أخيرا خرج رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك عن نبرته الخافتة إلى نبرة أعلى، إذ أعلن عن مبادرة بعنوان «الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال-الطريق إلى الأمام» تحدث فيها عن أزمة أو نوع من انسداد الأفق أمام حكومته مدافعاً عن تصوره لإدارة الشأن العام.
كتب حمدوك في مبادرته التي أعلن عنها يوم 22 حزيران/يونيو 2021 عن أزمة وطنية شاملة لم تشهدها البلاد منذ الاستقلال وحدّد مظاهرها بـ»غياب المشروع الوطني الذي يحظى باجماع السودانيين» لكن لم ينس أن يعدد إنجازات حكومته في العامين السابقين بالآتي: «السلام وفك العزلة الدولية وإزالة السودان عن قائمة الإرهاب، والإصلاحات القانونية والسياسية والانفتاح الاقتصادي».
ولخص حمدوك في مبادرته التحديات التي تعترض مسار الانتقال بعناوين عريضة هي «الوضع الاقتصادي-والعدالة والسيادة الوطنية، والعلاقات الخارجية، واستكمال السلام، وتعدد مراكز القرار وتضاربها، والوضع الأمني والتوترات الاجتماعية والفساد، وإزالة التمكين وبناء المؤسسات».
وتم تقسيم مبادرته المكتوبة إلى ستة بنود هي: التمهيد؛ ومظاهر الأزمة العامة وخطرها على الانتقال؛ والوجه الجديد للأزمة وخطره على السودان؛ وأسس التسوية السياسية الشاملة؛ والطريق إلى الأمام الذي يضمن مقترحات.
في مظاهر الأزمة العامة وخطرها على الانتقال، ينتقل حمدوك إلى الوجه الجديد للأزمة وخطره على السودان فيقول بنبرة مرتفعة: «شهدت الفترة الماضية تصاعد الخلاف بين شركاء الفترة الانتقالية مما شكل خطرا جديا لا على الفترة الانتقالية فحسب بل على وجود السودان نفسه، وقد بذلت مجهودات في التواصل مع الأطراف المختلفة ونزع فتيل الأزمة، والتي أرى أنها لن تحل إلا في إطار تسوية سياسية تشمل توحيد الجبهة المدنية والعسكريين وإيجاد رؤية مشتركة بينهما للتوجه صوب إنجاح المرحلة الانتقالية وبناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تنهض على قاعدة المواطنة المتساوية».
سباق سياسي
يأتي كل هذا القول على خلفية سباق سياسي أتى بعبدالله حمدوك إلى دائرة الفعل السياسي المباشر في ظل ظروف معقدة يمكن رصد ملامحها العامة منذ انتفاضة ايلول/سبتمبر 2013 التي شهدت تظاهرات ضخمة وتمت مواجهتها بالقوة المفرطة مما أدى إلى مقتل 170 شخصاً.
حيث كان النظام السابق يرتكز على ترسانة من أسلحة وجنود القوات المسلحة وميليشيا الدعم السريع وقوات وميليشيات جهاز الأمن وحزب المؤتمر الوطني وميليشياته.
لكن التظاهرات عادت من جديد في كانون الأول/ديسمبر 2018 بعد قرار الرئيس المخلوع البشير برفع الدعم عن الخبر وغلاء الأسعار وتدهور الأحوال المعيشية.
وفي كانون الثاني/يناير 2019 عقد صلاح قوش مدير جهاز المخابرات اجتماعاً مع قادة المعارضة السودانية والمجتمع المدني معبرا عن دعمه لانتقال السلطة.
وفي 11 نيسان/أبريل أعلن قادة جهاز الأمن الوطني والجيش وقوات الدعم السريع عن خلع البشير وتسليم الجنرال عوض ابن عوف السلطة، بصفته قائداً للجيش. لكن المتظاهرين لم يقتنعوا بذلك وظلوا معتصمين بميدان القيادة العسكرية تحت لواء تنظيم اتحاد المهنيين، وهو ائتلاف نقابي أصدر وثيقة دستورية طالبت بتشكيل حكومة انتقالية وأنهاء الحرب الأهلية وعقد مؤتمر دستوري، ووقعت على الوثيقة قوى عديدة مما أدى إلى تكوين قوى إعلان الحرية والتغيير، وصارت مظلة لقوى ثم حاضنة للقوى الموقعة على إعلان الحرية والتغيير.
أما الصيغة التي انبثقت من الوثيقة الدستورية فإنها أعطت دورا مركزياً للقطاع العسكري – الأمة وبالتالي أعطت البرهان، بحكم الأمر الواقع، منصب رئيس الدولة وحافظت على السيطرة العسكرية على جميع الشؤون الأمنية والدفاعية لكنها تركت حينذاك قضية السلام معلقة.
