مبارك ينصح مرسي بعدم تعطيل سير المحاكمة.. واستمرار رجال نظامه في مهاجمة رئيس الوزراء الببلاوي

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ أفردت الصحف الصادرة أمس، الخميس 7 تشرين الثاني/نوفمبر، مساحات لا بأس بها لمتابعة ردود الأفعال على الجلسة الأولى لمحاكمة الرئيس السابق الدكتور محمد مرسي، وعدد من الإخوان، وكان أبرز ما نشر في جريدة ‘اليوم السابع’ في تحقيق زميلنا محمود عبدالراضي عما دار بين مبارك وعدد من مرافقيه وجاء فيه:
‘أوضح المقربون من مبارك بأنه علق على موقف الرئيس محمد مرسي من المحاكمة وعدم ارتدائه للملابس البيضاء وتعطيل سير القضية، مؤكدا انه ليس من مصلحته ذلك، وكان يتعين عليه ان يخضع للقانون، وتابع مبارك بأنه ارتدى الزي الابيض ولم يخجل من الرد على قاضي المحكمة قائلا: افندم أنا موجود.
أما زميلنا الإخواني شعبان عبدالرحمن فقد كان له رأي آخر مختلف تماما عن رأي مبارك، عبر عنه أمس ايضا في مقال له بجريدة ‘الحرية والعدالة’ عنوانه ‘هولاكو يحاكم صلاح الدين’، أي ان السيسي يحاكم مرسي، قال فيه:
‘وقف صلاح الدين في قفص الانقلاب ليقوم هولاكو المجرم بمحاكمته، باتت عجلة التاريخ تسير بظهرها، وبات العالم الذي يدعي انه متمدين يسير على يديه، ويفكر بقدميه، التقيا في الرابع من نوفمبر وبالتحديد في ساحة الانقلاب العسكري، لقاء خارج نطاق التاريخ في أحداث خارج نطاق العقل والمنطق، انقلاب خارج عن كل الأعراف مجازر لم يتصورها عقل، اعتقالات لفتيات بصورة يستحي منها أبو جهل، هولاكو يعتلي كرسي العرش الذي خطفه ويحكم ويدير ويسرح ويمرح وفرق الزار الإعلامي لا تتوقف عن الرقص، ثم يأتون بالرئيس المنتخب ليحاكموه أمام قضاء شارك بكل قوة وفجور في ذلك الانقلاب، وفي تهمة هي ايضا خارج نطاق العقل والمنطق، وهو مشهد يصيب بالدوار، ويزيد من بؤسه وكارثيته، تصريحات جون كيري وزير خارجية أمريكا صانعة الانقلاب، خلال زيارته لمصر، حيث طالب بعدالة المحاكمة ونسي ان بلاده داست على كل قيم العدالة عندما دبرت ذلك الانقلاب، ونسي ان الشعب المصري لن ينسى لأمريكا أبدا هذا الاحتلال بالوكالة عبر عملائها لإرادته’.
واهتمت الصحف، بواقعة قيام أحد شباب الإخوان يوم الاثنين اثناء المحاكمة بصفع سيدة عجوز اسمها عواطف سالم على وجهها مرتين، لأنها كانت ترفع خارج المحكمة صورة لخالد الذكر والسادات والسيسي، وهي الواقعة التي تثير موجة من الغيظ ومطالبات للشرطة بسرعة القبض على الشاب الإخواني.
ولوحظ استمرار بعض رجال مبارك في مهاجمة رئيس الوزراء الدكتور حازم الببلاوي، ولم يكن زميلنا وصديقنا بـ’الأهرام’ أحمد موسى، وهو مقدم برنامج تلفزيوني ناجح اسمه ‘الشعب يرى’ في قناة التحرير، لم يكن موفقاً عندما استضاف مساء الأربعاء محامي مبارك، فريد الديب ليهاجم رئيس الوزراء الدكتور حازم الببلاوي، ويوجه إليه اتهامات وإهانات غير لائقة، ولم يكن موسى في حاجة لأن يستعين به لمهاجمة الببلاوي، لأنه وغيره يهاجمونه فعلا ومعه عدد من الوزراء، أما الاستعانة بمحامين يتولون قضايا معينة ليدافعوا عن موكليهم فهذا أمر غير مقبول، كما اهتمت الصحف بأزمة أنابيب البوتاجاز الشديدة، ورفض محكمة استئناف القاهرة الاستشكال الذي تقدمت به جماعة الإخوان المسلمين لوقف تنفيذ الحكم الأول، بحظر نشاط الجمعية وكل ما يتفرع عنها، واي أنشطة يشارك فيها أي من أعضائها، وتجميد أموالها.
وإلى بعض مما عندنا:

