د يحيى مصطفى كاملالحمد لله… أفاق الشعب المصري من سبات الثلاثة عقود وغيبوبتها على واقعه الممزق المزري الأكثر من بائس فتمطى وهاج كالمارد في ثورةٍ عارمة رهيبة لعلها الأكبر في تاريخه بل وتاريخ البشرية…أجبر الطاغية بشخصه وعائلته على التنحي ومن ثم الرحيل مصطحبين في رفقتهم رموز عهده الكئيب إلى السجون وقاعات المحاكم…فقط….هذا كل ما تحقق إلى الآن في خانة المكاسب المادية الملموسة…أي نعم أدرك أتم الإدراك بأن المجتمع المصري يشهد حراكاً غير مسبوقٍ، وأقر قبل غيري بأن الشعب قد أعاد اكتشاف ذاته فاستعاد ثقته بنفسه وبمقدرته موقفاً مشروع التوريث بعد أن كانت خطواته العملية قيد التنفيذ؛ كما أني أراقب بسرورٍ ورضاً بالغين تلك الحالة من ازدياد الوعي والرغبة في المشاركة السياسية…و كل هذا جميل وعظيم، إلا أنه لا ينفي أن شيئاً فعلياً لم يتغير إلي الأفضل على الأرض (اللهم سوى التخلص من صور مبارك و تغيير اسم محطة المترو التي كانت باسمه)، لتبقى كل أشكال الدولة الجديدة وبناء المجتمع الجديد محض مشروعات وتصورات يتناقش على تفاصيلها المنظرون والمعلقون والمثقفون والإعلاميون المتكاثرون كالفطر ويختصم ويتصايح عليها الفرقاء…آراءٌ وأصواتٌ عالية وصخبٌ وضوضاء، وفي ما عدا ذلك فالحصيلة: لا شيء…ليس من تغيير حقيقي…نفس العطن والترهل والتخبط والإفلاس في الإدارة، وربما أسوأ من ذي قبل يزيد عليها الملل واليأس المتسللان إلى نفوس جموع الشعب التي دعمت الثورة فإذا بها ترى أحلاهما تستحيل سراباً متباعداً آخذاً معه القليل من الأمان الذي كان لهم…لكن تبقى الحقيقة المهمة في كون ما يجري ليس اعتباطاً ولا من قبيل الصدفة، بل هو مدبرٌ مقصود… والآن، وقد غشيتنا والحمد لله موجةٌ جديدة من الشقاق الطائفي المصطنع فقد بات ملحاً تقييم المرحلة الماضية من عمر ثورةٍ تمر بمرحلة استعصاءٍ، ولعلي لا أبالغ إذ أزعم أنها، للأسف الشديد وعلى الرغم من الصراع والمخاض، آخذةٌ في التحلل… لا بد من توضيح عدة نقاط أراها فارقة بل وشديدة الخطورة..أولاً، لعلنا معارضي مبارك حين كنا نهاجمه لم نكن على قدرٍ كافٍ من الدقة حين كنا نزاوج ونقرن بين شخصه ونظامه القمعي النهبي.. إن مباركاً ليس مجر طاغية مفسد وإنما هو رمز لأسلوب إدارة واتجاه ومنهج يتخطى وجوده الشخصي المحدود…لا جدال في أن البلادة والترهل وتجميد الصراعات والبطء وما إلى غير ذلك من السمات كانت امتداداً وانعكاساً لمزاجه، إلا أن الكثير غيرها من آليات النظام ومرتكزاته الأساسية كانت إما موروثة عن سلفه أو مملاة من الخارج (المحور الأمريكي-الإسرائيلي -السعودي) وإما، وهو الأهم في نظري، استجابةً لطبقاتٍ وطوائف جديدة نسبياً عرفت النور في عهد سلفه حتى كبرت واستفحلت في عهده ، لا سيما وأن تلك الفئة من المنتفعين وقد توطدت دعائمها وفرضت حضورها كمراكز ضغط ونفوذ كانت تستعد لرحيله إما موتاً أو توريثاً للسلطة …إن مباركاً في حد ذاته لم يعد يعني لها الكثير في واقع الأمر، وإذ تصارع اليوم من أجل بقائها فقد سارعت نسبياً أو على الأقل قبلت بالتخلص منه عندما أصبح يشكل تهمةً وعبئاً عليها…لا يعني ذلك البتة أن الحدث الثوري لم يهزها ويهدد وجودها… وإذا سلمنا بهذا التحليل لطبيعة النظام الذي أسهم مبارك في ترسيخه يتيسر فهم مواقف وتحركات كل أطراف المعادلة، ومنها، وهو ثاني النقاط أهميةً موقف المجلس العسكري وحكومة الدكتور عصام شرف عصام . ما زلت لم أحد عن رأيي في أن المجلس تصرف بواقعية منقذاً ما تبقى من النظام ، وقد ورث أفراده عن مبارك أداة إدارة تحمل مسمى دولة تجردت من كل التزاماتها تجاه شعبها وتقلصت إلى الحد الأدنى، إلى هيكلٍ عظمي من أجهزة الاستخبار والتلصص وأدوات الأمن والعنف بما فيها الجيش، ولذا فحين آل إليهم الأمر شرعوا يعيدون إنتاج النظام بنفس أسلوب أداء مبارك الذي يرتكز على العنف ويستثمر في إضعاف الشعب وبث الفرقة والتفتت بين فصائله لسببين: أولأ لأنهم في رأيي لا يريدون كونهم من مدللي عصر مبارك ومستفيدين منه، وثانياً، وهو ما قد يحملنا على قدرٍ من التعاطف معهم، لأنهم لا يعرفون غير ذلك..