أحسبُ أن التعبيرعن العواطف يوجد في الشعر أكثر مما يوجد في الكتابات النثرية والرواية. وعندنا من ذلك أمثلة كثيرة في الشعر العربي. فهذا مجنون ليلى، قيس ابن المُلوَّح ( 645- 688) من أبرز شعراء العهد الأموي، نجد في شعره وصفاً لعواطفه تجاه ليلى يكاد يكون ملموسا ًقبل أن يكون مقروءاً:
أمُرُّ على الديار ديار ليلى/ أقبِّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حُب الديار شَغفنَ قلبي/ ولكن حُبُّ من سَكن الديارا
هنا نُحس أن العاطفة صادقةٌ مَرئية وملموسة في حركة الشاعر وتلمُّس جدار دار الحبيبة ليُقبِّله ثم ينتقل إلى الجدار الآخر. وكأن الشاعر يقول لنا نحن القرّاء أو المشاهدون إن ما يفعله ليس جنوناً وحُبّاً بالجدار، بل حُبّاً بساكنة الديار؛ فهو يعرف ما يفعل لذا فهو صادق.
وهذا مثال آخر من صادق العاطفة نجده في شعر أبو فراس الحَمْداني (932- 968). كان هذا الشاعر الفارس المِغوار قد سجن عدة مرّات، إذ أُسِر في حروبه مع الروم، ومرةً طال أسرُه خمس سنوات في القسطنطينية. وإذ سمع من داخل سجنه حمامةً تنوح وهي طليقة وليست مثله سجينة، عبَّر عن عاطفته بصدق تؤكده صورة هذا الحوار بين حبيس وراء القضبان وحمامة طليقةٍ في الجَو خارج القضبان:
أقول وقد ناحَت بقُربي حمامةٌ / أيا جارتا لو تعلمين بحالي
أيا جارتا ما أنصف الدهرُ بيننا/ تعالي أقاسِمكِ الهمومَ تعالي
هنا كذلك نُحس أن هذه العاطفة صادقةٌ ونكاد نلمحُ وراء القضبان الشاعرَ السجينَ يخاطب الحمامة الطليقة ويعجب من نوحها.
ولا بأس من مثال ثالث، من الشعر الأندلسي هذه المرة، من شعر لسان الدين بن الخطيب (1313- 1374) صاحب: جادَك الغيثُ اذا الغيثُ همى/ يا زمانَ الوصل بالأندلس. يُعدّ هذا الشاعر رائداً في فلسفة الجمال والحب. هذا مثال من شعره يكاد يكون صورةً سينمائيةً بالحركة والألوان، ممالا يترك مجالاً للشك في صدقه:
جاءت مُعذِّبتي في غَيهَبِ الغَسَقِ/ كأنها الكوكب الدُرِّي في الأفُق
فقلتُ شرَّفتِني يا خيرَ زائرةٍ / أما خشيتِ من الحُرّاس في الطرُق؟
فجاوبتني ودمعُ العينِ يسبِقها/ من يركبِ البحرَلا يخشى من الغرق.
ألا يُحس القارئ أنه يرى ويسمع الشاعر وهو يخاطب الحبيبة الزائرة المُغامِرةَ في عتمةِ المساء، غير خائفةٍ من الحرس الليلي المنتشر في الطرقات؟ وهل من عاطفةٍ أصدق صورةً مما نجده في هذه الأبيات من شعر عاشق مُعذَّب؟
وفي مقابل ذلك نجد أمثلةً من الشعر العربي في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي تصف عواطف الحب ولوعة العشاق بشكل يصعب تصديقه، وبخاصة عند المقارنة مع أمثلة الشعر العربية في القرون الخوالي. وأحسب أن بعض السبب في ذلك انفتاح المتأدّبين العرب في أواسط القرن العشرين على الأدب الفرنسي المترجم إلى العربية وبخاصةٍ أدب القرن التاسع عشر في فرنسا. وربما كانت رواية الفرنسي تيوفيل كوتييه (1811- 1872) بعنوان «مادموازيل ده موبان» المنشورة عام 1853 أبرز تلك الكتب التي أثرت في المخيال العربي فراح بعض الشعراء يستوحون أجواء تلك الرواية فجاءت قصائد بعضهم ملآى بأوصاف العواطف ولوعات الغرام مما يَصعب تصديقه، بل قد يثير نوعا من الاستهزاء. ولم يَسلم من ذلك بعض كبار شعراء العصر مثل بشارة عبد الله الخوري، الأخطل الصغير (1885-1968) الذي كتب قصائد مثل: الصبا والجمال ملك يديكِ، وغيرها، فغنّاها كبار المغنين مثل عبد الوهاب وفريد الأطرش وأسمهان ووديع الصافي وصولاً إلى فيروز. وانتشرت تلك الأغاني بين الشباب بصورة خاصة وصرنا نرى بعضهم يسير وهو يترنّم ببعض تلك الأغاني التي وجَدت فيها محطات الإذاعة مَعينا ثرّاً حتى صار الذوق العام لا يستسيغ سوى تلك الأغاني.