ديمقراطية استئصال الآخر

ونبدأ بالمعارك والردود المتنوعة التي يضرب أصحابها في كل اتجاه لا يلوون على شيء، وسيبدأها من يوم السبت زميلنا الإخواني خفيف الظل سليمان قناوي رئيس تحرير ‘أخبار اليوم’ بقوله: ‘سمح الله لإبليس أن يختلف معه ويجادله، أما نحن فلا نطيق لبني آدم أمثالنا أن يروا غير ما نرى، تحاور رب العزة مع إبليس وكان قادراً على ان يخرسه ويخسف به وبداره سابع أرض، ولكن منحه الفرصة كي يعرض وجهة نظره في عصيان أمر من مالك الكون وخالق الأرض والسموات العلا، لكنك اليوم إذا أبديت وجهة نظر مخالفة لكبير أو مسؤول، يبقى دخلت في المحظور، وهي ردة وعودة لما وراء خطوط 24 يناير 2011، وقتها كانت الخطوط الحمراء أكثر من الهم على القلب، وكان المنع والحذف من المقالات من التمارين الذهنية لبعض رؤساء التحرير، فهي ديمقراطية استئصال الآخر والاقتصار فقط على الأهل والعشيرة، وهذه كانت وستظل آفة العقل العربي، الأهل والعشيرة مشكلتنا جميعاً، هي شلة طاولة زهراء العجمي عند الراحل د. عاطف صدقي، وهي جماعة لجنة السياسات التي كانت تحكم مصر قبيل الثورة عند جمال مبارك، الأهل والعشيرة الآن هي جبهة الإنقاذ التي تشكل الحكومة، ومنها بعض رجال مؤسسة الرئاسة والمجلس القومي لحقوق الإنسان وغيره، من كان منكم بلا أهل أو عشيرة فليرجم هؤلاء بحجر’.والمشكلة هنا ان سليمان يهاجم جماعته على طريقة، وكل لبيب بالإشارة يفهم، عندما يستخدم تعبير الأهل والعشيرة ولا يذكر الإخوان صراحة ومرسي بالاسم، عندما خاطب الإخوان الذين تجمعوا أمام قصر الاتحادية قائلا لهم: أهلي وعشيرتي، بينما اعتبر الشلل السابقة، والشلة الحالية، أهلا وعشيرة، أي على طريقة لا تعايرني ولا أعايرك، الأهل والعشيرة طايلني وطايلاك، ولهذا كان طبيعيا الا يذكر لنا أمثلة أو نماذج عن الخطوط الحمراء التي حذرت عشيرة الإخوان الصحف القومية والتلفزيون الرسمي من الاقتراب منها، بينما زميلنا وصديقنا إبراهيم منصور رئيس التحرير التنفيذي لجريدة ‘التحرير’ حدد اسم عشيرة وأهل الإخوان وكأنه يوضح ما لم يوضحه سليمان، فقال:
‘جرد مبارك الوطن من الكفاءات ومن القوى الحية تمهيداً لتوريث ابنه وجماعته التي بدأت في الاحتكارات للسيطرة على البلاد وإعادة ترتيبها، وفق قوانينهم للسيطرة. ولعله لم يكن يتخيل أبداً ـ أي مبارك – أن يخرج الشعب في ثورة ضده، فالرجل كان يعيش في الخيال ويهيأ له انه صاحب فضل على الشعب. الأمر نفسه في الفساد السياسي ينطبق على محمد مرسي، فلم يكن أي قرار يتخذه إلا بعد الرجوع إلى مكتب إرشاد الجماعة، ولم يكن أبداً ينظر الى مصر كوطن، وإلى المصريين كشعب، بل كان يعتبرهم، أو قل إن الجماعة كانت تعتبر الشعب المصري، يسيرون على منهج السمع والطاعة، فكانت سنة حكم محمد مرسي وجماعته سنة من الفساد السياسي والاستبداد بالسلطة، واستمرار نفس سياسات مبارك، من تجريف البلاد من الكفاءات، ومنح المناصب والنفوذ للأهل والعشيرة’.

