في نهاية الاسبوع الماضي نُشر اعلان ضخم وعليه توقيع 100 من الشخصيات الامنية السابقة. العنوان كان: «رؤية سياسية اقليمية، دولية شعبية». وبعد مدح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على سلوكه الموزون في عملية «الجرف الصامد»، بدأ الانحراف عن الحقائق: «من اجل منع حرب اخرى، على الحكومة أن لا تجلس مكتوفة الأيدي، حان الوقت لأخذ المسؤولية عن مستقبلنا واستغلال الفرصة التاريخية التي أمامنا في أعقاب العملية».
اذاً اسرائيل هي التي تجلس «مع عدم مسؤولية» و»مكتوفة الأيدي» وليس ممثلي السلطة الفلسطينية الذين على مدى تسعة أشهر من المفاوضات كانوا متشددين في مواقفهم، ولم يوافقوا على الدخول في حوار حقيقي حول الامور المختلف عليها في الصراع.
الامر الوحيد الذي كانوا مستعدين للحديث فيه هو موضوع الحدود، ولكن بشكل منفصل عن البعد الأمني الذي هو المركب الاساسي لأي حدود مستقبلية، هذا اذا تمت بالفعل خطة «دولتين للشعبين». وها هي الصيغة «المنقذة « للاعلان: «نحن نطالبك (رئيس الحكومة) بتبني النظرة السياسية الاقليمية واجراء المفاوضات مع الدول العربية المعتدلة، ومع الفلسطينيين في الضفة وغزة (أي بما في ذلك حماس) واعطاء دفعة للمبادرة السعودية العربية والدخول في مفاوضات حول مضمونها كما اقترح الرئيس المصري في المؤتمر الدولي في القاهرة، والأمير السعودي تركي الفيصل في تموز الأخير».
ليس لهذه الكلمات أي أساس حقيقي، فليس أنه لم يكن هناك اقتراح للمفاوضات وانما كان من الواجب على كاتبي الاعلان الاعتراف بأن «المبادرة السعودية» و»المبادرة العربية» ينطبق عليها المثل القائل «وافق شن طبقة».
اضافة الى ذلك، كانت الدبلوماسية الاسرائيلية هي التي عملت خلال عملية «الجرف الصامد» وبطرق مختلفة ومنها الخفية من اجل دفع الرؤية السياسية الاقليمية الى الأمام، ليس فقط فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني بل ايضا لتعزيز التعاون في المصالح الاقليمية حول امور مثل ايران وداعش.
وعلى العكس مما ورد في الاعلان، فان أساس التقدم السياسي الاقليمي لا يمكن أن يعتمد على «المبادرة العربية»، التي هي في أساسها وصياغتها ليست مبادرة سلام، وانما هي انذار نهائي. صحيح أن الصيغة الاولى لولي العهد عبد الله، الذي هو الآن ملك السعودية، كانت أقل خطورة، لكنها تغيرت بسبب الضغط السوري في مؤتمر جامعة الدول العربية الذي عقد في بيروت. فهي لا يوجد فيها مفاوضات حول الحدود بل مطالبة اسرائيل بالانسحاب الى ما وراء الخط الاخضر بدون شروط، ويشمل ذلك القدس. وما يوجد في المقابل هو تبني قرار الامم المتحدة رقم 194 حول موضوع اللاجئين الذي يعني «حق العودة» للاجئين الى منازلهم. ومن اجل منع أي التباس أضاف المؤتمر ورقة تفسيرات ورد فيها أنه يحظر تحويل اللاجئين الى مواطنين في الدول التي يوجدون فيها، أي يجب اعادتهم الى الاماكن التي جاء منها آباءهم.
هل يرى الموقعون على الاعلان في هذه الوثيقة أساسا حقيقيا للسلام؟ آمل أن لا. وقد تكون خطوتهم هذه نابعة من قلة المعرفة أو ميلهم لعدم رؤية الواقع، أو بسبب رغبة سياسية لانتقاد رئيس الحكومة. حتى إن برانت سكوكروفت وزبيغنييف بجيجنسكي اللذان هما مستشاران للامن القومي في الادارة الامريكية، وليسا بالضرورة صديقين لاسرائيل، أشارا في حينه الى ضرورة تعديل المبادرة بحيث تنفي بشكل واضح «حق العودة» وتستجيب بشكل أفضل للمطالب الامنية الاسرائيلية.
لو أن الدول العربية قد أعلنت في حينه أو اليوم (كما اقترح في حينه وزير الخارجية الاردني مروان المعشر) أن نية الدول العربية هي اجراء المفاوضات بدون شروط مسبقة، لكان بالامكان قبول ذلك، وليس بالصيغة الحالية. يتضح أنه في الاعلانات السياسية يجب اتباع الدقة والأمانة في الاعلان.
اسرائيل اليوم 4/11/2014
زلمان شوفال