وأحسب أن الكثير من مُحبّي الشعر في هذه الأيام لا يستسيغ «قتلَ الوردُ نفسَه حسداً منكِ/ وألقى دماه في وجنتيك. والفراشاتُ مَلّتِ الزهرَ لمّا/ حدّثتها الأنسامُ عن شفتيكِ».
وتدور رواية كوتييه حول عشق مبالغ فيه بين شاب وسيم في العشرينات من العمر وفتاة بالغة الجمال، لا يلبث أن يمَلّ صُحبتها، ثم يصاحب رجلا آخر لا يلبث حتى يقع في غرام روزيت معشوقة الشاب دالبير وتتداخل صور العاشق والمعشوق وينقلنا الكاتب إلى صورة روزيت في سهر الليالي مُتقلبةً في لوعة الغرام والهيام، كما يصوِّر الكاتب لنا حياة العشاق من الشبَق والاستزادة منه في دواخل القلاع. وقد استهوى ذلك كله بعض أدباء العرب في عقد الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي.

وصاحب رواية «مادموازيل ده موبان» شاعرٌ ومنظِّر لفلسفة الجمال. فهو يرى أن الفن هو الجمال والاكتشاف الدائم للتفصيلات والكلمات المناسبة للتعبير عن عاطفة الحب. وأحسب أن بعض شعرائنا قد زادوا في ذلك المفهوم، كما نجد في قصيدة «الجندول» التي شاعت شيوعا كبيرا بين شباب الأربعينات وما بعدها، يردِّدون عبارات منها مثل: بين كاسٍ يتشهّى الكرم ُثغرَه/ وحبيبٍ يتمنّى الليل عِطرَه… أو هكذا قد حرّفوا كلمات القصيدة وزادوا فيها أحيانا. وكان التوقّف والتساؤل عند صورة الساقي الذي يمزج الراح باقداحٍ رِقاق. هل الساقي مذكّر أم مؤنث؟ وهل هو ذهبي الشعر أم هي ذهبية الشعر، لكن الشاعر المغنّي يخاطب بلغة المذكَّر. فهل ذلك على عادة العرب في الإشارة إلى الحبيبة بصيغة المذكّر أم أن الشاعر المغنّي هنا يتغزّل بالمذكّر؟ فيصفه بأنه «مَرِح الأعطاف حُلو اللفَتات»؟ وما معنى «كلّما قلتُ له خُذ قال هات» خُذ ماذا وهاتِ ماذا؟ وهذه ليست أسئلة خبيثة، بل من حق الشباب أن يفهموا ما الذي يريد الشاعر المغني قولَه، وهل هذه أوصاف عاشق يعبِّر عن عواطفه شعراً، بريئا جِدّاً؟
هذه أمثلةٌ قليلةٌ من المبالغة في التعبير عن العواطف عند بعض الشعراء. فيا تُرى إلى أي مدى يمكن أن نذهب مع الشاعر القائل: بلِّغوها إذا أتيتُم حِماها/ أنني مِتُّ بالغرام فداها؟ هل قال هذا وهو على فراش الموت ينطق وصيته الأخيرة؟ أم أنه يتخيّل نفسه كيف سيكون فحرص على التعبير عن مشاعر من «لا يعرف الحبَّ إلا ّمن يُكابِدُه/ ولا الصبابةَ إلا من يُعانيها» أم أنه بقيَ متعلِّقا بالحياة على أمل الاستمرار بالحب والتعبير عنه، لأنه تذكّر حكيم الشعراء والعشاق المتنبي الكبير الذي قال: فعجِبتُ كيف يموت من لا يعشقُ. ولأن شاعرنا عاشق فهو لن يموت، بل سيواصل حياته عشقاً.
ومن أمثلة الكتابة النثرية في وصف عواطف العشاق، التي تفشل في إقناعنا بصدقها، ما بقيَ في ذاكرتي من أيام المدرسة التي كان يُطلب منا حفظها أمثلةً من الكتابة المزوّقة. هذا أديب من أصحاب الثقافة الدينية جداً، يكتب رسالةً إلى حبيبته ويرفقها بزجاجة عِطر. قال:
«يا زجاجةَ العِطر، إذهبي إليها، وتعطّري بلمس يديها، وكوني رسالةَ قلبي إليها…».
هل بعد هذا التعبير الصادق من صدق؟ إذا كنتَ لم تَعشق ولم تدرِ ما الهوى/ فكُن حجراً من جامدِ الصخرِ جَلمَدا…