محاسن حسني مبارك

وانتقلت المعارك يوم الأحد إلى ‘صوت الأمة’ حيث قام زميلنا عنتر عبداللطيف بشن هجوم ضد صديقنا الدكتور الطبيب محمد الجوادي استاذ القلب بجامعة الزقازيق، والكاتب وعضو مجمع اللغة العربية بسبب وجوده في قطر ومهاجمته لمصر من هناك منحازا للإخوان، فأراد عنتر، أن يذكر القراء بتأييد الجوادي لمبارك ونظامه الذي أصدر كتابا سنة 2000 عنوانه ‘النخبة المصرية الحاكمة’ والصادر عن مكتبة مدبولي، ومما قاله الجوادي فيه عن مبارك: ‘يحظى الرئيس مبارك بدرجة كبيرة من الإجماع المصري على اختياره رئيساً للفترة القادمة، ربما لم يحظ بها من قبل أي رئيس مصري سابق، ثمة عوامل كثيرة مكنت الرئيس مبارك من الوصول الى هذه الدرجة على مدى ثمانية عشر عاماً من رئاسته وأربعة وعشرين عاما من بقائه في الموقع المتقدم نائبا للرئيس ثم رئيساً. وبعيدا عن الأفكار النظرية الكثيرة يمكن لنا أن ندرك بكل وضوح العوامل التي مكنت مبارك من تحقيق هذه المكانة المتقدمة:
إحساس الجماهير بالانجاز الحقيقي.
تحرير المواطنين في المعاناة اليومية: حين بدأ الرئيس حسني مبارك عهده كان الحصول على قطعة من الصابون يمثل انجازا حقيقياً لبعض الناس كذلك الزيت والسكر والدقيق والكيروسين والأرز، الآن انقلبت الآية شركات الصابون هي التي تلح طوال اليوم على المواطن ليشتري منها الصابون ومسحوقات التنظيف التي كانت قد قاربت أن تكون من عجائب الدنيا بالنسبة للمواطنين.
تجنيب الوطن المشكلات الكبرى: لم يعرف التاريخ المصري من استطاع أن يتغلب على مشاعره الشخصية على نحو ما فعل حسني مبارك.
الثبات الانفعالي العالي: لم يسمح حسني مبارك أبداً لأي استفزاز أن يوجه تصرفاته. البدء بالإحسان: على الرغم من جرح مصر حكومة وشعباً من موقف حكومات الدول العربية عند وفاة الرئيس السادات فإن حسني مبارك استوعب الموقف بمهارة شديدة.
غفران الإساءة: يبدو حسني مبارك وكأنه يتجاهل تماماً الإساءات الخبيثة التي اندفع إليها كثير من الصحافيين الطامعين في موقع قديم من قبيل وصف حكمه بالشيخوخة في مقاعدها أو التخلي عن الأهداف القومية والحلم العربي والحل الاشتراكي وتكافؤ الفرص والاتهام بالتبعية.
الروح المرحة: حتى في أحلك اللحظات يحرص مبارك على إضفاء جو المرح’.

ضرورة التزام المذيع بالقيم الاجتماعية

أما زميلنا بنفس الجريدة، سعيد وهبة، فقد هاجم الإعلامي باسم يوسف بقوله: ‘المذيع ليس حراً في أن يشخر ويستخدم إيحاءات صوتية جنسية من غرف النوم أو إيحاءات بأصابعه وذراعه، وإلا كان ذلك ابتذالاً بذيئاً واستخفافاً بالقيم الاجتماعية، ويوم تعرض الدكتور البرادعي لهتافات مضادة حين ذهب للإدلاء بصوته في الاستفتاء على الإعلان الدستوري وطارده المتظاهرون في المقطم وطردوه من اللجنة لم يعتبر ذلك مظهراً للحرية والديمقراطية التي يعظنا بها، وإنما اعتبر تظاهر الناس ضده وسخطهم عليه مؤامرة تماماً كشأن أي طاغية مستبد’.

