباحثات جنيف، زار تتار العاصمة التركية أنقرة والتقى أردوغان، حيث أكد الزعيمان في تصريحات مختلفة أنها متفقان بشكل كامل على أن الحل الوحيد في الجزيرة هو “حل الدولتين”.
وقال أردوغان: “لن نتهاون حيال العقلية التي تسعى لتركيع أشقائنا القبارصة الأتراك عبر الحصار وعرقلة الحل في قبرص”، مؤكداً دعم تركيا التام لرؤية قبرص الشمالية التي تؤكد ضرورة التفاوض من الآن فصاعدا على أساس حل الدولتين في الجزيرة المقسمة بين القبارصة الأتراك واليونانيين، بعد فشل مفاوضات الحل الفيدرالي على مدار نصف قرن.
من جهته، قال تتار: “الجانب القبرصي التركي يطرح رؤيته السياسية الجديدة (حل الدولتين) بشأن القضية القبرصية بكل ثقة، بعد فقدانه الأمل في تحقيق اتفاق على أساس فيدرالي”، مضيفاً: “المفاوضات حول القضية القبرصية تجري منذ عام 1968 دون الوصول إلى نتيجة”، وذكر أن “الجانب القبرصي الجنوبي رفض 8 خطط لتوحيد الجزيرة على أساس فيدرالي، فيما قبل الجانب القبرصي التركي جميع الخطط المذكورة، بما في ذلك خطة عنان عام 2004″، مشدداً على أنه “لا بد من طرح رؤية جديدة والدخول في مسار جديد يستند إلى حل الدولتين”.
وعلى الرغم من إعلان الاتحاد الأوروبي عن وفد للمشاركة في المفاوضات “دون تلقيه دعوة رسمية”، قال رئيس قبرص الشمالية إن “الاتحاد الأوروبي لن يكون له مقعد في طاولة المفاوضات في جنيف، لأنه طرف غير محايد في القضية”، حيث تتهم تركيا وقبرص الشمالية الاتحاد الأوروبي بالانحياز إلى موقف اليونان وقبرص الجنوبية.
واعتبر وزير خارجية قبرص الشمالية تحسين أرطغرل أوغلو أن اجتماع جنيف “سيكون حاسمًا وليس استمرارًا لمفاوضات سابقة استمرت 53 عامًا”، مضيفاً: “لن نبدأ في الاجتماع من حيث توقفنا، ولن نتحدث حول تدابير بناء الثقة، تم اقتراح الاجتماع للتأكد من وجود أرضية مشتركة للتفاوض، استنادًا إلى نقطة أنه ليس من الصواب تكرار فعل الشيء ذاته، وتوقع نتيجة مختلفة”.
في المقابل، قال وزير خارجية قبرص الجنوبية نيكوس خريستودوليدس: “نحن ذاهبون إلى جنيف عازمين بشدة على استئناف المفاوضات لإعادة توحيد قبرص على شكل فدرالية ذات مجتمعين ومنطقتين، تماشياً مع (قرارات) الأمم المتحدة”.
ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قال: “سيعقد هذا الاجتماع غير الرسمي بعد المشاورات التي أجرتها مسؤولة كبيرة في الأمم المتحدة، مع الأطراف المعنية، خلال الأشهر العديدة الماضية”، مضيفاً: “الغرض من الاجتماع هو تحديد ما إذا كانت توجد أرضية مشتركة للطرفين للتفاوض على حل دائم لقضية قبرص في أفق منظور”.
واعتبر وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، أن اجتماع جنيف فرصة جيدة من أجل بدء المفاوضات بين طرفي الجزيرة مجددا، وقال: “الاجتماع يشكل فرصة جيدة من أجل بدء المفاوضات مجددا، في سبيل التوصل إلى حل عادل ودائم للأزمة القبرصية”.
والإثنين، قالت صحيفة بريطانية إن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يخطط للاعتراف بجمهورية شمال قبرص التركية دولة مستقلة لتحقيق التوازن في النزاع المتواصل منذ عقود بالجزيرة، وذلك في حال فشل المباحثات المقرر انعقادها بجنيف قريباً، وهي تسريبات لم يؤكدها أي مصدر رسمي في الحكومة البريطانية.
وفي الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فتحت قبرص التركية جزءًا من منطقة “مرعش” بعد إغلاق دام 46 عاما. ومرعش هي منطقة سياحية تقع بمدينة “غازي ماغوصة” في جمهورية شمال قبرص التركية، على الخط الفاصل بين شطري قبرص، وأُغلقت بموجب اتفاقيات عقدت مع الجانب القبرصي الرومي، عقب العملية العسكرية التي نفذتها تركيا في الجزيرة عام 1974.
ويعتبر افتتاح منطقة مرعش خطوة عملية على الأرض تشير إلى توجه جديد لقيادتي تركيا وشمال قبرص لتحقيق مكاسب على الأرض والتصرف من منطلق حل الدولتين وذلك عقب عقود من الجمود الذي تقول القيادتان إنه أدى إلى إلحاق خسائر كبيرة وأضرار واسعة لسكان شمال قبرص.
وفي 2004 رفض القبارصة الروم خطة قدمتها الأمم المتحدة لتوحيد شطري الجزيرة. وتعثرت العملية السياسية بين شطري قبرص، منذ انهيار المحادثات التي دعمتها الأمم المتحدة في منتجع كرانس مونتانا السويسري، في يوليو/ تموز 2017، ومنذ أشهر وصلت الخلافات إلى ذروتها بين الجانبين مع تفجر الخلافات حول عمليات التنقيب وصولاً للحديث عن تقاسم الموارد وترسيم الحدود البحرية بين شقي الجزيرة وهو ما مهد للحديث عن حل الدولتين بشكل غير مسبوق.