لقد نشأوا وخدموا وترقوا ووقع عليهم الاختيار لشغل أعلى المناصب القيادية في زمن المخلوع، أي أنهم ببساطة تشربوا أسلوب مبارك واتجاهه فهو ينشع من مسامهم وهم محكومون بتلك التجربة وبعقليةٍ تراتبيةٍ لا تعرف ولاتفهم سوى الأوامر والنواهي، ولكل ما سبق فإن أكثر ما يدهشني هي الانتقادات التي توجه إلى حكومة تسيير الأعمال متهمةً إياها بانعدام الكفاءة (وهي كذلك بالفعل)، فالمشكلة في رأيي تكمن في الوضع الراهن وليس في الحكومة وحدها مهما بلغت تحفظاتنا على أعضائها، فهي وزارة لا تحكم وصلاحياتها محدودة للغاية إن وجدت وتقتصر على تنفيذ الأوامر والإملاءات، مكتفيةً بالقيام بدور السكرتارية ومديري المكاتب…يعني تمشية الحال… فهي ليست وزارة سياسية ولا تعبر عن اي ثوريةٍ من اي نوعٍ أو شكل وإنما هي مغلولة اليد لا تستطيع الإصلاح هي الأخرى في أفضل التحليلات وأكثرها تفاؤلاً وحسن نية ولا تريد في أكثرها واقعية، وغنيٌ عن الذكر أن أية حكومة أخري يترأسها سين أو صاد لن تختلف عنها كثيراً مادام الوضع الراهن قائماً…و لذا فليس من عجب أنه تمشياً مع التكتيك الموروث والمتعارف عليه من إلهاء الشعب وصرف اتنباهه بأساليب وحيل تتراوح ما بين الإلهاء بمباريات كرة القدم وصولاً إلى إثارة الفتن والصراعات فقد لجأ النظام كما هو الحال دائماً في مفترقات الطرق المصيرية إلى سلاحه المفضل ذي العيار الثقيل: إزكاء الفتنة الطائفية…وهي ليست بالجديدة ليزعم أنها فاجأته والسوابق مدمرة وقريبة العهد.. جداً… وإذا كانت لا تحُل فلأن النظام لا يريد ذلك!! كان بمقدوره أن يصدر تشريعاتٍ تساوي بين المواطنين ممزقاً الخط الهمايوني المتوارث عن دولةٍ منحطةٍ في طور انحطاطها، ولكنه عوضاً عن ذلك يبقي النار مشتعلةً، يهدئها ويزكيها كما تتطلب الحاجة …وقد نجح في هدفه الأساسي حيث خبت الاصوات المنادية بقانون العزل السياسي على خلفية العويل على الشهداء وصراخ الاتهامات المتبادل ليتقدم فلول الحزب الوطني بجحافلهم يسجلون أنفسهم للترشح في الانتخابات…غير أن المشكلة تجلت في رداءة الإخراج والتنفيذ مما جر على النظام هذا القدر من الانتقاد والتجريح فأفقده تعاطف تلك القلة الباقية من الشرفاء المتشبثين بأذيال الوهم عن طبيعة دوره واتجاهاته فكان أشبه ما يكون بالحاوي يلعب بالنار فينجح في إبهار الجمهور وإلهائهم ولكنه يحرق أصابعه وفمه..ثم يقودنا ذلك إلى آخر نقطة وأكثرها حساسيةً، فقد أبرزت ردود الأفعال المتباينة بين ما يطلق عليها النخب وأنصار التيارات السياسية المختلفة مدى الخلل والتصدع والتمزق الذي ينخر جسد المجتمع…كان من المفترض أن يكون رد فعلها مجمعةً الشجب الصريح والرفض والمطالبة الفورية بإصدار قوانين توحيد دور العبادة و، وإذا بالكثيرين (وخاصةً من التيارات الإسلامية) يكتفون يتطييب خواطر أهالي الشهداء ويلتمسون الأعذار للسلطة…أي المزيد من المسكنات والنفاق والرهان على المجلس، وكأن شيئأً في البلد لم يتغير… ليس ذلك فحسب وإنما، وهو الأكثر إيلاماً، يكتشف المراقب أن دعاوى الفرقة والتعاطف مع الجيش التي تزعمها إعلامٌ حكومي مفلس لا يتغير قد وجدت لها صدىً عند قطاعاتٍ عديدة من متعلمين كان يُفترض ويُتوقع أن لا تنطلي عليهم هذه الألاعيب مرةً أخرى وأن يدركوا أن هذه فتنة لا رابح فيها…أجل …هذه هي الحقيقة المؤسفة: لم يفسد مبارك التنظيمات السياسية ويضعفها فقط وإنما استثمر في إفساد وعي الشعب وتشويه مرجعيته الأخلاقية مما سيتطلب عقوداً للإصلاح…إن مباركاً رحل بشخصه ولم يسقط نظامه يا سادة…و لا يكفي قانون الغدر لإزالة أثره العالق في ذرات الهواء…أنا لا أدعو إلى التطهير العنيف وإنما إلى الريبة المشروعة والنقد الممحص الحاد لكل موروثات عصره من الأفكار والمسلمات وأسلوب الإدارة والأشخاص والأهم من ذلك انحـــــيازاته الاجــتماعية …باختصار نحتاج إلى ثورةٍ حقيقيةٍ تقودها حكومةٌ ثوريةٌ حقيقية … دون ذلك فسوف نظل نتعثر وتضيع منا الفرصة التاريخية التي لن تتكرر…’ كاتب مصري