الكارثة التي حلت بالأزهر

وإلى المظاهرات التي اندلعت في الجامعات وحدث فيها ما لم يسبق ان شاهدته الجامعات المصرية طوال تاريخها. فقد سبق وان حدثت معارك بين طلاب الإخوان المسلمين عام 1946 مع طلاب حزب الوفد اثناء تحالف حسن البنا عليه رحمة الله مع رئيس الوزراء اسماعيل صدقي باشا والقصر الملكي، ثم المعارك التي حدثت في عهد الرئيس أنور السادات عليه رحمة الله عندما شجع طلاب الجماعات الإسلامية وأمدهم بالسلاح الابيض بواسطة عدد من مساعديه، مثل عثمان أحمد عثمان ومحمد إسماعيل عثمان وحامد محمود من أعضاء لجنة النظام بالاتحاد الاشتراكي، للاعتداء على الطلاب الناصريين والشيوعيين، وقبلها قام الطلاب في شباط/فبراير عام 1968 أثناء حكم خالد الذكر بمظاهرات عنيفة احتجاجا على الاحكام التي صدرت ضد قادة سلاح الطيران وتدميره الأرض في المطارات في هزيمة حزيران/يونيو 1967، ومظاهرات عديدة أيام مبارك، ومرسي، لكن لم يحدث ان قام الطلاب بمهاجمة وتدمير وتخريب كلياتهم وإدارات الجامعات، والإعلان عن مخطط لتعطيل الدراسة نهائيا، ولأول مرة ايضا يتم القبض على عمداء كليات وأساتذة جامعات يشاركون بالتحريض ونقل زجاجات المولوتوف في مسيراتهم الى الجامعات لدرجة أذهلت الناس جميعاً وثاروا على الدولة والحكومة واتهموها بالتخاذل وطالبوها باتخاذ اجراءات رادعة لحماية مستقبل أبنائهم وسمعة التعليم الجامعي في مصر، وهو ما دفع زميلنا وصديقنا واستاذ الإعلام الدكتور حمدي حسن ابو العينين ان يقول يوم الاثنين في مقال له بـ’الأهرام’:
‘تابعت على شاشة التلفزيون هجمة التتار على مباني جامعة الأزهر وعلى قياداتها والفرحة تعلو وجوه المخربين، وهم ينثرون في الهواء وثائق الجامعة وأوراقها ويلقون من الطوابق العليا بالأجهزة والمكاتب في ما لم تنجح الجدران من التحطيم بعد أن اكتست بعبارات لم يعرفها الأزهر طوال اكثر من ألف عام، لقد عملت بضع سنوات مع كثير من الأزهريين وعرفت منهم معنى إجلال علمائهم وتأكيدهم آداب طلب العلم، ولكن الذي شاهدته وملايين غيري يؤكد أن كارثة قد حلت بالأزهر، وأن الأمر لا يقتضي فقط حلولا أمنية أو عقوبات إدارية حازمة، الأمر يقتضي مراجعة شاملة لكل شيء في الأزهر من المناهج حتى التمويل والتنظيم الإداري حتى يطوي الزمن تلك البقعة السوداء في ثوب تلك المؤسسة العملاقة، على الأزهريين ألا يجزعوا من الخوف الذي يشعر به المصريون بأن يكون هؤلاء الذين انتهكوا ابسط قواعد الأخلاق واجترأوا على الجامع والجامعة وعلى شيخهما، الذي له في نفوسهم جلال ووقار، هم دعاة الإسلام في الغد القريب ولن تنفعهم مقولات انهم قلة، فقد جاءت هذه القلة بآثام عظيمة وهل تحض تعاليم الإسلام في الأزهر الكثرة من الطلاب على ان يتركوا أساتذتهم وجامعتهم لهذه القلة تدمرها، لماذا لم يفعلوا مثلما فعل طلاب احدى كليات الصيدلة في جامعة إقليمية حين وقفوا يصدون مثل هؤلاء حين تربصوا بمعامل الكلية فأفشلوا مخططاتهم واحتفظوا بمعاملهم سليمة تواصل رسالتها. وفي جامعة القاهرة حيث للمظاهرات تاريخ طويل منذ عقود، وقع ما لم يقع فيها من قبل، وبينما كان طلاب ملثمون يعتلون مبنى احدى الكليات يرفعون الرايات السوداء والطلاب يحاصرون قاعة الاحتفالات الكبرى ويقتحمونها كان رئيس الجامعة يعلن في الصحف ان الجامعة ‘زي الفل’ تماماًَ مثل الأطباء تسأل الواحد منهم عن المريض يجود بأنفاسه الأخيرة وهو يقول لك انه ‘زي الفل’، لا ألوم الجامعات إلا على شيء واحد أنها لم تستعد للأمر وتفرض على الحكومة الانتقالية ما تراه ضرورياً لحفظ الأمن والنظام قبل أن يبدأ عام دراسي كان كل شيء يؤكد انه عام من الاضطرابات’.

