ليس من الصعب أبدا فهم ان أضلاع هذا المثلث متساوية وكذلك زواياه، أي أنهم على مسافة واحدة من بعضهم، متناغمين، وهم على مسافة واحدة أيضا من نقطة المنتصف، الرئاسة. اعتقدنا والكثيرون أن الناصريين كانوا على خلاف ومعارضين لحكم مبارك وكنا نتساءل لماذا؟ ألم يكن الرئيس مبارك امتدادا طبيعيا للسادات الذي كان امتدادا لعبد الناصر؟ ألم يكونوا ثلاثتهم خريجي المؤسسة العسكرية التي حكمت مصر لمدة 59 عاما، بالحديد والنار؟ حكومة الحزب الواحد، الاتحاد الاشتراكي ايام عبد الناصر والحزب الوطني الحاكم ايام مبارك. ثلاثة رؤساء حكموا مصر حكما ديكتاتوريا، الرجل الواحد ودوائر متسعة حولهم من المنتفعين من رجال أعمال واقتصاد ورجال دين وعسكر (وحرامية) ومخابرات يسبحون بحمدهم ويحفظون لهم الامن ويفتون لهم على المقاس. الانتخابات، إن وجدت فهي مزورة. في عهودهم امتلأت السجون والمعتقلات وحظر الاعلام الحر مقابل الاعلام الرسمي البائس، الذي لم يعد يصدقه أحد الآن،
في كل مرة كان يُسأل عبد الناصر عن الديمقراطية كان جوابه جاهزا، المرحلة لا تسمح، وهذا بالضبط ما يتردد الان، مصر تمر بمرحلة حرجة ودقيقة وهي منهمكة في الحرب على الارهاب، ودائما لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. المعارك التي خاضتها مصر في عهود الرجال الثلاثة كانت كارثية على مصر. صحيح ان قرار التأميم كان ضروريا، ولكن العدوان الثلاثي على مصر نال منها بان دمرت مدن القناة، ولولا التوافق الروسي الامريكي ايامها لانهاء الحرب لكانت النتائج اكثر كارثية، اذ لم يكن بمقدور مصر مواجهة فرنسا وبريطانيا واسرائيل، فقدرات الجيش المصري كانت متواضعة جدا، ولكن صمود الشعب ومقاومته للغزاة في مدن القناة يجب ان يسجل للتاريخ. ثم جاءت هزيمة 1967 النكراء تحت إمرة ناصر وعامر ورجال المخابرات الذين كانوا منغمسين في اللهو والمجون. ولم تكن حرب 1973 احسن حالا، فالعبور كان عظيما، والنصر كان قصيرا جدا، لأيام قبل أن يجيّر لحسابات السياسة والسلام. الفريق سعد الدين الشاذلي، رحمه الله، قال رأيه العسكري في ما جرى بجرأة، فكان ان عزل ونفي في عهد السادات، وحوكم في عهد مبارك وسجن لأنه كشف تآمر مؤسسة الرئاسة على العسكر الشرفاء. أما الحرب الأسوأ فهي حرب اسرائيل على قطاع غزة في كانون الاول/ ديسمبر 2008، وهي بالطبع حرب لم تخضها مصر ولكن اسرائيل، وعلى لسان تسيبي ليفني اعلنت شنها على غزة من القاهرة، وهي تقف الى جانب ابو الغيط وزير خارجية مبارك انذاك، الذي لام فيها حماس وحملها المسؤولية قبل واثناء وبعد الحرب.
نعود الى الناصريين الذين دعموا الانقلاب على الرئيس مرسي الذي قام به السيسي. قد يقول قائل انهم اعداء الاخوان، الكثير من حركات الشباب الثورية فعلت نفس الشيء من نفس المنطلق، ولكن بعد ان تبين لها الخيط الابيض من الاسود، مثل حركة ‘6 ابريل’، عادت الى رشدها ووقفت ضد السيسي وعسكرة مصر، اما الناصريون فزادوا في تخندقهم مع العسكر. كتاب مثل عبد الحليم قنديل ومصطفى بكري وقفوا مع السيسي حتى ضد المرشح الناصري حمدين صباحي الذي تملق السيسي ايضا.
الرئيس مبارك قال عن الناصريين كلمة واحدة تلخص الموقف كله، ‘ده كلام مزيكا’. ماذا يعني ذلك؟ هل الناصرية اصبحت موسيقى نشازا؟ أم موسيقى لا يسمعها احد؟ أم موسيقى اي كلام، للهو لا تنفع احدا. اذا كان مبارك يؤيد السيسي فلماذا يتنطع علينا الناصريون بوطنية السيسي، ولماذا يتظاهرون بانهم ضد مبارك؟ أليسوا كلهم في خندق واحد فعلا من اجل حكم عسكري لمصر يضرب بالحريات وحقوق الانسان عرض الحائط.
تشبيه السيسي بعبد الناصر من قبل الناصريين او غيرهم ليس مدعاة للفخر، فعبد الناصر الذي رفع شعار القومية العربية جلب للعرب اقسى هزيمة، وهي هزيمة 1967 وفشل في الابقاء على الوحدة السورية المصرية، لانه تصرف كديكتاتور وليس شريكا في الوحدة، وعين عامر رئيسا للقطر الجنوبي، سوريا. ولا ينسى احد بالطبع انغماسه في حرب اليمن التي فتكت بخيرة شباب مصر. في عهده منعت الاحزاب وكممت الافواه وشيدت المعتقلات ومورس فيها ابشع انواع التعذيب الذي لا يليق بالبشر، وافتعل حربا مع الاخوان وفبرك محاولات اغتياله وحاكمهم بمحاكم عسكرية واعدم علماءهم. ايامه كان الاعلام الرسمي سيد الموقف يدعي ما يشاء، اما الان فالحقائق متاحة لمن يود معرفتها متخليا عن العواطف الجياشة غير المبنية على الوثائق.
الناصريون شركاء في الانقـــــلاب على شرعية الشعب المصري، ها هم قد انكشفوا، فكل ما يطمحـــون له هو المناصـــــب وقد عرفوا طريقــــها، الرياء والنفاق على حساب هذا الشعب المســــكين الذي صـــدّقهم يوما ما بشعارات، مجرد شــــعارات بلا مضمون. الناصريون لا يعرفون الديمقـــــراطية ولا الحـــــريات، لقــــد تربوا في حضن العسكر، وما زالوا في حجــرهم يلهون عسى أن يجـــــود عليهم بشـــــيء ما، وكـــــما قال الشاعر طرفة بن العــــبد: ســـتبدي لك الايــام ما كنت جـــــاهلا.. ويأتيك بالاخبار من لم تزود.
‘ كاتب فلسطيني