يمكن الافتراض بأن معظم العالم سيتعامل بتشكك مع عملية الاحياء التي نفذها أمس دونالد ترامب بصورة مفاجئة لمفهوم «حل الدولتين» بمساعدة ضرب الجناح من بنيامين نتنياهو. السجل الذي راكمه ترامب حتى الآن في الشأن الفلسطيني، والذي لنتنياهو فضل فيه أيضًا، يبرر التخمين الحذر بأن الحديث يدور عن بادرة حسن نية فارغة، تمرين رقم 8 في التلاعب وعلاقات الجمهور. إن عدم الثقة الذي خلقه ترامب في الساحة الدولية في كل ما يتعلق بعلاقته مع الفلسطينيين سيجعل تصريحاته الأخيرة تحظى بموجة ضحك تلقائية، مثل التي أخجلت رئيس الولايات المتحدة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
رغم أننا، حسب ترامب، لا يمكن أن نفهم في أي يوم، فمن الواضح أن الأمر هذه المرة لا يتعلق بزلة لسان صدفية أو ومضة صدفية من تيار الوعي للرئيس الذي بشكل عام يسير باستقامة بدون فلترة، إلى تغريداته وتصريحاته. فقد أعلن ترامب بصورة مرتبة أن مبادرته للسلام في الطريق وأنها ستصل فورًا، ولم يقل بصراحة إن المبادرة نفسها ستتضمن خطة تؤدي بالضرورة إلى إقامة دولة فلسطينية، ولكنه حتمًا جدد بذلك كونه قد تبنى أخيرًا الموقف الأمريكي المتخذ منذ جورج بوش ـ وهو يساري آخر دعم للمرة الأولى تبني حل الدولتين في 2005.
ولكن وفي الوقت الذي كشف فيه ترامب أمس في نيويورك عن حبه المتأخر لحل الدولتين من أجل أن يرمي للفلسطينيين عظمة، كما يبدو، حرص أيضًا على التفاخر من جديد بالخطوات التي أبعدت الفلسطينيين عن طاولة المفاوضات منذ البداية. وفي الوقت الذي يقدم فيه للفلسطينيين بادرة حسن نية، سواء لتهدئتهم قبل خطاب محمود عباس في الجمعية العمومية، أو من أجل إغرائه بوقف المقاطعة الشاملة التي فرضوها على مبعوثيه، فإن «أنا» ترامب لا تمكنه من الامتناع عن تربيته على كتفه هو نفسه، وبهذا يخرب البشرى الغضة التي أراد جلبها.
بعد ذلك تحدث عن رفعه القدس، وبصورة سحرية، عن جدول الأعمال، كما أنه تبجح كيف أنه يضغط على الفلسطينيين في المكان الذي يؤلمهم، في جيوبهم، حتى يخضعوا ويتوسلوا من أجل العودة. عندما قال قائد القوات البريطانية، افلين باركر، أقوال بروحية مشابهة عن يهود أرض إسرائيل ردًا على تفجير فندق الملك داود، تم وصفه باللاسامية وأعلن عنه من قبل التنظيم السري اليهودي كشخص يستحق الموت.
لم يرغب نتنياهو في تدمير عرض من صنع معه معروفًا. لقد أظهر إشارات أنه مستعد للسير مع الرئيس، حتى لو تضرر من ذلك في الداخل. نتنياهو لا يرفض استخدام مفهوم دولة، لا سمح الله، شريطة أن توافق على أن يقوم جيش أجنبي بغزو أراضيها، وأن يقوم بأعمال الدورية في شوارعها، ويعتقل مواطنيها كلما راق له ذلك. هذا معنى طلب إسرائيل للسيطرة الأمنية على كل المنطقة في غرب نهر الأردن، الذي كرره أمس نتنياهو على مسامع المراسلين الإسرائيليين. سيكون على الفلسطينيين أيضًا الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية والتنازل عن حق العودة ـ حتى إلى الدولة الفلسطينية نفسها ـ والاكتفاء بعاصمة ليست في القدس. لا حاجة لبحث ذلك الآن، لأن الطلب الأمني الإسرائيلي المطروح كشرط لا يمكن تجاوزه، طلب غير قابل للحركة أصلا.
حتى السؤال الذي طرحه نتنياهو على المراسلين ـ هل يدور الحديث عن دولة مثل إيران أو كوستريكا ـ هو براءة موجزة معروفة سبق وتبجح بها في التقرير الذي أعطاه لحزب الليكود في شباط 2017 عن محادثاته مع زعماء أسترإليا. هو ينثر الغبار على الأمل بأنه إذا وافقت الدولة الفلسطينية على السير في طريق كوستريكا والتنازل تمامًا عن إنشاء جيش باستثناء قوة شرطية للتعامل مع الجرائم المحلية، فسيكون مستعدًا للتفكير في ذكر الاسم الصريح «دولة».
عندما نربط واحدة مع الأخرى، مع ذلك يتبين فورًا أن نتنياهو حتى لهذا لم يكن يقصد حقًا: كوستريكا تحظى برعاية ودفاع فعلي من الولايات المتحدة ومنظمة دول أمريكا. في المرة الأخيرة التي أرسلت فيها دولة مجاورة قوة عسكرية لاجتياز الحدود من أجل أن تحقق كما يبدو مصالحها الأمنية، فإن نيكاراغوا، وقبل 63 سنة، اضطرت لسحبها بسرعة، بل ولطلب العفو.
رغم كل ذلك، فإن الأمر يتعلق برئيس ليس واضحًا إذاما كان مستعدًا لإيجاد إسرائيل على الخارطة مع رئيس حكومة لديه عشرات السنين من التجارب في التمارين اللولبية، التي هدفها دفع الفلسطينيين إلى الزاوية وتأجيل سوء المصير، للكلمات قيمة. ألقى ترامب أمس حجرًا في البئر، منقوش عليه «دولتان»، وألف حكيم من اليمين في إسرائيل وفي الولايات المتحدة الذين سيحاولون في الأيام القريبة القادمة المراوغة والتبرير والتحليل والتحفظ وسحقه حتى يصبح ترابًا، ولكن لن ينجحوا في إخراجه.
حتى إذا لم تؤد إلى اختراقات فإن أقوال ترامب تعيد الخطاب السياسي إلى أرض الواقع، إلى الحل الوحيد الممكن، إلى الصيغة المقبولة على 99 في المئة من المجتمع الدولي. إن أيدي ترامب ونتنياهو التي أنزلت القطار عن السكة، أعادوه أمس، وبسخاء، إلى اتجاه السكة الأصلي. وأقوالهم هذه ستثقل على الأقل على الحماسة التي تزايدت مؤخرًا في اليمين وفي إليسار لكل أنواع الحلول المشوهة: من إقامة دولة واحدة التي ستعرض يهودية إسرائيل للخطر، حتى الضم الكامل في إطار حكم ذاتي للفلسطينيين الذي سيهدد طابعها الديمقراطي. وفي الوقت الذي هما غارقان فيه في يأس عميق، فإن ترامب ونتنياهو منحا مضطهدي اليسار سببًا فريدًا للسعادة، لحظة غير مفاجئة من الابتسام بأنهما بالتأكيد سينجحان في محوه في الأيام القريبة.
حيمي شليف
هآرتس 27/9/2018