لن يعود الحرس الجامعي الى الحرم

ومن ‘الأهرام’ إلى مجلة ‘المصور’، امس الخميس والحديث الذي نشرته لصديقنا العزيز ووزير التعلم العالي والفقيه الدستوري واستاذ القانون بجامعة عين شمس الدكتور حسام عيسى، ناصري، أجرته معه الجميلة زميلتنا إيمان رسلان كان أبرز ما قاله فيه:
‘التطورات التي حدثت لا تعني أني سوف أوافق على عودة الحرس الجامعي الى الحرم فهذا صدر به حكم قضائي نهائي، وأنا كأستاذ قانون أحترم القضاء وبالتالي لا عودة للحرس الجامعي، يضاف الى ذلك سبب مهم آخر وهو ان الحرس الجامعي حتى قبل إلغائه في 2010 كان عبارة عن ضابط وثلاثة جنود، أي انه هو الآخر في ظل المعطيات الحالية لا يستطيع مواجهة الشغب الذي يحدث، والأفضل منه هو قرار مجلس الوزراء الذي تقدمت به، وهو وجود الشرطة بالكامل المستعد لمواجهة أي خروج على آداب العلم ومواجهة التخريب، فالأفضل عملياً هو وجود الشرطة في الخارج واستدعاؤها، كما حدث في الأزهر’.