رأب الصدع
وبالرجوع إلى مبادرة حمدوك الذي يبدو فيها مفاوضاً لرأب صدع أطراف في تحالف أكثر مما هو تنفيذي، يبرز خطابه الذي يفيض بالعموميات كي يعطي الجميع فرصة الانضواء فيه والذي يفضي إلى «أسس لتسوية سياسية شاملة» فنجد فيه «في الطريق إلى الأمام» الذي يقدم:
أولا: إصلاح القطاع الأمني والعسكري (يقول حمدوك بأن هذه ليست مهمة العسكريين وحدهم، وبدونها لا يمكن إجراء اي إصلاح آخر)؛
ثانيا: قضية العدالة (على من تقع مسؤولية مذبحة فض الاعتصام؟)؛
ثالثا: قضايا الاقتصاد (جعل الاهتمام بالخارج تكملة لجهد الداخل)؛
رابعا: السلام (استكمال عملية السلام وتعزيز الإرادة السياسية لشركاء السلام)؛
خامسا: تفكيك نظام 30 يونيو ومحاربة الفساد؛
سادسا: السياسة الخارجية (تكوين آلية واحدة بين أطراف المرحلة الانتقالية)؛
سابعا: المجلس التشريعي (تكوين المجلس في مدة أقصاها شهر).
لكن من بين نصوص هذه المبادرة لا بد للمراقب أن يتوقف طويلا أمام مقطعين؛ المقطع الأول ينحو منحاً تفكيكيّاً إذ يطالب بـ: «اضطلاع الجهاز التنفيذي بدور أكبر في إدارة جهاز المخابرات وتغيير كافة مدراء الإدارات بآخرين حادبين على إنجاح المرحلة الانتقالية وإجراء إصلاحات جوهرية وسريعة في هيكلة وطرق عملية».
ويتبنى المقطع الثاني، شديد الأهميّة :»تكوين لجنة وطنية للعدالة الانتقالية تتولى مهمة الاتفاق على القانون والمفوضية وتصميم عملية شاملة بمشاركة ذوي الضحايا تتضمن كشف الحقائق وإنصاف الضحايا والمصالحة الشاملة والإصلاح المؤسسي الذي يتضمن عدم تكرار الماضي مجددا».
ربما يجلب المقطع الثاني، حلولا لعدد من القضايا وقد تتضح من خلاله أشياء غامضة في مسار العدالة الانتقالية لم تتوصل إليها التحقيقات، وربما قد لا يتم التوصل إليها بالطريقة التقليدية وربما إذا نجحت مثل هذه المساعي قد ينفتح الطريق واسعاً أمام رئاسة مدنية للمرحلة الانتقالية.
إلى جانب التعميمات ومحاولة إرضاء الجميع هناك ما ذكره حمدوك في لقائه مع الشباب العاملين مع لجنة تفكيك نظام 30 يونيو والذي تم توزيع مقاطع كثيرة منه بما في ذلك إشارة حمدوك إلى «وجود ضوء في نهاية النفق».
كما أن اللقاء التنويري للضباط من الجيش وقوات الدعم السريع فوق رتبة عميد والذي جرى يوم 24 حزيران/يونيو المنصرم والذي حضره البرهان وحمدتي قد شهد تصريحات قال فيها البرهان: «إن القوات المسلحة والدعم السريع قوة واحدة على قلب رجل واحد هدفها المحافظة على أمن السودان والمواطنين ووحدة التراب وأنها بالمرصاد للعدو الذي يسعى إلى تفكيك السودان» فهل تميل كفة المدنيين أم هي مجرد أحلام مدنية تسكن الأزمة وتقليل مدى الفترة الانتقالية حتى يأتيها الخلاص بالانتخابات، مما يؤكد أن الإشارة إلى وجود صدع بين العسكريين خصوصاً وهم مقدمون على ترتيبات أمنية لا بد أنها ستشكل حافزاً لصراع مصالح تضعه مبادرة حمدوك في حسبانها ولا تستصغره وتضعه في خانة الاشاعات، في البحث عن توازن مستقر ضمن قطبي الجيش والدعم السريع؟
ويظل الاقتصاد والوضع المعيشي شاغلاً أساسياً حتى نهاية المرحلة الانتقالية.
التفاؤل هو ألا يكون السودان حقل تجارب، حيث اقيمت فيه عام 2005 مع اتفاقية السلام الشامل، ترتيبات لوجود نظامين في بلد واحد أدى إلى انفصال واستقلال جنوب السودان، بينما أقيم عام 2019 نظام (عسكري- مدني) برأسين أحدهما بقرون والآخر بأنامل ناعمة.