مطالب شباب الثورة يجب
ان تكون على اجندة من يحكم

ونقرأ في جريدة ‘الشروق’ للكاتب عمرو خفاجي مقالا عن استغلال الثورة كل على هواه يقول:
‘يتحدث الجميع عن الثورة وباسم الثورة، والبعض أسس أحزابا وائتلافات مستخدما اسمها، والذين يحكمون يقولون إنهم حكومة ثورة، والذين يعارضون من يحكم يقولون إنهم يعارضون من أجلها، وبين كل ذلك، وطوال الشهور الماضية ومنذ اندلاع الثورة، يستعملها الجميع لغطاء أي فعل أو تحركات أو إجراءات، بما في ذلك أفعال القتل والسلب والنهب، وبصراحة إن ذلك أسوأ ما يحدث لثورة عظيمة كان المصريون يأملون فيها أن تكون قادرة على تغيير أوضاعهم السيئة، استعمالها بالشكل الذي شهدناه من جميع القوى والمؤسسات، بما في ذلك مؤسسات أمنية وإعلامية، أمر مؤسف وحزين، والمدهش ألا أحد يخجل مما يفعل، على الرغم من أن جميع المواقف كانت مسجلة ومعلنة، فالتحولات التي مارسها البعض لا يمكن وصفها إلا بالخداع والكذب، والتواطؤ من الذين يقبلون بهذا الخداع والكذب، ولا يخفى على أحد أن الثورة بريئة من كل هؤلاء وبريئة من جميع تلك الأفعال، لأن جموع الشعوب التي ثارت خلال 18 يوما، وتمسكت بثورتها، لم تكن ترغب أبدا في كل ما حدث، ولم تفوض أحدا به، ولم تطلب أن يستعملها أحد باسم الثورة، ومازالت جميع القوى، حتى هذه اللحظة تستعمل الثورة وشعبها، فيما تخطط له بعيدا عن الثورة ومكاسبها.
كانت المهمة الأولى واضحة، إبعاد جميع شباب الثورة عن المشهد العام في مصر، مع التشكيك في نواياهم وتخوين مواقفهم الوطنية، ثم إضفاء صفة ‘الإسلامية’ على الثورة، مما يعني استبعاد جميع الفصائل الأخرى من انتسابها لها، وأحيانا وصلت درجات التبجح لوصف ثوار يناير بأنهم الثورة المضادة وتم سجن بعضهم بالفعل، حتى اختفت، تماما، كل الوجوه التي قادت ثورة يناير، اللهم إلا البعض المتناثرين هنا أو هناك، من دون أن تكون لهم أية مشاركات حقيقية في العمل السياسي، ويكفى أن نشير إلى أن جميع الأحزاب أهملتهم وهي تضع قوائم ترشيحات مجلس الشعب (2011) ولم ينجح سوى شاب واحد من قوائم الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعى، ثم اختفى هذا الشاب أيضا من المشهد، الذي نجحت جماعة الإخوان لتحويله إلى مشهد خاص بأعضائها، حتى ان الكثير من شباب الجماعة رفض هذه الممارسات علنا وانشق عنها، فتسربت الثورة وسط كل هذه السرقات والحماقات، ولم يبق سوى المتاجرة بها.
في الخطاب الأخير للرئيس المعزول، اعترف بظلم جماعته لشباب الثورة، ووعد بتسكين هؤلاء في مناصب الدولة، طبعا مناصب مميزة، وهي الوعود المتكررة من جميع المسؤولين الذين تولوا مهام بعد يناير 2011، وغالبا تأتي بعد ضغوط من هؤلاء الشباب، لكن الذي لم تفهمه الجماعة، ومن كان قبلها، وربما من جاء بعدها، أن القضية لم تكن أبدا منح هؤلاء الشباب مناصب أو مكاسب، كما أن فكرة تمكين الشباب فكرة وهمية لا تعبر أبدا عن مطالب الثورة، فكل ما كان يطلبه هؤلاء الشباب كان واضحا وجليا هو أن تتمكن الثورة من التعبير عن نفسها سياسيا، وهو لا يعني بالضرورة أن يكون شبابها في مواقع الحكم، بل أن تكون مطالبهم على أجندة من يحكم، وهذا هو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن، إن الثورة تم استعمالها واستغلالها في كل شيء، إلا فى تمكين سياساتها من حكم مصر، وأعتقد أن تلك هي الحقيقة التى يتهرب منها الجميع، لأن سياسات الثورة كانت تعني بالضرورة إبعاد غالبية من حكم من المشهد السياسي في مصر، لا توليتهم مقاليد الأمور’.

المؤامرة موجودة في كل زمان ومكان

وفي ‘اليوم السابع’ يوضح الدكتور مصطفى الفقي رأيه في التفسير التآمري للتاريخ قائلا:
‘مع أنني لا أستسلم للتفسير التآمري للتاريخ، إلا أنني مؤمن بأن المؤامرة موجودة في كل زمان ومكان. ولقد بدأت أنظر إلى ما جرى بشيء من الريبة والقلق رغم الأهداف السامية لثورات شعبية تطيح بالفساد والاستبداد، لكنني أتصور الآن – وأرجو أن أكون واهما – أن هناك قوى دولية ومؤسسات عالمية دست عناصر أخرى من جانبها بأجندات مختلفة لتشويه وجه تلك الثورات، تمهيدا لتسليمها لمن لا يستحقونها، والذي يدفع الثمن في النهاية هو الشعوب التي أدركت أن الشباب النقى من أبنائها مثل الشباب المصري في 25 يناير 2011 قد جرى خداعه، والانقضاض على تضحياته من أجل أهداف خارجية، وصراعات داخلية، وها هو المشهد الآن يوحى بصدق ما نقول، ويؤكد لنا أن الرواية لم تتم فصولها.

مصر تعيش أزمة حقيقية
هي أزمة صراع الشرعيات وتنازعها

وفي جريدة’المصريون’ يكتب الدكتور عمرو عبد الكريم عن شرعية التوافق: ‘على مدار تاريخ مصر الحديث والمعاصر مثّلت ثورة أو ما عرف بثورة يوليو 1952 مصدر الشرعية الوحيد، التي كانت الأساس لنظام عبد الناصر والسادات ومبارك. ورغم ما قام به الرئيس السادات من إبعاد خصومه الناصريين عن المراكز المؤثرة والمواقع بالغة الأهمية في إدارة شؤون الدولة، إلا أنه لم يستطع أن يؤسس لشرعية بديلة عن شرعية يوليو ونظام ناصر، إلا بعد حرب أكتوبر وتحقيقه النصر الأبرز في تاريخ العرب الحديث على الإسرائيليين، وهو ما عرف بشرعية أكتوبر. وظل مبارك يتمتع لفترة طويلة بتلك الشرعية الرمزية، شرعية انتصار أكتوبر باعتباره أحد صنّاعه، بالإضافة إلى شرعية الانتخابات الصورية التي كانت تتم في عهده، حتى قامت ثورة 25 يناير 2011 مؤسسة لشرعية جديدة في بر مصر.
كانت ثورة يناير ثورة حقيقية غير سابقة التجهيز وغير معدة سلفا (ولم تصنع على أعين أجهزة المخابرات، ومؤسسات الدولة العميقة) خرج فيها الناس خروجا حقيقيا، غير مفتعل، وغير مدفوع، وغير موجه، وغير مؤدلج. خرجوا ينادون بقيم جديدة على العمل السياسي والمعارضة الحزبية في مصر، هي قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
خرجت ثورة يناير بعيدا عن الأحزاب السياسية والتكوينات التقليدية التي امتهنت العمل السياسي حتى امتهنته، وتاجرت به حتى ابتذلته، كانت معارضة مبارك تجلس مع أجهزة أمنه يتفقون على نسب المشاركة، والأعداد التي يمكن التي يمكن أن تفوز، وأي الدوائر يخلونها للرموز الوطنية الشريفة أمثال زكريا عزمي وأحمد عز (هكذا تكلم زاردشت).
نادت ثورة يناير بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التي تعبر عن قيم التيار المصري الرئيسي، وتناست الأحزاب والتكتلات شعاراتها وهتافاتها الخاصة وتوحدت على نداء مصر، فكان أن انحازت المؤسسة العسكرية لصوت الناس، وكان لابد من تبديل العجلة الخامسة (التضحية برأس النظام حتى يعيش أو ينجو النظام).
أسست ثورة يناير لشرعية جديدة تجاوز بها النظام السياسي المصري شرعية يوليو وحتى شرعية أكتوبر، وحتى غلالة الشرعية الهشة أو الرقيقة التي كان نظام مبارك يتدثر بها جراء انتخابات صورية مصنوعة سلفا، سقطت تحت سنابك خيل الشباب الثائر، فلم يجرؤ أحد أن ينادي بها، أو يزعم لمبارك شرعية بها، ثم كانت شرعية الانتخابات الحرة النزيهة التي جرت على أعين العالم كله (كاميرات وحوارات وتقارير) التي جعلت من الدكتور محمد مرسي رئيسا منتخبا، انتخابات لم يطعن أحد في نزاهتها. لذلك كانت كلمة الشرعية أكثر الكلمات تردادا في خطابات محمد مرسي خاصة خطابه الأخير، ثم خرجت الناس في 30 يونيو خروجا حقيقيا، وإن كان قسم كبير منها مدفوعا ومصطنعا أو مفتعلا (وتلك أزمة الإخوان الحقيقية أنهم لا يريدون أن يعترفوا أن ثمة ملايين اختلفت تقديراتهم ما بين موسع ومضيق خرجوا ضد نظام الدكتور محمد مرسي، وأن هؤلاء الذين خرجوا هم من منحوا الدكتور مرسي شرعيته، وهم من تظاهروا ضده، وكان لابد من احترام تلك الحقيقة، لا إنكارها والعمل على التقليل من تأثيرها).
ولقد صادف خروج الناس (هذا الخروج الحقيقي) مصالح الفلول والنخبة المزيفة وإرادة المؤسسة العسكرية وتمويل رجال أعمال مبارك. وهذه أزمة أخرى عند الإخوان أنهم لا يريدون أن يعترفوا أن تكتل المصالح هذا والمدعوم إقليميا وعسكريا كان لابد أن ينهي حكم الدكتور محمد مرسي، وأنه كان لابد من إجراءات على الأرض تمنع وقوعه، كانت أهم هذه الإجراءات الدخول سريعا ومباشرة في موجة واسعة من التحالفات مع كل تكوينات وشباب ثورة يناير الذين يرفضون مبدئيا التحالف مع الفلول، أو مع رجال أعمال مبارك، وكان يمكن بهذا الإجراء تحييد المؤسسة العسكرية أو حتى على الأقل تصبر على الدكتور مرسي كما صبرت على مبارك 18 يوما وليس ثلاثة أيام.
إنما كان هذا التحالف الواسع يقتضي شراكات حقيقية في الحكم والإدارة وهو ما أحسب أن الإخوان لم يكونوا مرحبين به. على كلٍ لست من هواة التحليل بأثر رجعي، إنما نأخذ من أخطاء الماضي القريب دروسا للحاضر والمستقبل، حتى في معركة المعارضة لنظام السيسي، ومحاولات تقليل الهدر الحاصل في القوة والأرواح، ثم كانت 3 يوليو هي تعبير أمثل ونموذجي عن شرعية القوة المجردة عندما تريد أن تخلق واقعا على الأرض، وإن تدثرت بخروج كبير للناس، كانت تعبيرا عن شرعية الأمر الواقع وسياسات ليّ الذراع. وهنا اتصور الدرس الثالث أنه كان على الإخوان عقب 3 يوليو أن يستوعبوا هم ما يسمونه الانقلاب، ولا يجعلون الانقلاب يستوعبهم في مجازر بشرية ويدفعهم دفعا إلى انتهاج العنف أو استخدام السلاح ويضعهم ليس فقط في خانة غير القانونيين إنما في خانة الإرهابيين، ومن ثم كانت كل الرهانات الفاشلة من هواة السياسة والعلاقات الدولية من الدعوة للتدخل الأجنبي، أو المراهنة على انقسام الجيش أو انشقاق بعض قيادته، أو الاستغاثة بالشعوب الحرة، هل رأيتم أحد محترفي السياسة في عالمنا المعاصر راهن يوما على دور الشعوب الحرة، وتدخلها لإنقاذ المستضعفين. لم يستطع الدكتور مرسي رغم شرعيته الانتخابية التي لا يشك أو يشكك فيها أحد (إلا غلاة أنصار شفيق ومن يمولهم) أن يحقق إنجازا اقتصاديا أو سياسيا ملموسا على الأرض يحقق له شيئا من شرعية الإنجاز. ولم يحقق نظام السيسي رغم كل ما يتمتع به من قوة عسكرية ودعم إقليمي شيئا ملموسا من شرعية الإنجاز، بل أتصور أن فشله – رغم كل الدعم- أكبر، وأن إخفاقه – رغم كل المساندة الإقليمية والسكوت الداخلي- أشد. كلاهما فشل في أن يضيف لمصدر شرعيته أي قدر من شرعية الإنجاز. والخلاصة: مصر تعيش أزمة حقيقية هي أزمة صراع الشرعيات وتنازعها، ولا حل لهذه الأزمة إلا أن تنتقل مصر إلى شرعية التوافق، متجاوزة بذلك شرعية الانتخابات التي يتمتع بها الدكتور مرسي، وشرعية القوة العسكرية التي يتمتع بها السيسي. وشرعية التوافق هنا ربما تؤسس لشرعية جديدة في بر مصر، شرعية تقوم على الاعتراف بالأمر الواقع (وهنا نؤكد أنه إذا كان نظام السيسي أمرا واقعا، فكذلك المعارضة التي تتحرك في الشوارع على مدار ثلاثة شهور وقدمت مئات الضحايا على أقل تقدير أمرا أشد وقوعا). شرعية تقوم على الاعتراف بالآخر، وحقه في الوجود والعمل الاجتماعي والسياسي. شرعية لا تقصي أحدا ولا تحرمه من حقه في التأثير والتغيير (ضمن سقف عال محترم) طالما التزم ميزان التوافق الذي يتم تحديده.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية